ذا أتلانتك: في بحث قادة أوروبا عن حل لفيروس كورونا قد ينفعهم التاريخ القديم

2020-03-25 | منذ 6 شهر

يرى الصحافي المقيم في لندن توم ماتاغو بمقال نشرته مجلة “ذا أتلانتك” أن الشعوب في ظل الأزمة الحالية باتت تتطلع نحو القيادات لكي تنقذها، لكن هل ما سيقدمه القادة سيكون مختلفا؟

ويقول إن العالم اليوم مختلف وليس بسبب فيروس كورونا، ولكن الأحداث المتسارعة تعمل على تغييره فالفيروسات تتحول إلى وباء خلال أسابيع والتحديات الطبية تصبح مسألة حياة أو موت في أيام. ويتم إلغاء الحريات التي كانت يوما مقدسة على الهواء مباشرة، أما المجتمعات التي كانت آمنة ومزدهرة يوما ما فتتعرض للخطر. والحقيقة هي أن العالم اليوم مختلف ولم يكن صغيرا كما هو اليوم. فلم يصل الطاعون الأسود إلى أوروبا إلا بعد سنوات في القرن الرابع عشر، أما فيروس كورونا فقد وصل في أسابيع. فالسياسة التي تتعلق بهذا الوباء متنافرة وخارجة عن السيطرة وقفزت بطريقة صارخة من خلال الأرقام المتزايدة عن الوباء.

ومع أن الحياة مختلفة على الأقل في أوروبا التي أجبر فيها السكان على البقاء في منازلهم إلا أن الإنسان لم يتغير. فنحن نخاف من الموت ونتطلع للأمان ونبحث على القادة الذين يدافعون عنا. وسارع القادة واحدا بعد الآخر، في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وأخيرا هنا في بريطانيا بعدما خاطب بوريس جونسون الأمة، رؤساء ورؤساء الوزراء والمستشارين، للبحث عن الأمن من خلال إغلاق اقتصادياتهم وأمر السكان بعدم الخروج من منازلهم ومنح سلطات جديدة للشرطة لتغريم من لا يلتزمون بالتعليمات وعدم الخروج إلا من أجل شراء الاحتياجات الضرورية.

  الأوبئة لا يمكن مقاومتها على الشواطئ أو مدارج الهبوط كما أن محاولة التمسك بالهدوء ومواصلة العمل ليست خيارا

والمقارنات موجودة في كل مكان و”الطريق إلى الأمام صعب وصحيح أن أرواحا كثيرة ستذهب” كما قال جونسون محذرا، و”هو قتال سيشارك به الجميع بلا شك بشكل مباشر”، وهذا هو الكلام الذي قدمه جونسون، “زعيم الحرب”، وحث الجميع على عمله. فمن خلال الإشارة إلى التاريخ يدعو جونسون بشكل محتوم إلى المقارنات التاريخية والمعاناة نتيجة لذلك. وكما كتب كارل ماركس فـ “تقاليد الأجيال الميتة تضغط مثل الكابوس على عقول الأحياء”. وكما في الماضي فاليوم تعتمد كل دولة وهي تحارب فيروس كورونا على قادتها. فلا رئيس أمريكيا متحررا اليوم من ثقل جورج واشنطن أو أبراهام لينكولن ولا رئيس فرنسيا بعيدا عن تركة شارل ديغول ولا رئيس وزراء بريطانيا بعيدا عن شبح وينستون تشرتشل.

وفي بريطانيا، ثقل تشرتشل ضخم لا يتحمله أحد لأنه مغلف بالبطولة التي لا يجاريها أحد. ففي ظل القصف تقول القصص إنه التزم بالهدوء وواصل العمل والقتال على السواحل وعدم الاستسلام وهذا ما هو متوقع في مواجهة كوفيد-19 أو البريكسيت. وفي زمن الأزمات يبحث الناس عما يعرفونه من أساطير والصور المرتبطة بها. فمن أجل معالجة الأزمة حاول جونسون استخدام خلطة من تقاليد تشرتشل عن التحدي والثقة، حيث طمأن البريطانيين أننا “سنجتاز هذا” ثم عاد وقال إن “الكثيرين منا سيفقدون أحباء لهم”. وفي يوم الإثنين غاص عميقا في هذا حيث طلب من البريطانيين البقاء في بيوتهم مضيفا أن هذا أمر وليس توصية.

وفعل هذا بدون خيلاء تشرتشل. وقال: “لا رئيس وزراء يريد فرض هذه الإجراءات” وكان هادئا ويتحدث ببطء وأقل ثقة من إيمانويل ماكرون الذي أعلن الحرب على كورونا. وربما كان متأخرا وجاء بعد المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وماكرون ورئيس الوزراء الأيرلندي ليو فارادكار. وتحرك جونسون بعدما أظهر أعضاء من حزبه في البرلمان ومستشارون قلقا من طريقة معالجته للأزمة. ولا يزال الرأي العام خلف قيادته وهذا واضح من زيادة شعبيته، على الأقل في الوقت الحالي. وقبل خطابه نشرت صحيفة “التايمز” افتتاحية شجبت فيها سياسته وإستراتيجية البقاء “خلف المنحنى” واتهمته بتضييع الوقت ونشر الإرباك عندما كان يجب عليه اتخاذ قرارات حاسمة.

وقالت: “يحتاج البلد لمعرفة فيما إن كان لدى جونسون إستراتيجية متماسكة”. وأضافت صحيفة المؤسسة البريطانية: “وإلا فسيتحول رئيس الوزراء الذي حلم بأن يكون تشرتشل إلى نسخة من نيفيل تشامبرلين”. ومشكلة جونسون أنه لن يكون تشرتشل كما أن كوفيد-19 ليس الحرب العالمية الثانية. وكما قال الآخرون إن الأوبئة لا يمكن مقاومتها على الشواطئ أو مدارج الهبوط كما أن محاولة التمسك بالهدوء ومواصلة العمل ليست خيارا. فالدم والعرق والدموع لا تساعد في المواجهة.

واليوم التحدي هو العزلة وليس إعلان الغزو، فنموذج القيادة مختلف هنا، وعلى جونسون العثور على زيه وشعار معركته. ولكنه لن يفر من التاريخ الذي ورثه. ففي عام 1940 حاول تشرتشل البحث في تاريخ إنكلترا، فرسان الدائرة المستديرة في أسطورة الملك آرثر الذين قال إن ما كان يشغلهم أمر مبتذل مقارنة مع ما يواجه البريطانيين في تلك اللحظة. ولم يكن تشرتشل صانع أسطورة الفارس- الزعيم بل كان وريثا لها فقبله كان دوق أوف ويلنغتون وريتشارد قلب الأسد وهنري الخامس وقبلهم كان الملك أرثر وبيوولف.

والأخير يمثل صورة عن رد جونسون الذي تعرض للانتقاد لطريقة معالجته للأزمة. فحكاية البطل هذا نظمت ما بين القرن السادس والحادي عشر حيث يحقق البطل المجد بقتله وحوشا آكلة للبشر ويروع جيرانه ويحكم لخمسين عاما قبل أن يختفي في معركة مع تنين يقتل فيها الوحش والبطل. والقصة تصدق على الحاضر اليوم لأن الوحوش هم كل التهديدات على أمن المجتمعات. وهي تمثل شيئا أكثر من هذا كما تقول فيكتوريا سيمونز، المحاضرة في الأدب الإنكليزي القديم والوسيط بكلية لندن الجامعية، فالوحوش “تقتل الناس وأحيانا تأكلهم، ولكنها تجسد السلوكيات التي تهدد بتقويض النسيج الاجتماعي الذي يربط المجتمعات”، فالسلام هش في عالم بيوولف ويمكن أن يتحول إلى جشع أو التناحر والعزلة الاجتماعية.

وفي الوقت الذي يحاول فيه جونسون القيادة من خلال الانتقادات فالتهديدات نفسها خرجت، الجشع الفردي سواء من أجل الطعام أو الحرية الفردية بشكل تهدد الجهود الوطنية لمحاربة فيروس كورونا. ولكن المقارنة بين بيوولف وجونسون تتوقف عندما يتم الحديث عن الظروف التي قادت البطل القديم للسلطة عبر القوة العسكرية ووصول جونسون إلى السلطة أثناء أزمة البريكسيت. فما نجح في تلك الأزمة قد لا ينجح لمواجهة الوباء.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي