حُبّ بلا كلمات

2020-02-23 | منذ 1 سنة

شويه شياو تشان

ترجمة عن الصينية: مي عاشور

تَزوجَت جدتي من جدي وهي في الثامنة عشرة من عمرها. حُملت على هودج مزين، ولكن قبل ذلك كان يسكن قلبها رجل آخر، التحق بالجيش، وقبل أن يذهب، قال لها: "انتظريني، سأتزوجك بعدما أعود". ولكن لم ينتظر والداها، ومن ثم لم يكن هناك أمامها سوى أن تتزوج برجل آخر، والذي صار جدي فيما بعد. 

لم يسبق أن رأى جدي وجدتي إحداهما الآخر قبل الزواج، تزوج الاثنان في ظروف غريبة، وعاشا سوية. كان الشجار شيء يصعب تجنبه. ففي ذاكرة أمي، كان والديها تقريباً يتشاجران بشكل يومي.

كُنت دائماً ما أسمع في طفولتي جدتي تتحدث عن ذلك الرجل الذي التحق بالجيش، فكان تقريباً هو كل تصوراتها الجميلة عن الحب. أخبرتني عن وسامته، وطيبته، وكم كان مرهف المشاعر، وأيضاً بارعاً في غناء العديد من الأغاني الشعبية لها. ولكن في النهاية، الأخبار التي عرفتها عنه كانت غاية في الأسى: قال البعض إن هذا الرجل لَقي حتفه في الحرب، وقال آخرون إنه ذهب إلى تايوان وتزوج من امرأة غنية، مما كان يعني استحالة عودة حبيب جدتي الأول إليها ليتزوجها.

ومن ثم، عاشت مع جدي أكثر من ثلاثين عاماً، ولكن الأوقات التي كانا يتحدثان فيها بكلام من القلب إلى القلب كانت نادرة، كان جدي دائماً ما يدخن "البايب"، بينما تمسك هي بالإبرة والخيط، وتحيك لنا معطفا محشوا بالقطن أو تزخرف لنا ملابسنا الداخلية.

كبرت رويداً رويداً، وقلت لأمي كم أن الزواج بهذا الشكل شيء تعيس جداً. فقالت لي إنني لا زلتُ صغيرة، وأجهل ما هو الحب. ضحكت قائلة: على أي حال فجدي وجدتي مستحيل أن يكون بينهما حب، وإنهما لا يعلمان ما هو من الأصل.

ذات يوم حملت الكاميرا وذهبت إلى بيت جدتي، لالتقاط بعض الصور للمشاركة في مسابقة تصوير فوتوغرافي. لم يكن هناك ما يمكن التقاطه بالصور الثلاث المتبقية في الكاميرا، فجأة قفزت إلى رأسي فكرة التقاط صورة لجدي وجدتي لأنهما لم يتصورا سوية أبداً من قبل. صُعقت باكتشافي لذلك.

على غير المتوقع، شعرا بالخجل، فإن تحفظهما وخجلهما فاق تصوراتي وكانت هناك مسافة بين الكرسيين اللذين يجلسان عليهما، فقمت بتقريبهما قليلاً، فأحمر وجه جدتي بشكل مفاجئ.

قال جدي، "يو لان"، أجلسي بالقرب مني.

ذُهلت، ورمقت جدتي بنظرة، فكانت ملامحها هي أكثر اندهاشاً مني؛ لأن لم يكن أحد يعلم أن جدتي تسمى بهذا الاسم. عادة ما كان جدي يناديها بـ"آي". ثم قالت جدتي فيما بعد إن من يعرفون اسم تدليلها قليلون جداً، حتى أمي لم تكن تعرفه. لذلك، حينما نُوديت به دون توقع منها، ارتبكت للغاية.

في ذلك العام، كان جدي وجدتي في السبعين من عمرهما.  

سالت دموعي بعدما حمضت الصور، فقد رأيت مسنين في غاية الارتباك، وكأنه كُشف سرهما؛ فهمت ما فضحته نظراتهما، والتي كانت تشي بكلمة من حرفين: حب.

في النهاية مرضت جدتي، وظل جدي ملازماً لها وبجوارها، ورفض أن يستمع إلى نصائح الآخرين، ومع مرور الأيام بدأت قواه تخور، ولكنه ظل متشبثاً بمراعاتها، وعندما كانت تفقد الوعي، كان يقرب وجهه الممتليء بالتجاعيد من أذنها، لم نُفسر تماماً ما كان يقوله لها، ولكن كان يتسلل إلى آذاننا اسم جدتي بشكل غير واضح.

عندما رحلت جدتي انتحب جدي، كان تارة يمسح وجه، وأخرى يقول: "يو لان"، ارحلي في سلام، انتظريني هناك.  تسمر جميع الحاضرين الذين رأوا هذا المشهد، أما أنا فقد أدركت في النهاية أن هناك شكلا من أشكال الحب، لا يحتاج إلى الإفصاح عنه بالكلام يومياً.

بعد رحيل جدتي بثلاث سنوات، توفي جدي، رحل بشكل هادئ ومطمئن القلب.

شويه شياو تشان

*****

شويه شياو تشان كاتبة معاصرة، واحدة من أبرز الكاتبات الصينيات في الوقت الحاضر، عضو اتحاد الكتاب الصينين، كتبت العديد من الروايات الشبابية، ونشر عدد غفير منها في مجلتي "القراء" و"مقتطفات شبابية"؛ وهما من أكثر المجلات انتشاراً وتوزيعاً في الصين.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي