إيميلي ديكِنسون والتكهّن بطريق الخلود

2020-02-18 | منذ 1 سنة

طارق الجبر*

تُعدُّ الشاعِرةُ إيميلي ديكِنسون من أهمِّ الشُعراءِ الأميركيّين في القرنِ التاسعِ عشر. كتبتْ ما يزيدُ عَن 1700 قصيدة، لمْ يُنشرْ مِنها خِلال فترةِ حياتِها إلّا 11 قصيدةً في بعضِ الصُحفِ المحليّةِ بِأسماءٍ مُستعارة. وقد صَنّفَها الناقدُ الأدبيّ هارولد بلوم ضِمنَ أهمِّ 26 كاتباً وكاتبةً غربيّين عبرَ التاريخ.

يعكسُ شِعرُ ديكِنسون الوحدة، ويعيشُ المُتحدّثُ في قصائدِها حالةً مِن العَوَز، ولكنْ لا تكادُ تُفارقُهُ لحظاتٌ حميميّةٌ مُلهِمةٌ تنبعثُ مِنها الحياةُ وتلوحُ فيها السعادة. تأثّرتْ ديكِنسون بالشِعر الميتافيزيقيّ في القرنينِ السابعِ عشر والثامنِ عشر، بِالإضافةِ إلى تأثّرِها – بِالضرورةِ – بِالبيئةِ المسيحيّةِ المُحافِظة في تلكَ المرحلة.

أحبّتْ شِعرَ إليزابيث باريت براونينغ وجون كيتس، ولمْ تهتمّ كثيراً بِالشُعراءِ الذينَ عاصروها أمثالَ ويتمان، رُغمَ أنّها وويتمان اعتُبِرا بعدَ ذلكَ الصوتينِ المُؤسّسينِ لِلحركةِ الشِعريّةِ الحديثةِ في أميركا على امتدادِ قرنينِ مِن الزمن.

لمْ تنلْ ديكِنسون التقديرَ اللائقَ خِلالَ حياتِها رُغمَ غزارةِ إنتاجِها، وَمَرَدُّ ذلكَ طبيعةُ كتابتِها الاعتزاليّة. اكتشفتْ عائلتُها – بعدَ وفاتِها في مَسقطِ رأسِها إميرهست (ماساتشوسِتس) العام 1886– حوالي 1800 قصيدة، أو ما يُمكنُ تَسميتُهُ "مُلزمات"، تمَّ ترتيبُها بِشكلٍ دقيقٍ بِحيث تَكوّنتْ المُلزمةُ الواحدةُ مِن خمسِ أو ستِّ أوراقٍ قرطاسيّةٍ تمَّ تخييطُها وطَيُ ما يُعتقدُ أنّهُ نُسخةٌ نهائيّةٌ مِن القصائد.

لم تُنشرْ هذهِ القصيدةُ الغنائيّةُ التي بينَ أيدينا الآن، إلّا بعدَ وفاةِ ديكنسون، في ديوانها "قصائد: السلسلة الأولى"، عام 1890. وتتحدّثُ هذهِ القصيدةُ عن مُقابلةِ ديكِنسون للموتِ المُتشخّصِ برجلٍ نبيلٍ يركبُ مع الشاعِرة بعربةِ خيولٍ تتّجهُ إلى "ما بعد الحياة".

لأنّي ما استطعتُ التوقّف للموت

توقّفَ عنّي الموتُ – بِلُطفٍ –

لأنّي ما استطعتُ التوقّفَ لهْ.

غيرَ نفوسِنا والخلود

لم يحملِ الركبْ.

بِبُطءٍ مَشينا...

لمْ يَعرفِ العجَلة

وكنتُ قد تركتُ تعبي – بعيداً –

لأجلِ لُطفِهِ

وراحتي أيضاً.

مَررنا بمدرسةٍ،

حيثُ – في استراحةٍ – يسعى الصغار...

بحقولِ القمحِ المُحدّقةِ مَررنا...

وعَبرنا شروقَ الشمس،

أم أنَّ "الموتَ" مَن عبَرَنا؛

بقشعريرةٍ وارتعاش

قد أزهرَ الندى،

فلَمْ يكنْ قُماشاً رقيقاً غيرَ ثوبي

وغيرَ شاليَ الشفّاف

لمْ يكنْ وِشاحْ.

أمامَ منزلٍ – بدا تورّماً في الأرض –

وقفنا...

بالكادِ كانَ السقفُ مرئيّاً،

وكان الإفريزُ كوْمَة.

على ذلكَ الحينِ

مَضتْ قرون،

لكنَّها الآنَ تبدو

أقصرَ مِن اليومِ التكهنّتُ فيهِ

بأنّ رؤوسَ الخيولِ

كانتْ تجاهَ الخلود.

الجديرُ بِالذكرِ هنا أنَّ الدلائلَ تُشيرُ إلى أنَّ ديكِنسون عاشتْ مُعظمَ حياتِها في عُزلة، فهي لمْ تتزوّج مُطلَقاً، وكانتْ مُعظمُ الصداقاتِ بينَها وبينَ الآخرين تَعتمدُ كُليّاً على المُراسَلات.

 

  • شاعِر ومُترجِم سوريّ

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي