الفولكلور الشعبي… تفكيك الإشكاليات ونقض المتوهمات

2020-02-08 | منذ 1 سنة

 مصطفى عطية جمعة*

في التناول الأوّليّ لقضية علاقة الأدب الشعبي بالعربية الفصحى ـ تبدو إشكالية في الطرح وفي المعالجة. فهناك الكثير من التشنجات الفكرية واللغوية بين اتجاهين؛ أولهما ينافح من أجل الحفاظ على العربية الفصحى بكل مبرراته ومسوغاته المتصلة بهوية الأمة، وقدسية المصادر الدينية، مؤكدا على أن العامية شر لا خير فيه، وأنها تهدد الفصحى في معاقلها، خاصة القرآن الكريم بوصفه الكتاب الأقدس، ومعين العربية الذي لا ينضب إعجازه، وثانيهما يطالب بالحفاظ على الذاكرة الشعبية، منبها على مرونة اللهجة العامية، ونموها، وحيويتها، ويسوغ الكثير من المبررات التي تدعم وجهة نظره.

ولا شك في أن ثمة اتجاهات توفيقية بين هذين المعسكرين، وهي لا تخرج عن المطالبة بأن يستفاد بالعامية في قضايا الحياة، وتوعية البسطاء، والرجوع إلى العامية بوصفها صورة مشوهة من الفصحى، ففيها الكثير مما يمكن الاستفادة منه في دراسة الفصحى، وتغذيتها بالجديد من المفردات، أو تفصيح بعض مفرداته المنطوقة في الحياة اليومية، على نحو ما تقوم به المجامع اللغوية العربية في هذا المضمار.

إن طرح القضية بهذا المنظور أمر متوقع، شأنه شأن الكثير من القضايا المطروحة في حياتنا، فدائما هناك معسكران متضادان، وتيار توفيقي ينظر بإيجابية إلى الجانبين، محاولا التوفيق بين طرحيهما، وينحّي ضمنا الجوانب السلبية، وهو اتجاه لا تزال له مساحة من الحضور في ردهات الدراسات الأدبية والنقدية، وربما يعود هذا إلى غياب التناول المعمق، الغائص في جنبات هذه القضية أو تلك، والذي يناقشها بعلمية حيادية، بدون افتعال، أو ارتداء مسوح ديني أو قومي، يظن صاحبه أن لبسه هذه المسوح، يعني تمسكا بالدين، ودفاعا عن ثوابت الأمة ولغتها. فالإشكالية في هذا التناول تقف عند حدود اللغة بمفرداتها وتراكيبها، ولا تأخذ ـ غالبا ـ في حسبانها رؤى أخرى، من زوايا الفولكلور، والثقافة الشعبية، ونفسية الشعوب وتاريخها الأدبي المعبر عن وجدان البسطاء، وكون العامية أكثر حيوية والتصاقا بواقع الحياة اليومية وتطورها، وبقضاياها وهمومها وأيضا بأفراحها وأتراحها، من المفردات والتراكيب الفصيحة، كذلك مناقشة مدى شرعية وجود الآداب الشعبية مع نظيرتها الفصحى.

  لكي ندرس قضية اللهجة العامية وماهية الأدب الشعبي بتمعن، نشير أولا إلى أن هناك بونا شاسعا بين دراسة العامية لتكون بديلا عن الفصحى، ودراسة العامية لتكون رديفا مغذيا للفصحى، وتعبيرا عن وجدان الأمة وثقافتها

 

لكي ندرس قضية اللهجة العامية وماهية الأدب الشعبي بتمعن، نشير أولا إلى أن هناك بونا شاسعا بين دراسة العامية لتكون بديلا عن الفصحى، ودراسة العامية لتكون رديفا مغذيا للفصحى، وتعبيرا عن وجدان الأمة وثقافتها

كما أن مفهوم القومية لا يعني العصبية القبلية التي لا تستند إلى حقائق ثابتة، وإنما هي صبغة حضارية تدخل فيها عقيدة الأمة ولغتها وتراثها الفكري، وحصيلة تجاربها عبر تاريخها الطويل، بما تضمه التجارب من تاريخ مشترك، ويضاف لهذا المفهوم ـ لدى القومية العربية ـ كونها مرتبطة بكتاب مقدس، يمثل مرجعية عقدية وشرعية وفكرية للأمة، وكون العربية واكبت الإسلام في انتشاره، وصارت علامة على الحضارة الإسلامية، سواء بين الشعوب المسلمة الناطقة بالعربية أو الشعوب المسلمة غير الناطقة بالعربية، وهذا لا يعني تخلي سكان الجزيرة العربية عن لهجاتهم القبلية والمحلية.

وهذا يدعونا لبحث ماهية الأدب الشعبي لتجاوز النظرة الدارجة له، التي ما تزال لها بعض الرواج في الأوساط العلمية الكلاسيكية، رغم البحوث الرائدة والراسخة في مجال دراسات الفن الشعبي عامة، والأدب الشعبي خاصة، فالنظرة الدارجة ترى أن الأدب الشعبي في مرتبة تالية من الأدب الفصيح، فتُعلي من شأن الأخير بوصفه في المقام السامي، وتنحدر بالثاني إلى حضيض.

وقد ترتبت على هذه النظرة التي سادت منذ قرون طويلة، إعلاء شأن الأدب المكتوب، والحط مما هو شفاهي، والاعتزاز بالمفردة والتركيب الفصيح، وإن تجمد، ونبذ ما هو عامي وإن أبدع، كذلك: الاعتناء بتسجيل الأدب الفصيح، وتوريثه جيلا بعد جيل، وإهمال الأدب العامي وتركه حبيس الصدور، منطوقا على الألسنة . وقد كان هدف كثير من الباحثين اللغويين- في العربية الفصحى – التنبيهَ على ما في لغة العوام من تحريفات، ومفردات أجنبية، وتراكيب خطأ، وظهرت في ذلك مؤلفات منذ القدم، عظيمة المقصد، سامية الغرض، ألا وهو إصلاح اللسان العامي المعوج، وإنهاضه من عثراته.

وقد بدأت هذه الجهود منذ القرن الثاني الهجري بكتاب الكسائي «ما تلحن فيه العوام»، ثم ألّف الزبيدي الأندلسي ( ت 379هـ ) «لحن العوام» في الأندلس، ويقدم ابن مكي «تثقيف اللسان» في صقلية في القرن السادس الهجري. وفي المشرق العربي ينهض الحريري صاحب المقامات بتقديم كتابه «درّة الغواص في أوهام الخواص»، ويكمل جهوده الجواليقي بكتابه «تكملة إصلاح ما تخلط فيه العامة»، ويعود ابن هشام اللخمي في الأندلس إلى ساحة المواجهة اللغوية بكتابه «المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان»، ويعضد جهوده في بغداد ابن الجوزي بكتابه «تقويم اللسان» في عامية بغداد.

ثم تطورت الجهود إلى ردّ المفردات العامية إلى أصولها الفصيحة، وهذه ظهرت في العصر الحديث في القرن التاسع عشر بكتاب «أصول الكلمات العامية» لحسن توفيق، وكتاب «تهذيب الألفاظ العامية» لمحمد علي دسوقي، وكانت ذروتها «معجم تيمور الكبير» للعالم اللغوي أحمد تيمور.

وهي جهود تنظر للغة العامة، وما تنتجه من أدب، من منظور لغوي أحادي، يتجاهل في طياته الأبعاد الدلالية والجمالية والفنية والسوسيولوجية والنفسية، التي تطرحها نصوص الأدب الشعبي على مرّ التاريخ . وقد أدى هذا إلى تأخّر تدوين النصوص الشعبية إلى مرحلة حديثة، وبالتالي تأخر دراستها بشكل منهجي، التي أبانت عن أن كلا الأدبين ـ في واقع الدراسة الموضوعية لتاريخ الأدب العربي ـ يشكل جناحي التعبير عن هوية ووجدان الأمة، في بيئاتها وأزمنتها وشعوبها المختلفة، فهي علاقة معقدة لا يمكن تبسيطها واختزالها في كون الأدب الفصيح هو النموذج والأدب العامي هو الاستثناء. وفي هذه الحالة، ستكون دراسة الأدب الشعبي بوصفه مع الأدب الفصيح سبيلا لفهم أكثر لشخصية الأمة الأدبية والإبداعية. وهذا يتأتى من رصد المؤتلف والمختلف بين الأدبين، ودراسة حركة التفاعل بينهما في إطارها التاريخي والحضاري، ما يساهم في تحديد الموقف من اللغة والشكل والمضمون، وتبيان دور كل منهما في تحديد مستوى الأدب ومكانته الفنية والاجتماعية، وهو ما يستهدف توفير أطر منهجية عربية اللسان، والرؤية لفهم الأدب بشكل عام؛ تتناسب مع واقعنا الحضاري والثقافي والفكري، وهو ما يتطلب مناقشة تعريفات الأدب الشعبي، من المنظور اللغوي.

 

  • كاتب من مصر


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي