فورين أفيرز: خطة ترامب لم تترك شيئا للتفاوض عليه

2020-02-06 | منذ 10 شهر

 

قال الدبلوماسي الأمريكي الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية الامريكي مارتن إنديك إن خطة ترامب “غير المنصفة” للسلام في الشرق الأوسط لم تترك أي شيء للتفاوض عليه.

وجاء في مقال نشره موقع “فورين أفيرز” أن فريق الرئيس دونالد ترامب المكلف بخطة السلام الأمريكية للشرق الأوسط قدم خطة شاملة وحلا إبداعيا لحل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. ومع أن ترامب كان عجولا في شجبه الخطط الأمريكية السابقة إلا أن فريقه بنى مبادئ الخطة الجديدة واستعار كلمات من الخطط السابقة.

ففي الوقت الذي حاول فيها الوسطاء الأمريكيون السابقون بناء أرضية اتفاق من خلال ردم الهوة في المواقف المتباينة للطرفين، حل فريق ترامب القضايا بخفة يد عبر التعامل مع قضايا الحل النهائي: الحدود، الأمن، القدس، اللاجئين الاعتراف المتبادل، بدعم الموقف الإسرائيلي حتى قبل بدء المفاوضات.

فقد اهتم المفاوضون الأمريكيون بتأمين الحدود بين الأردن والدولة الفلسطينية في المستقبل، حتى لا تتحول الحدود إلى بوابة لعبور الأسلحة والإرهابيين إلى الضفة الغربية ومنها إلى إسرائيل. وفي عهد إدارة باراك أوباما السابقة قام فريق من الخبراء الأمنيين الأمريكيين وبالتشاور مع نظرائهم الإسرائيليين والفلسطينيين بتطوير خطة تقوم فيها قوات الأمن الفلسطينية تدريجيا بتحمل المسؤولية عن الحدود. سيكون بمقدور هذه البقاء على مدى عدد من السنوات.

ويقول أنديك إن فريق ترامب استعار من تلك الخطة المعيار الأمني الذي يتم من خلاله قياس التقدم الفلسطيني، ويتم تطبيقه بدلا من ذلك على الأمن الداخلي الفلسطيني، والمشرف في هذا هو إسرائيل التي أصبحت الحكم النهائي للأداء الفلسطيني. ومن هنا حلت الخطة موضوع وادي الأردن من خلال منحه كليا إلى إسرائيل. وعليه سيحيط ترامب الدولة الفلسطينية بأراضي إسرائيلية مما يقطع اتصالها مع وادي الأردن محولا أريحا، الجيب الفلسطيني، والدولة الفلسطينية إلى بانتوستين.

وبشكل مشابه كافح المفاوضون السابقون للتسوية بين المزاعم المتنافسة حول السيادة على القدس، خاصة المنطقة المقدسة في المدينة القديمة حيث الأماكن الإسلامية والمسيحية واليهودية.

وحاول المفاوضون في الماضي حل موضوع السيادة من خلال إدارة مشتركة للمدينة القديمة. وكان الحل بالنسبة لفريق ترامب هو منح السيادة الكاملة لإسرائيل على المدينة المقدسة بما في ذلك المنطقة المسيحية والإسلامية والمسجد الأقصى. وكان اليهود وعلى مدى الـ 52 عاما قادرين على زيارة الحرم وبدون الصلاة فيه إلا للمسلمين بسبب الحساسيات الدينية. وهو ما أصبح يعرف بالوضع القائم الذي أديرت من خلاله الأماكن المقدسة.

  أسوأ من كل هذا هو أن ترامب قدم خطته كإملاءات وكان يتحدث وكأن كل شيء تم التوافق عليه بينه ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

ورغم التزام خطة ترامب بالوضع القائم إلا أنها تقدم فرصة لليهود للصلاة في الحرم الشريف أو معبد الهيكل كما يطلقون عليه. ويعد هذا تحولا مثيرا للغليان. وكتعويض لهم للتخلي عن سيادتهم على الحرم الشريف، ثالث أقدس المواقع في الإسلام، منح الفلسطينيون مركزا سياحيا في شمال القدس وتحكما إسرائيليا في المداخل للأماكن الإسلامية والمسيحية. وهذا هو نفس العرض الذي رفضه ياسر عرفات في محادثات كامب ديفيد عام 2000، وقال للرئيس بيل كلينتون إنه لو قبل به فلن يتردد شعبه في قتله أو يفضل قتل نفسه على قبوله.

ورفضت خطة ترامب موقفا تم التفاوض عليه بدقة وفضل حلا غير منصف وغير متوازن. فمنذ إدارة كلينتون كانت القاعدة المتساوية للمقترحات الأمريكية حول القدس تقوم على اعتبار الأحياء العربية في القدس الشرقية تحت السيادة الفلسطينية. ولكن خطة ترامب تضع كل الأحياء العربية تحت الأحياء العبرية تاركة للفلسطينيين حيا واحدا ومخيما للاجئين على الجانب الشرقي للجدار الذي تركته إسرائيل بعد الانتفاضة الفلسطينية.

وقيل للفلسطينيين إنهم يستطيعون بناء عاصمة دولتهم على تلك الشريحة من القدس ومحاطة بجدار من الجانبين ومقطوعة عن المسجد الأقصى و300.000 فلسطيني يعيشون في القدس الشرقية. وبالنسبة للمستوطنات فقد تم الاتفاق في المفاوضات السابقة على ضم الكتل الاستيطانية الكبرى الواقعة على خط عام 1967 وتعويض الفلسطينيين بأراض من إسرائيل. وبناء على هذه الترتيبات سيتم ضم 85% من المستوطنين يعيشون على 3-5% من أراضي الضفة إلى إسرائيل.

أما المستوطنات في قلب الضفة الغربية فسيتم إخلاؤها للسماح بتواصل الدولة الفلسطينية. وتبنت خطة ترامب فكرة تبادل الأراضي لكنها منحت مقابل ذلك مناطق مقفرة على الحدود مع مصر لتعويض الفلسطينيين عن أراضي الضفة الغربية التي سيتم ضمها إلى إسرائيل. والنتيجة هي شريحة جبن سويسرية بدون إمكانية للتواصل. وتحدث فريق ترامب عن تواصل بين الجزر الفلسطينية من خلال الأنفاق والجسور، وكلها ستكون تحت السيطرة الإسرائيلية.

ويقول أنديك إن الكثير من الأمريكيين والإسرائيليين وحتى دول في الخليج العربي يتفقون مع ما كتبه بريت ستفينز في “نيويورك تايمز” على أن رفض الفلسطينيين اليوم يعني حصولهم غدا على أقل.

ويقول هذا النقاش إن ديفيد بن غوريون قبل خطة التقسيم للأمن المتحدة عام 1947 التي منحته شريحة من فلسطين ولم تكن تشمل القدس التي كانت ستكون تحت إدارة دولية. وعلى الفلسطينيين تبني نفس الفكرة اليوم. وعليهم أخذ الشريحة ومحاولة المقايضة على حصة أفضل. وقاد جارد كوشنر المسؤول عن الخطة إن الفلسطينيين يمكنهم التفاوض على مبادئ في الخطة لا تعجبهم. إلا أن هذا النقاش يتجاوز عدم التوازن في الخطة لكي تكون بداية تفاوض. كما يتجاهل النقاش أن ما سيحصل عليه الفلسطينيون بالمقابل مشروط: بناء ديمقراطية غربية والسيطرة على غزة ونزع سلاح الجماعات المسلحة. ومن سيكون الحكم على كل هذا؟ إسرائيل.

وأسوأ من كل هذا هو أن ترامب قدم خطته كإملاءات. وكان يتحدث وكأن كل شيء تم التوافق عليه بينه ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وما على فريق أمريكي-إسرائيلي وليس فريقا إسرائيليا -فلسطينيا تحديد معالم الحدود التي أقرتها خطته. وما يقف أمام تطبيق الخطة هو الانتخابات الإسرائيلية في 2 آذار (مارس) سواء تمت عملية ضم المستوطنات ووادي الأردن وكل ما في الخطة عبر تفاوض إسرائيلي-فلسطيني أم لا. فكل الغنائم بيد إسرائيل وكل ما يجب على الفلسطينيين فعله مقابل موافقة ترامب على دولة لهم هو التخلي 30% من الضفة الغربية، فماذا بقي إذا للتفاوض عليه؟

ولسنوات طويلة رفضت الحكومات الإسرائيلية والإدارات الأمريكية حلا قسريا للنزاع. ويبدو أن فريق ترامب باستشارة مع نتنياهو طبخوا حلا للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي قائما على الإجبار. لكل هذه الأسباب يرفض الفلسطينيون التفاوض على خطة تميل لصالح إسرائيل وتعطيها كل الأوراق. ورفضهم للخطة منح نتيناهو المبرر للضم الذي باركه ترامب.

وعلى الفلسطينيين والحالة هذه تجاوز خطة ترامب من خلال عدم الدخول بمفاوضات مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي ستشكل بعد 2 آذار (مارس). ويجب أن يقوموا بهذا بناء على القرارات التي صدرت في الماضي عن مجلس الأمن التي تدعو لحل الدولتين. وعلى القادة العرب الإشارة للمبادرة العربية التي تدعو لدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية مقابل التطبيع. وربما دفع هذا لدعم عربي للموقف الفلسطيني وتعبئة المجتمع الدولي بطريقة تجبر ترامب على التخلي عن خطته وتقديم حل متوازن وواقعي لأزمة القرن.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي