«قصة بيتر شليميل العجيبة» في بحثه عن السعادة

2020-02-03 | منذ 1 سنة

القاهرة - حمدي عابدين

تتمحور حركة الأحداث في رواية «قصة بيتر شليميل العجيبة» التي صدرت حديثاً عن المركز القومي المصري للترجمة، بترجمة الدكتورة لبنى فؤاد حول الصراعات التي يخوضها الإنسان، والآثار التي يمكن أن يجرها الطمع عليه، وما يتعرض له من أزمات وآلام وعذابات تظل تصاحبه ما بقي عبداً لأطماعه غير قادر على الفكاك منها.

وتحكي الرواية التي صدرت في ألمانيا قبل 106 سنوات، في عام 1814، للكاتب الألماني من أصل فرنسي آدلبرت فون شاميسو، عن شاب فقير هو بيتر شليميل، يتطلع لحياة الأثرياء، ويغبطهم على ما يتمتعون به من ترف ونعيم، ولا يهمه في الحياة سوى تجاوز العالم الذي يحاصره بفاقته وعوزه، والالتحاق بعالم الأغنياء ومغانيهم حتى لو قاده ذلك للتنازل عن أشياء عزيزة لا يعرف قيمتها في حياته.

 

تعدّ من عيون الأدب الألماني الرومانسي وترجمت إلى 28 لغة

وفي حفل جمعه بأحد الأثرياء ويدعى توماس جون يتعرف شليميل على رجل غريب الأطوار يقول إنه قادر على تحقيق آمال وطموحات أي شخص مهما بلغت عظمتها في التو واللحظة، ويعرض الرجل على شليميل أن يبيعه ظله مقابل أن يمنحه جوالاً مليئاً بالذهب، لا ينفد أبداً، سوف يحقق طموحاته في الثراء، مقابل شيء بسيط وهو ظله الذي لم يكن شليميل يرى فائدة له وإلا ما كان تنازل عنه ببساطة مقابل الذهب.

يلعب شاميسو على الرمز «د»، حيث يجعل من الظل رمزاً لسعادة الإنسان، وأمانه، لكن في نظر شليميل الساعي لتجاوز فقره كانت الصفقة بسيطة، فوافق دون تفكير، حتى يحقق طموحاته ويتزوج فتاته، «مينا» التي يحبها ويحظى باحترام وتقدير الناس، وهذا لن يحدث إلا بعد أن يصبح ثرياً، وقد كان له ما أراد، وبعد أن تمت الصفقة، بدأ شليميل كلما سار في طريق يشعر بالخوف من افتضاح أمره، ويكتشف الناس أنه يحيا من دون ظل، وقد دخل في نوع جديد من الآلام والعذابات، عندما رفضه أهل الفتاة بعد أن أفشى سره خادمه الماكر «راسكال» وأخبرهم بأنه يعيش بلا ظل، كان الخادم يطمع في الزواج من الفتاة، وقد أدت خيانته إلى أن يهيم شليميل على وجهه، في الغابة، وهناك يظهر له ذلك الرجل العجيب والغريب الأطوار، ومرة ثانية يعرض عليه صفقة جديدة، وهي أن يوصي له كتابة بأخذ روحه بعد موته مقابل أن يعيد له ظله، ويحتفظ في الوقت نفسه بزكيبة الذهب، وفي هذه الأثناء يدرك شليميل أن الرجل الذي أمامه ما هو إلا الشيطان، وأنه يسعى لإغرائه، وإدخاله في أزمات وآلام لا فكاك منها، فيرفض بشدة قبول العرض.

تتصاعد أحداث القصة عندما يبدأ الرجل الغريب في ملاحقة شليميل في أي طريق يذهب إليه، ويحاول أن يغريه بالثراء والسعادة، اللذين سيكونان بين يديه لو وافق على العرض، وسوف يكون بمقدوره الزواج من فتاته، لكن شليميل يظل متمسكاً بعدم التفريط في روحه للرجل الشيطان، وتدور بينهما حوارات ومناقشات عن الإنسان واختبارات الحياة وأهمية الروح والمال، ووقوف الله إلى جانب عباده، وقدرته وفضله، لكن المناقشات كانت دائماً ما تصل بينهما إلى طريق مسدودة، ويضطر شليميل إلى طرد الرجل غريب الأطوار، لكن في كل مرة يتخلص منه يعود ويظهر له في صورة مختلفة، ويظل يلاحقه ويتوعده إذا رفض عروضه، ويقدم له الإغراءات.

على هذا المنوال تتصاعد أحداث الرواية، ويظل السجال مشدوداً ومتوتراً بين بطلها شليميل والرجل الغريب حتى يسمع بالمصير الأسود الذي حدث لصديقه الثري توماس جون الذي التقى عنده ذلك الرجل «الشيطان»، وباع روحه له من أجل المال، وقتها قرر الفتى التخلص من ثروته الذهبية، صعد الجبل وقام بإلقائها من فوقه، وعاد فقيراً، يتذوق آلام الحاجة، ويعيش خائفاً بين الناس بسبب ظله المفقود، وقد اضطره ذلك إلى الانعزال والعيش بعيداً عن الناس، كي لا يكتشفوا أمره.

تحاصر شليميل مخاوفه وعذابات وحدته حتى حصوله على «حذاء الأميال السبعة»، الذي يجعله في كل خطوة يجتاز سبعة أميال، وبفضل ذلك يستطيع الشاب الفقير أن يتعرف خلال رحلاته على كثير من الكائنات؛ يرى حيوانات، ويكتشف أنواعاً من النباتات، ويزور بلداناً كثيرة، ويتعرف على طبيعة كل القارات، من بين تلك البلدان يأتي بيتر شليميل إلى مصر، ويرى المتاحف والمعابد، ويزور طيبة ذات المائة باب، ويختارها مسكناً له. وفي أثناء ذلك، يعرف أن فتاته تعيش حياة تعيسة جراء مقتل زوجها «راسكال» الذي كان خادماً له، وأن خادمه الآخر «بندل» قام بإنشاء مستشفى باسمه لعلاج أمراض الناس، بعد أن أدرك أن الأموال التي تركها سيده لا تصلح لشيء آخر سوى تسخيرها لمنفعة أهل بلدته.

يشار إلى أن ألمانيا كرمت شاميسو مؤلف الرواية لمكانته الأدبية الرفيعة، وخصصت جائزة باسمه تمنحها سنوياً للمبدعين في الأدب الألماني ممن ينتمون لثقافات غير ألمانية، وتعدّ «قصة بيتر شليميل العجيب» العمل النثري الوحيد له، وتتسم لغتها بالروح الشعرية، وهو ما يبرز في قدرته على التصوير واستبطان الأشياء، كما تنعكس فيها ثقافته الفرنسية التي استقاها من كونه سليلاً لأسرة من نبلاء فرنسا، هاجرت إلى ألمانيا بعد اندلاع الثورة، وقد فضل تعلم اللغة الألمانية والكتابة بها، فأبدع روايته التي تعدّ قطعة فنية من أدب العصر الرومانسي، وتم ترجمتها إلى 28 لغة بخلاف العربية التي لم تهتم بدواوينه، ولم تنقل شيئاً منها حتى الآن، حسبما أشارت إليه المترجمة في مقدمة الرواية.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي