أوبزيرفر: خروج بريطانيا من أوروبا لا يعني قطع العلاقة معها

2020-02-02 | منذ 10 شهر

دعت صحيفة "أوبزيرفر" إلى الحفاظ على العلاقات البريطانية – الأوروبية من أجل عافية الاقتصاد والعلاقات الثقافية التي تربط بينهما. وقالت: “لقد انتهى، ليلة الجمعة وبعد 47 عاماً من العضوية في الاتحاد الأوروبي والمنظمات الأخرى التي سبقته كل شيء وصل الى نهايته، وهي لحظة ستقوم بإعادة تشكيل أمتنا وبطريقة لا رجعة فيها ولكن بأي اتجاه؟ من الصعب التكهن” وأضافت أن البريكسيت وما خلقه من تناقض ظاهري سيعيش مع بريطانيا التي اتخذت القرار الضخم الذي لا يمكنها التراجع عنه في المستقبل القريب. ومع ذلك فبعد ثلاثة أعوام ونصف عام حافلة منذ الاستفتاء الذي ميّز الخروج لم يتم حل أي قضية جوهرية تتعلق بمستقبل البلاد. لأن البريكسيت لا يزال يعرف من خلال عدوانية دعاته للاتحاد الأوروبي وليس عبر الرؤية الواقعية وما يجب أن يكون عليه الحال. وبالنسبة للبعض فهذه بداية جديدة أما الآخرون فيرون أنه خطأ تاريخي. وهناك المتحمسون حول ولادة دولة ذات سيادة بدون قيود. وهناك من عبر عن حزنه على الخروج الإكراهي من الحليف الأوروبي والقيم التي مثلها. ومع بهجة الكبرياء والتفاؤل الكبير هناك قلوب محطمة تبكي الفضاء الضيق ورؤية العظمة الذابلة، فلا تزال بريطانيا على المستوى الجغرافي والجيلي منقسمة حول أوروبا.

ومن هنا فمهمة رئيس الوزراء هي رسم طريق يقضي على الانقسامات ويجمع الناس معاً. وهو ما يدعو إليه في خطاباته إلا ان الإشارات تعد بتوجه آخر. فرئيس الوزراء لا يزال يتعامل مع البريكسيت عبر مشروعه الآيديولوجي الذي استخدمه كمنجنيق للوصول إلى داونينغ ستريت. وتتساءل الصحيفة عن مسار بريطانيا بعد الخروج حيث تواجه اختيارا وجوديا، وهو نفس ما واجهته الشهر الماضي وربما خلال السنوات الماضية بعد الاستفتاء. فهل ستختار البقاء دبلوماسيا واقتصاديا قريبا من جيرانها الذين تشترك معهم بالتراث المشترك والمعتقد والنوازع والقيم أما أنها ستحاول الركوب على عربة قوى دولية قوية مثل الصين والولايات المتحدة والتي يختلف نهج كل منهما للحقوق والقيم عما تراه بريطانيا؟

دعاة الخروج

وطالما ناقش دعاة الخروج أن بريطانيا لا تحتاج لهذا الخيار، فهي قوة اقتصادية عظمى بنفسها وتستطيع بناء تحالفاتها وخياراتها بدون أن تكون مع هذه القوة أو تلك وقد يتهم الواقعيون بأنهم يحاولون التقليل من شأن بلدهم، مع أن حبه يحتاج لأكثر من العودة الى أيام المجد الماضية. وما يواجه بريطانيا في مرحلة ما بعد البريكسيت خيار صعب. ويمكن لبريطانيا البقاء قريبة من الاتحاد الأوروبي على المستوى الاقتصادي والالتزام بقواعده بدون أن يكون لها رأي أو القبول باتفاق واضح، مثل ذلك الذي سيحدد معالمه جونسون في خطابه الاثنين ويتحدث فيه عن المرحلة المقبلة من المفاوضات. ويمكن لجونسون مع الأغلبية المطلقة التي حققها في الانتخابات الأخيرة أن يختار الطريق الأكثر براغماتية، ولكنه عازم على ما يبدو الحكم وكأن الشاكين من أوروبا لا يزالون يحيطون به.

ومع أن شعار “لنستعد السيطرة” عظيم لكنه بلا معنى في عالم متداخل يجعل من فكرة السيادة للدولة الوطنية التي نشأت في القرن التاسع عشر فكرة مهملة. فاقتصاد بريطانيا ليس بذلك الضخامة لكي يعطيها القدرة على فرض الشروط في عالم يمتلئ بالكتل والقوى العظمى. وبالنسبة لبريطانيا بعد الخروج فالأمر ليست فيما إن تعاملت بالقواعد ولكن أية قاعدة تريد تبنيها. فدعاة الخروج المتشددون كانوا يرون أن الحل هو التحالف مع أمريكا التي تتميز بضرائب منخفضة وتنظيمات أقل. ففي حال تم توقيع اتفاق تجاري بين هذا التيار وأمريكا فسيتم الضغط باتجاه تقليل المعايير المفروضة على الطعام وتخفيف سيطرة الصحة الوطنية على أسعار الدواء. ولو مضت الحكومة باتجاه خروج صعب فلن يشعر بآثاره سوى سكان المناطق الفقيرة. ولو تم تبني النموذج الكندي فسيؤدي إلى توسيع عدم المساواة بين المناطق التي تعتبر الأعلى في العالم. وسيؤثر هذا على اتفاق الجمعة السعيدة الذي أقام سلامًا هشًا في شمال آيرلندا وقام على افتراض بقاء الشمال الآيرلندي وآيرلندا ضمن سوق واحد.

وخروج جونسون الصعب يعطي صورة أنه لا يهمه تعريض الاتفاق للخطر. فثمن خروج واضح من الاتحاد الأوروبي سيكون تفكيك بريطانيا. كما أن الخروج من أوروبا سيعيد تعريف مكانة أمريكا العالمي في ظل حكومة أمريكية عدوانية. ودافع دونالد ترامب عن “بريكسيت” لأنه يصب في المصلحة الأمريكية. فقد رأى فيه طريقة قوية لإضعاف أوروبا وجعل بريطانيا أكثر طواعية وخنوعاً لأمريكا. وأظهر ترامب أنه يريد طاعة كاملة من بريطانيا في ملفي إيران وفلسطين. ومن هنا فماذا سيكون موقف بريطانيا لو قررت واشنطن زيادة التعرفة الجمركية على الاتحاد الأوروبي؟

السير بحذر

وعلى بريطانيا أن تسير بحذر في الأشهر المقبلة، خاصة أن موقفه من شركة “هواوي” والجيل الخامس والجمارك على التكنولوجيا هي إشارة عما سيأتي. أما التحدي الآخر فهو طبيعة التعامل مع الصين وبقية الأنظمة الديكتاتورية مثل روسيا والبرازيل وإسرائيل وتركيا وبعض دول الخليج. فلدى الحكومة اتفاقيات تجارة سرية مع الصين واستثمارات أيضاً. فكيف يمكن أن توازي بين المال وسجلات بكين في حقوق الإنسان. وكيف ستتعامل الصين مع معاداة أمريكا لها. كما أن خلق فجوة مع أوروبا خلال المفاوضات فستعرض بريطانيا للخطر. وستجد بريطانيا نفسها وسط قوى عظمى بدون درع أوروبا الحامي لها.

وسيترك “بريكسيت” أثره على النظام السياسي المتعدد، وتفاقمت أزمته من خلال نفور المناطق التي تم حرمانها من التطوير بسبب عمليات وقف التصنيع وعشرة أعوام من التقشف. وفي وضع جيد كان هذا سيقود إلى تحولات سياسية عميقة وإصلاحات اقتصادية ذات جدوى وجعل السلطة أقرب لحياة الناس. إلا أن جونسون وفريق الخروج الذي يدير الحكومة اليوم لن يتعلم سوى الدرس الخطأ من السنوات الثلاث الماضية. ومثل وزراء الخزانة من قبله، فساجد جاويد سيقوم بتقوية سياسة تخفيض النفقات. ورغم وعده بالاستثمار في الشمال الفقير إلا أن جونسون مصمم على الخروج الصعب الذي يزيد من التباين بين المناطق ويدمر الصناعات. وسيقوم بالتعامل مع فوزه العام الماضي على أنه مصادقة على استراتيجيته: اتهام معارضيه ظلماً ولومهم على ما يحدث في ظل حزب يقوده وتجنب المحاسبة في البرلمان والإعلام، مع أنه لن يكون بغالبية مطلقة قادراً على تحميل الآخرين مسؤولية عقمه وعدم فاعليته. وفي النهاية خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ولكنها لم تخرج من القارة، فسيواصل الناس السفر والعمل والسياحة والدراسة في أوروبا وحبها. وعادة ما تمتعت بريطانيا بموقعها كجسر بين أمريكا والقارة ولكن قطع العلاقة كاملاً سيجعل بريطانيا مجبرة على الاختيار بين جار لا يبعد سوى عدة أميال وبلد متقلب بعيد آلاف الأميال. وطالما انتقدت أوروبا بأنها ليست كاملة ويجب عليها حل مشاكلها المتعلقة بالهجرة وحرية الحركة ولكن التعاون العابر للدول الديمقراطية الليبرالية سيكون أفضل من تعامل لا يحترم الحدود الوطنية والتغيرات المناخية.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي