الأدب الشعبي والعامية.. الرؤية العلمية والوشائج اللغوية

2020-02-01 | منذ 1 سنة

 مصطفى عطية جمعة*

نبع مصطلح الأدب الشعبي ومناهج دراسته، من رحم حقل الدراسات الشعبية، أو فن الفولكور أو فن الأثنولوجيا، الذي ازدهر في العصر الحديث، ويستهدف جمع تراث الأمة وحفظه، ودراسته. فهو « يعبر عن روح الجماعة، ويتماشى مع ذوقها، فنٌ أفرزته الثقافة مع الأيام، يمارسه الناس إبداعا وتذوقا، يكون مجهول الهوية والمؤلف أحيانا، لأنه ملك الجماعة.

وإن كان يفضل استخدام مصطلح الأثنولوجيا بديلا عن فولكلور، فهو أدق من الناحية العلمية، خاصة أن هناك تداخلا كبيرا بين علمي الفولكلور والأثنولوجيا، وهذا من شأنه أن يجعل التعاون بين الباحثين في هذين العلمين أكثر قوة وصلابة.

أما الإبداع الشعبي Folk Fiction فيعرّف بأنه: مصطلح يستعمل للملكات الخلاقة التي لا تصدر عن شخصية فردية، خاصة في المجالات التي يتوصل فيها بالكلمة المجهورة أو الشفاهية. كما يستعمل للدلالة على الآداب الشعبية، في بعض البيئات العلمية، وهو بهذه المكانة، يتألف من الحكايات والأغاني والأمثال والألغاز، وبعض الظواهر التمثيلية، ما يدخل في مجال الآداب الشعبية، وتسمى الأدب الشعبي.

يقدم هذا التعريف رؤية تشمل مظاهر الإبداع الشعبي، الذي يجعل من أهم خصائصها: التأليف الجماعي، أو المؤلف المجهول، وأن الكلمة محورها، وتشمل أشكال الفن الشفاهي: أغاني، تمثيلات، حكايات، أشعارا، أمثالا، إلخ. وإن كان يسقط أدب العامية الحديث، الذي أذيع مسموعا وقرئ مكتوبا، لأنه لا يتوافر فيه ركنا تجهيل المؤلف والتوارث التقليدي، وهو متأثر هنا بآراء الفولكلوريين، الذين يضعون الأدب الشعبي مع غيره من الأشكال الفنية الشعبية الأخرى مثل، الرسومات والنحت والملابس وغيرها.

فالتلاقي بين الأدب الشعبي والفولكلور واقع لكونه متوارثا عن الأجداد، ونابعا من روح الجماعة، وهو من المنظور الأنثروبولوجي: مجموع الثقافة الشعبية تمييزا له عن ثقافة الطبقات العليا، وإن كان يختص في رأيهم بالتراث الروحي (اللامادي) للأمة، خاصة التراث الشفاهي، ويمتاز أيضا بأن الثقافة الشفاهية الخالصة هي الفولكلور، وأن الذي يميزه عن بقية ألوان الثقافة في المجتمع الحديث، هو ترجيح العناصر المنقولة على العناصر المكتسبة بالتعلم، وأهمية ذلك أن الخيال الشعبي يستمد من العادات والتراث ويمدهما.

لذا، يكون مصطلح الأدب الشعبي، أكثر تحديدا حيث يشير إلى التعبير الفني المتوسل بالكلمة، وما يصاحبها من حركة وإشارة وإيقاع؛ تحقيقا لوجدان جماعة في بيئة جغرافية معينة، أو مرحلة محدودة من التاريخ. واستتبع تصحيح التراث القومي لكل أمة، فلم يعد مقصورا على المدونات والنقوش والآثار المادية وحدها، وإنما أصبح يشمل النصوص الشفاهية، والروايات التي تنتقل من فرد إلى فرد، ومن جيل إلى جيل، وفيه حركة الإيقاع والموسيقى والغناء، وهناك أنواع أدبية أخرى فيها المنظوم والمنثور والمسجوع جنبا إلى جنب.

  معيار اللغة العامية هو الأنسب في تحديد الفرق بين الأدب الشعبي والفصيح، لأن اللغة الشفاهية هي لغة الحياة اليومية النامية، المعبرة عن لسان البسطاء من الشعب، التي يسهُل فهمها، تتبنى قضايا الشعب وتعبر عن رغباته وآلامه

فهذا التعريف يؤكد على أن الأدب الشعبي جزء لا يتجزأ من شخصية الأمة وتراثها وتاريخها، يؤازر المظاهر المادية التي يعتني بها علم التاريخ والآثار، كما يقبل الإبداع الفردي، مع الإبداع الجماعي، فكما أن هناك نصوصا شعبية كثيرة مجهولة المؤلف، فهناك العديد من النصوص معلومة المؤلف، وبالتالي يتجاوز قضية المؤلف المجهول إلى قضية الأدب الشعبي المعبر عن وجدان الجماعة، والمصاغ بلغة بيئتها المحلية العامية، التي توارثتها الأجيال، مع التأكيد على أن النص الجماعي، ما هو إلا منتوج أولي لمبدع فرد، وإن حدثت زيادات على هذا النص من قبل آخرين. وهو ما يتبناه تعريف آخر للأدب الشعبي يتخذ من اللغة أداة للتجربة الفنية، حيث يرى أنه «أدب العامية سواء كان شفاهيا أو مكتوبا، أو مطبوعا، وسواء كان مجهول المؤلف أو معروفه، متوارثا عن السلف السابق أو أنشأه معاصرون معلومون لنا.

فالنص الأدبي الشعبي ـ أغنية مثلا- إذا اطرد استعمالها لفترة كافية من الزمن قد يصبح جزءا من التراث الفولكلوري للجماعة البشرية التي تستخدمها، وعلى هذا فالأدب الفولكلوري هو فن التلقائية العريق المتداول بالفعل، المتوارث جيلا بعد جيل، والمرتبط بالعادات والتقاليد.

إن تحديد معيار الفنون الشعبية لا يتوقف على المنتج ولا المستهلك لها، وإنما على طبيعة المادة وشكلها ومضمونها، والمسألة لا تخضع لأدب النخبة وأدب العامة، فالشعب كل متكامل، فكثيرا ما نجد النخبة يعتقدون اعتقادات البسطاء ويطربون لفنونهم، وعلى الجانب الآخر، يتذوق العامة والبسطاء آداب النخبة ويتفاعلون معها.

ولعل معيار اللغة العامية هو الأنسب في تحديد الفرق بين الأدب الشعبي والفصيح، لأن اللغة الشفاهية هي لغة الحياة اليومية النامية، المعبرة عن لسان البسطاء من الشعب، التي يسهُل فهمها، تتبنى قضايا الشعب وتعبر عن رغباته وآلامه. وهذا رد على الرأي الثالث الذي يتخذ محتوى الأدب لا شكله ولغته موضوعا للتجربة الفنية فهو الأدب المعبر عن ذاتية الشعب المستهدَف تقدمه الحضاري، يستوي في هذا أدب الفصحى والعامية، الشفاهي والمطبوع.

وهذا لا يعني إهمال عامل المضمون والتكوين، وإنما تكون اللغة العامية هي الأساس الأول، وتأتي بعدها المكونات والخصائص الأخرى. ومن هنا، فإن العامية ـ بكل لهجاتها ومواطنها ـ هي لغة الأدب الشعبي بكل نصوصه وشعرائه، وبمختلف أشكاله من أغان وأشعار وسير وأمثال، التي اتخذت الشفاهية أساسا لتكوينها، ثم جاء تدوينها سبيلا لحفظها.

أما الادعاء بأن دراسة آداب العاميات واللهجات، إنما يساهم في تفتيت شخصية الأمة العربية، ويعمق الفرقة والقطرية بين شعوبها، فهذا مردود عليه، بأن الوحدة بين أقطار العربية تقوى وتتعزز بالتكامل والتنوع الثقافي بين شعوبها، فكل قطر وإقليم عربي له تميزه اللغوي والثقافي والأدبي والشفاهي، الذي يتلاقى مع سائر الأقطار، ويثري مخزونها الثقافي. أيضا، فإن دراسة اللهجات في أقاليم العربية يعطي صورة متكاملة عن الواقع اللغوي والأدبي (الفصيح والعامي)، بدلا من اقتصار التأريخ الأدبي على أقاليم بعينها، تمثل الفحولة الأدبية العربية من المنظور الفصيح (مثل الشام والعراق ومصر).

 

  • كاتب من مصر


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي