واشنطن بوست: انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط وهم ولو خرجت فسيعيدها الأعداء

2020-01-28 | منذ 10 شهر

تحدث الروائي المصري والدبلوماسي السابق عز الدين فشير في مقال نشره بصحيفة “واشنطن بوست” وعرف نفسه بزمالة جمال خاشقجي عن الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، قائلا إنه مجرد سراب باهظ الثمن. وأشار في بدايته إلى مقال مطول كتبه الدبلوماسي الأمريكي المخضرم مارتن إنديك قبل فترة في صحيفة “وول ستريت جورنال” حلل فيه بدقة ما يقال دائما حول تراجع المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وهي فكرة موجودة منذ أكثر من عقد.

فإنديك الذي قضى حياته العملية مدافعا عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وناقش قائلا إن “المصالح الأمريكية لا تبرر مستوى التدخل الأمريكي في المنطقة. فنفط الشرق الأوسط لا يشكل نسبة كبيرة من استهلاك الأمريكيين للطاقة. فيما يعطي التفوق العسكري الأمريكي إسرائيل درجة للاعتماد على النفس والدفاع عن نفسها أكثر من أي وقت مضى. أما محاولة تحقيق سلام بين العرب والإسرائيليين فهي عبثية”. كل هذا لا يعني كما قال إنديك التخلي الكامل عن الشرق الأوسط. بل يجب على الولايات المتحدة البحث عن سياسة واقعية بديلة تعوض عن تراجع أهميتها في المنطقة.

  مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لا تتعلق باستيراد النفط والدفاع عن إسرائيل والتوصل لتسوية سلمية بين العرب والإسرائيليين فالشرق الأوسط يلعب دورا مهما في تحديد موقع الولايات المتحدة العالمي

ولم يكن إنديك يردد ما يقوله الرئيس دونالد ترامب حيث أهمية فك العلاقة بنزاعات الشرق الأوسط فقط ولكنه كان يعكس بطريقة صادقة “عقيدة أوباما” التي كشف عنها في مقابلته الشهيرة مع مجلة “ذي أتلانتك” عام 2016 وبرر فيها موقفه من خلال الحديث عن مصادر محدودة وعليها اختيار المكان الذي يجب أن تنشرها فيه. وكان هذا المكان حسب رأيه هو آسيا وليس الشرق الأوسط. وفي كلام أوباما فإن عدم تعامل الولايات المتحدة مع آسيا لأنها تركز “على كيفية تدمير أو حجز أو السيطرة على أجزاء خبيثة وعدمية وعنيفة في الإنسانية” فإنها “تفوت على نفسها ركوب القارب”. لكن هذا الرأي يترك أجزاء مهمة من القصة.

ففي البداية لا تتعلق مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط  باستيراد النفط والدفاع عن إسرائيل والتوصل لتسوية سلمية بين العرب والإسرائيليين، فالشرق الأوسط يلعب دورا مهما في تحديد موقع الولايات المتحدة العالمي. فالتأكد من حرية الملاحة والتجارة ومنع القوى المنافسة من الحصول على تأثير في المنطقة وضرورة الحزم في توفير الأمن والسلام في الشرق الأوسط ودعم نشر الديمقراطية واندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي ومواجهة التشدد تعتبر مكونات للقيادة الأمريكية العالمية.

وحتى لو كانت مصالح النفط في الشرق الأوسط تذهب أبعد من احتياجاتها النفطية فالتأكد من استقرار إنتاج النفط وتبادله يترك أثره على استقرار الولايات المتحدة وقدرتها على تشكيل السوق العالمي للنفط. وبالتالي لها دور في الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي مقابل أوروبا والصين واليابان. وباختصار، فكلما قل تأثير الولايات المتحدة في المنطقة زاد تأثير الصين وروسيا والدول التي تطمح للهيمنة الإقليمية مثل إيران وتركيا.

والسؤال هو كيف سينظر صناع السياسة الخارجية في الولايات المتحدة إلى دور بلادهم في العالم؟ فهل تعتقد أمريكا أن لديها القدرة والرغبة على تقوية موقعها والحفاظ على النظام العالمي الليبرالي الذي ساعدت على بنائه؟ أم أنهم راضون عن مشاركة عبء القيادة بالقوى الديكتاتورية والسماح للعالم التحول نحو مساحة للتعددية القطبية اللا ليبرالية؟ وحتى لو اختار صناع السياسة تعريفا ضيقا متمحورا حول الذات للمصالح الأمريكية وقرروا فك العلاقة مع الشرق الأوسط فإن المنطقة ستجرهم إليها مرة أخرى لأن مصالح أمريكا ليست أشياء ولكنها لاعبون.

خذ إسرائيل على سبيل المثال، فهي بالتأكيد ستكون قادرة على الدفاع عن نفسها ضد أعدائها. ولكن ليس من المعقول أن تتركها وحيدة في مواجهة التحدي الإيراني، من أجل حماية إسرائيل من جانب وللتأكد من عدم تدمير الرد الإسرائيلي للمصالح الأمريكية في المنطقة أو جرها إلى مواجهة لا تريدها. ونفس الأمر يصدق على النزاع العربي-الإسرائيلي حيث لن تقف الولايات المتحدة مكتوفة اليدين عندما تبدأ جولة جديدة من المواجهة بين إسرائيل وحماس في غزة أو حزب الله في لبنان.

وحتى بدون نزاع فمن الصعب رؤية الكيفية التي ستقف فيها أمريكا ساكنة وإسرائيل تواجه ما وصفه دينس روس وديفيد ماكوفسكي التحدي الأكبر لهويتها. فهل سيمتنع الأمريكيون الذين يهمهم شأن إسرائيل عن المساعدة؟ ولو فعلوا، فهل سيترك قادة إسرائيل الولايات المتحدة تفك ارتباطها في الوقت الذي سيواجهون معركة مصيرية؟ وبنفس المقام لن يسمح حلفاء واشنطن العرب لها بفك ارتباطها. فستعمل هذه الحكومات كل ما بوسعها لتتأكد من وقوف أمريكا معها سواء باسم التنافس السعودي-الإيراني أو السياسة العربية-العربية. وفي الوقت نفسه سيحاول أعداء الولايات المتحدة كل ما بوسعهم استغلال كل عملية انسحاب أمريكي من المنطقة والضغط بحيث لا يبقى أمام أمريكا أي خيار إلا العودة من جديد.

والتصعيد الإيراني الجديد ضد الوجود الأمريكي في العراق هو مثال في هذا السياق. وفي النهاية لا تستطيع الولايات المتحدة كما تعلم أوباما وترامب الهروب من نزاعات الشرق الأوسط. والخيار أمام الولايات المتحدة ليس بين التفاعل أو الانسحاب ولكن الانجرار إلى نزاعات الشرق الأوسط مترددة أو غير مهيأة وبين تطوير إطار متماسك للمشاركة الحتمية أم تكون جزءا من رؤية سياسية لدور الولايات المتحدة في العالم.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي