الاحتجاجات العربية تقوّض سطوة الأحزاب الطائفية والدينية

2019-11-28 | منذ 1 سنة

احتجاجات عابرة للهوياتفاس (المغرب)- يتفق المحتجون في لبنان والعراق على اختلاف الظرف وطبيعة الاحتجاجات على أن الأحزاب الطائفية والدينية في بلديهما أصبحت جزءا من الأزمة بتلويناتها السياسية والاقتصادية وبارتداداتها الاجتماعية، التي تتخبط فيها الدولتان منذ سنوات.

وعلى هذا الأساس تشكل وعي شعبي تجاوز المطلبية إلى إطلاق صرخات تنادي بتغييرات جوهرية تشمل رحيل النخبة السياسية ونظامها القائم على المحاصصات الطائفية والحزبية. وهو ما اعتبره مراقبون تطورا من مجرد صراع ضد حكومات فاسدة وفاشلة إلى إصلاح هيكلي لجوهر النظام السياسي.

وقال الأكاديمي المغربي، رئيس مركز معارف للدراسات والأبحاث سلمان بونعمان، إن العالم العربي يشهد موجة انتفاضية ثانية تشكل “امتدادا للموجة الأولى على مستوى الأفق التحريري والمطالب الإصلاحية”، لكن تتميز بأنها “عابرة للطائفية والاصطفافات السياسية”، وترفض التدخلات الخارجية، وتتسم بالوعي في التفاوض مع المؤسسات العسكرية.

وفي مطلع 2011، اندلعت احتجاجات شعبية في دول عربية، اصطلح على تسميتها بثورات “الربيع العربي”، وانطلقت شرارتها في تونس، ثم امتدت إلى دول أخرى، بينها مصر وليبيا واليمن، وأسقطت أنظمتها الحاكمة.

وقدر الباحث المغربي، أن الموجة الجديدة استفادت من دروس وعِبر الأولى، رغم وجود خصائص تميز كل حالة انتفاضية.

وفي الربع الأول من 2019، شهدت الجزائر والسودان احتجاجات شعبية أجبرت قيادة الجيش السوداني، في 11 أبريل الماضي، على عزل عمر حسن البشير من الرئاسة الذي استمر حكمه من 1989 إلى 2019، وأجبرت عبدالعزيز بوتفليقة، في الثاني من ذات الشهر، على الاستقالة من رئاسة الجزائر.

واعتبر بونعمان، مؤلف كتابي “فلسفة الثورات العربية: مقاربة تفسيرية لنموذج انتفاضي جديد”، و”أسئلة دولة الربيع العربي”، أنه رغم تعرض الموجة الثورية التأسيسية (الأولى) لانتكاسات وخيبات، إلا أنها “أحدثت تراكما احتجاجيا”. ودعا إلى “النظر إلى الانتفاضات الجديدة من زاوية ثنائية الاتصال والانفصال، خاصة في ظل تعقيداتها وتلقائيتها وعفويتها”.

وإلى جانب السودان والجزائر، يشهد العراق ولبنان، منذ أكتوبر الماضي، احتجاجات شعبية ترفع مطالب متشابهة، في مقدمتها رحيل الطبقة الحاكمة المتهمة بالفساد والافتقار للكفاءة.

ولئن كانت الخاصية المشتركة في الحالتين السودانية والجزائرية هي المطالبة بتحييد المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي العام وميلاد سلطة مدنية. فإن المشترك الأساسي في الحالتين اللبنانية والعراقية، تمثل في “ربط الطائفية بالفساد، ورفض التقسيمات الثقافية، ونظام المحاصصة الطائفية في إدارة حكم البلاد”. ورأى أن “المشترك العام في الموجة الثانية هو وجود وعي شبابي متقد ومتجدد ومخالف للحركات الاحتجاجية الكلاسيكية”.

ويعيش العالم العربي أمام حركات احتجاجية عابرة للهويات والإثنيات والطائفيات وتتجاوز الأبعاد الأيديولوجية الضيقة، لتطرح أساسا أسئلة متعلقة بالمواطنة والسيادة والحرية.

ويرفض الجيل الجديد من الشباب المنتفض المحاصصات الطائفية والاصطفافات السياسية والتواطؤات الهشة للنخب السياسية، ويحتج على وضعية اقتصادية اجتماعية تتسم بالتوتر وعدم التوزيع العادل للثروة ومعدلات نمو لا تصل إلى كل الفئات الاجتماعية.

  لم تقتصر مطالب المحتجين في بلدان عربية مثل العراق ولبنان على تحقيق مطالب معيشية بل امتدت لتشمل إنهاء نظام المحاصصة الطائفية والاصطفافات السياسية، لتطرح أساسا أسئلة متعلقة بحقها في المواطنة والسيادة والحرية.

وميز بونعمان بين بعدين في الموجة الانتفاضية الثانية، “الأول هو بعد اجتماعي اقتصادي يعكس أزمة النموذج الاقتصادي التنموي في البلدان المعنية، والثاني هو بعد احتجاجي انتفاضي سياسي مرتبط برفض استمرار نموذج الحكم الذي يجمع بين السلطة والثروة، ويغلق المجال العام، ويفشل في بناء تنمية شاملة وعادلة”.

مشددا على كون ما يحدث حاليا هو استمرار للموجة الأولى، قال بونعمان “هناك دائما ذاكرة للحركات الانتفاضية، واستفادة واعية وغير واعية من التجارب الثورية السابقة، خصوصا الحالة المصرية في العلاقة مع المؤسسة العسكرية”.

ورجح بونعمان أن “أزمة الثقة في المؤسسات جعلت الحركات الانتفاضية الجديدة تتميز في مطالبها بأمرين لم يكونا مطروحين في الموجة الأولى، هما الاحتجاج على التدخل الخارجي، كما لوحظ بقوة في الجزائر برفع مطالب ضد التدخل الفرنسي، ورفض التدخل الإيراني في الحالتين العراقية واللبنانية”.

إلى جانب السودان والجزائر، يشهد العراق ولبنان، منذ أكتوبر الماضي، احتجاجات شعبية ترفع مطالب متشابهة، في مقدمتها رحيل الطبقة الحاكمة

وأوضح أن الأمر الثاني، متعلق بالوعي المتقد في إدارة الحوار والتفاوض مع المؤسسة العسكرية ذات الطموحات السياسية والرافضة لتأمين انتقال حقيقي إلى الحكم المدني.

وكان المحتجون اللبنانيون والعراقيون، من كل الفئات والأطياف والانتماءات والمناطق، قد رفعوا شعارات معادية لإيران ووكلائها في لبنان والعراق، باعتبارهم شركاء في مشروعها الطائفي التخريبي في المنطقة، الذي أنهك شعوبها وأخّرهم عن خوض معركة التنمية.

وأضاف أن أفق الحركات هو الإصلاح والتغيير، وليس القلب الشامل والجذري للنظام. لذلك من الضروري إفراز قيادات لهذه الحركات للتوافق مع الأحزاب كمؤسسات منظمة قائمة، خصوصا المعارضة منها، والدخول في مفاوضات مع النظام أو على الأقل مع القوى التي تقبل الإصلاح من داخله بالشكل الذي يحدث توافقا حول برنامج للانتقال الديمقراطي.

الجيل الجديد من الشباب يرفض المحاصصات الطائفية والاصطفافات السياسية

ورأى أن البرنامج الانتقالي لن تكون نتائجه آنية وجاهزة وسريعة، لكن المهم أن يشارك الجميع في هذا المسار، وأن ينتبه إلى خطورة المرحلة الانتقالية بكل تعقيداتها من تدخل خارجي ومحاولة الإفشال من الداخل والتعثرات الاقتصادية والاجتماعية.

وختم الباحث المغربي بالتشديد على أن نجاح المرحلة الانتقالية مرتبط بنضج النخب واتفاقها على حماية مطالب الجماهير وترجمتها في قوانين وخيارات إصلاحية تتجسد في أرض الواقع.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي