إدغار ألان بو.. شاعر الرومانسية والرعب الذي تحدى ألم الفقد وسوء الحظ

2019-10-09 | منذ 6 يوم

إدغار عبر في قصصه عن أعمق مشاعره مما جعلها محمد صلاح - القاهرة - "خمسون دولارا فاز بها عن قصة كتبها عام 1833، جعلته واحدا من أكثر الكتاب الأميركيين تمكنا في ميادين الأدب الثلاثة: الشعر والنقد والقصة".

هذا هو إدغار ألان بو (1809-1849)، أحد آباء الشعر الأميركي المعاصر الذي لازمه البؤس وسوء الحظ منذ طفولته، وظل في كفاح لا ينقضي مع الفقر، حتى قال عنه الشاعر والناقد الفرنسي شارل بودلير "إن مصدر شقائه كان بيئة محدودة غير مثقفة، لم تستطع أن تفهمه وترقى إلى تقديره".

في محاولة لفهم "بو"، نعرض طرفا من سيرته ونظريته في الشعر والقصة، من خلال كتاب صدر مؤخرا عن وكالة الصحافة العربية (ناشرون)، بعنوان "إدجار.. عبقري قصص الرعب"، من دراسة وترجمة الدكتور أمين روفائيل.

تراجيدية وحزن لا يطاق
ولد بو في بوسطن (يناير/كانون الثاني 1809) لأبوين يعملان في التمثيل، وبعد اختفاء أبيه ووفاة أمه وهو في الثالثة من عمره، كفله رجل يدعى جون ألان، واصطحبه إلى إنجلترا ليتعلم في مدارسها، ثم عاد إلى أميركا وتنقل بين عدة جامعات قبل أن يقرر -وهو في الثانية والعشرين- أن يكسب قوته من الكتابة.


شعور بو بالمهانة في طفولته لمعايرته بعمل أمه الممثلة، وتجرعه مرارة الفقر، وحزنه لإصابة أخته بمرض عقلي، وموت أمه، ثم موت جين ستانارد حبيبة صباه، وفرانسيس آلان التي رعته ونشأ في كنفها، وموت شقيقه، ثم -عام 1847- ابنة عمته فيريجينا التي تزوجها عام 1836؛ كل ذلك سبب له نوبات كان يقع خلالها فريسة للحزن واليأس والإعياء الجسدي، ويظل ملازما للفراش عدة أيام عاجزا عن أي عمل، حتى كتب لعمته أنه: غير قادر على أن يحتمل ثقل الحزن، ولا رغبة له في العيش ساعة أخرى.
ورغم ذلك لم تهزمه أزماته النفسية وأقبل على كتابة الأدب "أنبل مهنة، لا يغريني بالتخلي عنها كل ما في كاليفورنيا من ذهب" كما قال لأحد أصدقائه، فبدأ نشر القصص القصيرة في الصحف عام 1832، وشهد عام 1840 أخصب فترات حياته بعد سنتين من صدور روايته الطويلة "آرثر غوردون بم"، ثم صدور آخر دواوينه عام 1845 محتويا قصيدة "الغراب"، التي فتحت أمامه أبواب الندوات الأدبية، ليصبح في طليعة النقاد بنقده لأعمال كتاب إنجليز، كقصص بولوار ليتون وديكنز، وشعر إليزابيث براوننغ، ومقالات ماكولي، بالإضافة إلى نقده لما يصدر للكتاب الأميركين من أعمال، وإلى جانب ذلك نشرت له سنة 1848 رسالة فلسفية علمية بعنوان "وجدتها"، حاول فيها وضع تصور جديد للكون.


قبل موته بسنتين، اندفع بو إلى معاقرة الخمر فرارا "من حزن لا يطاق" لازمه بعد وفاة زوجته، وشعور عنيف بالوحدة جعله يخوض غمار خمس علاقات نسائية تنقل فيها من امرأة إلى أخرى، حتى وفاته في 7 أكتوبر/تشرين الأول 1849.

نظرية بو في الشعر
يؤمن بو بأن الغاية من الشعر هي المتعة، ويدعو لتنقية الشعر مما يرى أنه يناقض طبيعته، من نقل المعلومات والحقائق، فيقول: "ليس من عمل أكثر جلالا ونبلا من المنظومة التي هي منظومة ليس غير، تنشأ من أجل أنها منظومة دون غرض آخر".

وتبلغ موهبته الموسيقية أوجها في التعبير عن اليأس في "يولالوم" وفي قصيدته "إلى آني"، وأشد ما كان يشيع في نفسه الأسى، امرأة جميلة محبوبة احتجبت في ظلمة القبور، تذوب نفسه حسرات لفراقها:

ساعات حياتي الآن كلها غشيات،
وكل ما يعتادني في الليل من أحلام
ينحو حيث عينيك الدعجاء ترمق،
وحيث تومض خطاك
في رقصاتك الأثيرية،
أينما كنت على جداول الخلد

والموت عند بو مريح من أثقال الحياة، فلا يبعث على النحيب والجزع بل على الابتهاج والتهلل، لكنه في قصيدة "الغراب"، يتحول إلى قنوط وحسرة على سعادة ولّت، إذ يسأل محبٌّ يحلم بحبيبته التي فرّق الموت بينه وبينها، غرابا اقتحم عليه غرفته إثر عاصفة هوجاء في الليل:

هل يلاقي حبيبته في حياة أخرى بعد الموت؟
أيها النبي! رسول الشر! ولكنك
نبي، طائرا كنت أو شيطانا
أناشدك السماء التي تظلنا
أناشدك الله
الذي يعبده كلانا
قل لهذه الروح المثقلة بالأسى
هل تراها في جنة عدن البعيدة؟
سوف تحتضن عذراء طاهرة يسميها الملائكة لينور

ومن قصائده: تيمورلنك (1827)، والأعراف (1829)، وإلى هيلين (1831)، والقصر المسكون (1839)، والدودة الفاتحة، ولينور (1843)، والغراب (1845)، وأولالوم (1847)، وإلدورادو والأجراس وأنابيل لي (1849)، وهي آخر قصائده.

صناعة بو للقصة

لا يكتب بو القصة بهدف الإصلاح وإيقاظ الضمائر، بل يكتبها من أجل القصة، كما نظم القصيدة من أجل القصيدة، يكتبها ليترك أثرا محددا في نفس القارئ، فهو يتخيل أحداثا مفزعة تثير في نفس القارئ مخاوف كامنة أو دهشة ممزوجة بالرهبة، فيبقى في حالة من الترقب وحب الاستطلاع.

وكما اهتم بو بالأحداث، ركّز على الشخوص والأثر الذي ستتركه في القارئ أيضا، ولأنه كان ميالا للعزلة فقد ألبس شخوصه هذه الصفة، لأنه يُصنف كاتبا رومانسيا لا يستطيع التجرد من عواطفه ولا كبت ما يحسه.

غالبا ما سيطر على بو شعور بالغربة والإنكار لسمات عصره الذي غلبت عليه المادية وعبادة المال، جعله يجوس في شخوصه ويقحم نفسه في قصصه، وقد وفق في هذا وكان ذلك مصدر قوة له، عندما عبّر في تلك القصص عن أعمق مشاعره، مما جعل أحد النقاد يقول: "إنها مرآة لحالاته النفسية".



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي