الفلسفة في مواجهة قلق الوجود

2026-07-21 | منذ 3 ساعة

عزيز الحدادي*


«السعي إلى الأشياء بتحفظ، أو اقلع عن الطلب لكي تتمتع الروح بالسلم، فالأشياء البعيدة المنال ستؤذي الإنسان «. التأملات
هناك خمس خطوات لعلاج المشاكل فلسفيا، حيث ينطلق العلاج من المشكلة والانفعال الصادر عنها، هكذا يبدأ التحليل لجوهر هذه المشكلة بواسطة التأمل والتوازن، باعتبارهما الطريق الأوثق إلى السلام النفسي الدائم، لأنه غاية الإنسان في الحياة التي تستمد وجودها من وجوده، فالنفس مرتبطة بالجسد، والحياة مرتبطة بالوجود، ولعلهما يختلفان ويتفقان، لكن كيف يصبح السؤال عن ماهية المشكل ترياقا للعلاج؟ وما علاقة المشكل بالحرب على النفس الإنسانية؟ وكيف يمكن إقناع الإنسان بأن تحالف المشكل مع القلق يمسي سلاحا ضده؟
لا بد من معرفة متى أضحى القلق مصدره مشكلة ما، ولذلك ينبغي تحديد طبيعة هذه المشكلة، من خلال الانفعالات التي أثارتها؛ هل هي مادية أم روحية، فمثلا أزمة مالية، أو إهانة للكرامة أزمة الحب، أو يكون أحد أفراد الأسرة على فراش الموت وربما مات، كلها مشاكل موجودة في الوجود، وينبغي مواجهتها بإرادة قوية .
هكذا يكون حل المشكلة مرتبطا بمقدار استجابتها العاطفية وفحصها بواسطة الفكر، لأن التفكير العميق يهدئ العاطفة المشتعلة، ما دام أنه يتوجه إلى تلك الانفعالات التي حركتها بعنف المشكلة، ويصمد في وجهها معتمدا على جودة الحياة ونعومتها العاشرة، فهل هناك مشكلة أعظم من نهاية الحياة ذات يوم، من دون أن نعرفه؟ وهل يمكن إضاعة الحياة السعيدة في مستنقع الحياة الشقية؟ إذا كانت الحياة بخير تكون كل الانفعالات مجرد سحب عابرة، أما إذا كانت شقية فتبدو كل المشاكل البسيطة في صور بشعة، هكذا يتم إهمال الروح في مستنقع اليومي القاتل «الميل المشترك لجميع البشرية هو الرغبة الدائمة في القوة بعد القوة والتي لا تتوقف إلا بالموت» حسب توماس هوبز.
والحال أن الشيء للسؤال الفلسفي هو قيامه بالحفر في كينونة النسيان، واستغلاله كسلاح ضد أوهام الحياة التي تهدد وجود الإنسان، فهدر الحياة في علاقة معطوبة لا يرجى إصلاحها، قد يعني أنه ينشد الخلاص بالموت، فالظروف لا يتم تغييرها بالحزن وإنما بإرادة القوة، كما أن السعادة لا تأتي من اللذة العابرة «ما الإنسان إلا ما يصنع من نفسه، هذا هو المبدأ الأول للوجودية» كما قال سارتر.
بما أن الفلسفة فن للعيش، فإنها تعلم الإنسان ممارسة لتفكيره الخاص، وأن الأعظم فكرا سيكون الأعظم سعادة، لأن السعادة، حسب أرسطو، هي شكل جميل من التأمل، ذلك أن الإنسان سعادته لن تكون شيئا عرضيا، بل بفضل تفكيره.
فالفكر هو الخير في الوجود نافع في علاج أزمات الروح، ولذلك تعتمده الفلسفة في صراعها ضد بؤس الحياة «أعني بالخير في هذا المقام كل أنواع البهجة، وأيضا كل ما يفضي إليها.. أما الشر فأعني به كل أنواع المحن». هذا كلام لسبينوزا، ويعلق عليه كانط قائلا؛ باستثناء وجود الإرادة الخيرة، لا يمكن تصور أي شيء داخل العالم، ولا خارجه، يمكن وصفه بالخير، من دون مسوغات».
هكذا تكون الحياة الخالية من التأمل، حياة لا تليق بالإنسان، فليس بوسع الإنسان أن يقدر عظمة عقله إلا بالخير، والعقل هو ما يجعل الحياة سعيدة وممتعة، حين يطرد جميع الأوهام والآراء الزائفة، فأي شيء يمكن أن يحفزنا على الحياة السعيدة، شيء واحد فقط: الفلسفة.
ثمة حقيقة ملتبسة تقول إن الفلسفة تخلصنا من الأزمة الوجودية، عندما تصبح الحياة وجودا بلا معني، ينبغي صياغة سؤال الراهن الأنطولوجي؛ فماذا ترك للفلسفة أن تقوم به في هذا العالم الممزق؟، وكيف تساعدنا على التفكير بواسطة شعرية الحياة؟ ولماذا الفلسفة تجعل الإنسان إنسانا وشغوفا بالحياة والحب؟
الإنسان والفلسفة مولعان ببعضهما، ولكنهما جبلان متقابلان يجمعهما القدر نفسه، وإذا كان نيتشه قد قال إن قدر الفلاسفة حزين، فإنه كان يقصد عيشهما في مدينة البقرة، بمعنى غربتهم في أوطانهم. ومع ذلك ستعود الفلسفة إلى ضوء النهار، لكي تدمر قلق الوجود وأزمة الحياة، فمن دونها سيظل الإنسان من دون نزعة إنسانية ومن دون شغف بالحب، بل فقدان شعرية الحياة.


*كاتب مغربي











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي