
للروايات الرومانسية جوّها الخاصّ، ولقراءتها مُتعة مختلفة تمامًا عن مُتعة قصص الخيال العلميّ أو القصص البوليسية، فأبطال الرواية لا يتركونك إلّا وقد هيمن على عقلك سؤال واحد "متى يجتمع المُحبِّون معًا"؟، بحسب الرجل.
ووسط التحدّيات التي يخوضها الأبطال، تنتهي الرواية بالتقاء المُحبّين بنهاية المطاف، ولكن خلال كلّ تلك الرحلة، باتت لديك قناعات عن الحبّ والعلاقات، وكيف يبدو حلّ الخلافات، وطرق التعبير عن الحبّ، وعندما تنزل إلى أرض الواقع في علاقة حقيقية، ربّما تجد الأمر مغايرًا تمامًا، فكيف شكّلت الروايات الرومانسية بمُتعتها تصوّراتنا عن الحبّ؟ وكيف نستفيد منها مع واقعية الحياة الزوجية؟
كيف ازدادت صناعة الروايات الرومانسية؟
لا تزال صناعة الروايات الرومانسية آخذة في النموّ عالميًا، فهي صناعة تبلغ قيمتها مليار دولار، وتتفوّق على أنواع الكتب الأخرى، حسب مُنظّمة "NPR".
كما شهدت مبيعات الكتب الرومانسية طفرة بين الجيل Z تحديدًا، ففي الفلبّين مثلًا؛ اعتبارًا من عام 2019، كانت الكتب الرومانسية هي الأكثر شعبية بين القُرَّاء، وفق إحصائية من موقع "Statista".
علاوة على ذلك، فإنّ هذا النوع من الكُتب يمثّل نحو 23% من جميع الكُتب المبيعة في الولايات المتحدة الأمريكية، كما يعود تاريخ الروايات الرومانسية حتى إلى العصور الوسطى.
لماذا نُحبّ الروايات الرومانسية دونًا عن غيرها؟
لا يمكِن لإنسانٍ أن يحيا دون حب، فمثلًا توفّر الكتب المُخصّصة للنساء -التي يُدوِّنها نساء في الغالب- مرآة لحياتهنّ.
تقول "هيلين تايلور" أستاذة اللغة الإنجليزية بجامعة إكستر: "الرومانسية الحديثة تضع المرأة في مركز السرد، ويستطيع القُرّاء التعرّف إلى بطلات هذه الروايات، والمشاركة في جميع تجارب النساء".
وبالنسبة للرجال، فقد أشار مسح أجرته منظمة كُتّاب الرومانسية الأمريكية "Romance Writers of America" إلى أنّ 18% فقط من قُرّاء الرومانسية هم من الرجال.
ولكن ربّما ينبغي للرجال قراءة مزيد من الروايات الرومانسية؛ إذ ربّما تمثّل دليلًا إرشاديًا للعلاقات في بعض الأحيان؛ إذ توضّح طرقًا متنوعة للتواصل وحلّ الخلاف وفعل ما يلزم لعلاقة صحيّة.
ولأنّ الرواية الرومانسية تتمحور حول المرأة، فإنّها يمكِن أن تمنح الرجال فُرصة لرؤية العالم من منظور أنثوي، ما يبني التعاطُف، ويسمح لهم بفهم العالم الأنثوي بدقّة.
ولو رجعنا بعقارب الساعة إلى الوراء، سنجد أنّه كان هناك وصمة عار مرتبطة بقراءة الروايات الرومانسية، وكان ما يُنشّط الخيال لدى الذكور القصّة البوليسية أو الخيال العلمي، ولكن بمرور الوقت بدأ العالم الأدبي يُدرِك أهمية الخيال الرومانسي؛ نظرًا لشعبيته الهائلة التي تُولِّد مبيعات تتخطّى مليار دولار، ما أدّى إلى الترويج للروايات الرومانسية، وبلوغها القُرّاء من الجنسين.
كيف غيّرت الروايات الرومانسية تصوّرنا عن الحب؟
هذه الصناعة التي جاوزت قِيمتها المليون دولار أسهمت في تشكيل تصوراتنا عن الحبّ والعلاقات، فالروايات الرومانسية مُصمّمة للتركيز على الشوق والمُخاطرة واللحظة التي يختار فيها ذكر وأنثى بعضهما أخيرًا.
صحيح أنّ العلاقات الحقيقية بها تلك اللحظات أيضًا، ولكنّها تتضمّن أيضًا ضغوط العمل وأعباء الحياة وغير ذلك.
وعندما تُركّز القصّة على مشهدٍ ما مرارًا وتكرارًا، فقد يتشكّل الأمر في وعيك على أنّه قاعدة، ليس لأنّك تنخدع بسهولة، ولكن لأنّ العقل يحبّ الاختصارات، فيُخزِّن أنماط القصّة، ثُمّ يستخدمها لتحديد الشكل المُفترَض لما ينبغي أن يكون عليه الحب.
وقد أشار بحث عام 2014 في مجلة "Psychology of Popular Media Culture" إلى وجود علاقة بين ما نشاهده ونقرؤه وما نؤمِن به بشأن العلاقات.
لماذا تبدو الخلافات في الروايات الرومانسية جذّابة عن الخلافات الحقيقية؟
الخلافات هي ما يُغذِّي القصّة الرومانسية، فالخلاف قد يدفع الأسرار الدفينة إلى الظهور في العلن، ما يخلق إثارة مع الخلافات في الروايات.
ولكن في عالم الواقع الخلافات مختلفة تمامًا؛ إذ تدلّ على احتياجات غير مُلبّاة، أو موقف حدث يتعارض مع قِيم أحد الزوجين أو كسْر لحدود أي منهما.
والخلافات الواقعية لا تُحلّ لأنّ أحد الزوجين قرّر في منتصف الخلاف فجأة أن يتوقّف عن الجدال ويصالِح الطرف الآخر طواعية، بل لأنّ هناك طرف آخر يستمع ويبدأ في تغيير سلوكه بالفعل.
وهُنا قد يقع الخلط في أذهاننا بين حلّ الخلافات بطريقة الروايات الرومانسية وما يحدث في الواقع؛ إذ نجد الخلافات تتسع وربّما نتأمّل في أن يُحلّ الخلاف "بالطريقة الرومانسية ذاتها"، ومِنْ ثمّ فقد تتأثّر طريقة تفكيرنا في حلّ الخلاف.
فالغيرة مثلًا قد تبدو شيئًا طريفًا في صفحات روايتك، ولكن في الحياة الواقعية قد تكون شكلًا من أشكال السيطرة على الشريك إن جاوزت حدّها الطبيعي.
الفرق بين الحب الواقعي والحب المثالي في الأدب
قد نعجز عن مقاومة مظاهر الحبّ في رواية رومانسية، ولكنه يختلف عن الحبّ الحقيقي. نعم قد يقع المرء في الحبّ سريعًا وينجذب إلى شخصٍ آخر، ولكن الثقة عادةً ما تُكتسَب وتُبنَى على مدار السنين والمواقف التي يواجهها الزوجان معًا، فلا يزالان يتعلّمان عن بعضهما في أوقات الرخاء والشدّة على حدٍ سواء.
صحيح أنّ الأمر مختلِف في الروايات عن الحقيقة؛ إذ إنّ ذروة اللقطة الرومانسية -كعناقٍ حارّ بعد اشتياقٍ طويل أو زيارة مفاجئة أو إنقاذ من كارثة- مُصمّمة كي تنزل الدموع من عينيك، ولكن الحبّ في عالم الواقع يُبنَى بأفعال صغيرة ثابتة كل يوم، مثل:
هذه المشاهد ربّما لا تُطلِق الدموع من عينيك، ومِنْ ثمّ فقد لا تجدها كثيرًا بصورة مؤثّرة في الروايات، ولكنّها في الحقيقة ما يُشكّل سحابة الحبّ التي تُظلّ الزوجين.
كيف تعزّز الروايات الرومانسية العلاقة الزوجية؟
رغم كلّ ما سبق، فإنّ الروايات الرومانسية قد تحمل توقّعات حقيقية، فأبطال الرواية لا يريدون بعضهم فحسب، بل يُكِنّ كل بطل للآخر احترامًا لا نظير له.
ومن بين التوقّعات الصحيّة التي تعزّزها الرومانسية أن يكون المرء مُختارًا عن قصد من قبل الشريك، واللطف المستمرّ الذي يظهر في التعامل اليوميّ، والانجذاب للشريك المقترِن باحترام الحدود وليس كسرها، والشراكة في كلّ شيء من القرارات إلى الأعباء إلى التخطيط للمستقبل.
فإذا كانت روايتك الرومانسية المُفضّلة تُحفّزك على التفكير في هذه الأمور، فربّما توجّهك إلى الشريك المثالي بنهاية المطاف.
كيف تستمتع بالروايات الرومانسية مع واقعية الحياة الزوجية؟
إذًا كي تزيح عن عقلك المبالغات الرومانسية في الروايات، وتتحلّى ببعض الواقعية في الزواج وفي الوقت نفسه تستمتع مع زوجتك برومانسية قريبة من الروايات، قد تساعدك النصائح الآتية:
1. الرومانسية بالمُتاح
حاول أن تبذل جهدًا لإضفاء طابعٍ رومانسي على زواجك، فلا تُركِّز على شكل الرومانسية ذاتها في الروايات، وإنّما حاول أن تعرف ما يُعجِب زوجتك، فقد تُحبّ الحصول على هديةٍ مُعيّنة، وهذا قد يكون أحد أفضل أشكال الرومانسية بالنسبة لكما.
2. صمّم طقوسًا خاصّة بكما
لم لا تُجرِّب أن تبتكر رومانسية خاصّة بكما؟ ماذا عن كتابة رسالة بخطّ يدك لزوجتك؟ أو تخصيص عادة يومية ليُعبِّر كل منكما عن سبب امتنانه للآخر كل ليلة قبل النوم خلال الثلاثين يومًا القادمة؟ الأفكار لا تنتهي، فقط جِد ما يُناسِبك وزوجتك، ولا تنسَ أنّ ليس كلّ ما تقرؤه يمكِن تحقيقه على الواقع، بل ربّما كانت أعظم أيام الرومانسية بالنسبة لكما أبسط مما تتوقّع.