
القهوة ذلك المشروب الصباحي الذي لا يمكِنك بدء يومك من دونه، كيف كانت ستصبح الحياة لو لم يكُن راعي ماعز في القرن التاسع اكتشف حُبوب البن تلك؟ أو كيف كان للقهوة أن تنتشر عالميًا إن لم تبدأ زراعتها وتجارتها من شِبه الجزيرة العربية في القرنَين الخامس عشر والسادس عشر؛ إذ كان لشُرب القهوة حينها مقاهي خاصة عُرِفت "بمدارس الحُكماء"، بحسب الرجل.
ومن هُناك انتقلت إلى أوروبا وآسيا والأمريكتين، حتى باتت القهوة اليوم مشروبًا شهيرًا بأنواع ومذاقات مختلفة؛ تناسِب كلّ فردٍ حسب رغبته، فكيف بدأت القهوة حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم؟
في القرن التاسع وعلى هضاب إثيوبيا.. كيف بدأت قصّة القهوة؟
حسب الأسطورة المتداولة، كان راعي ماعِز يُدعَى "كالدي" أوّل من اكتشف حبوب البُن؛ إذ لاحظ أنّه بعد أن أكلت ماعزه كرز شجرة مُعيّنة في غابات البُنّ القديمة في الهضبة الإثيوبية، صارت الماعز نشيطة للغاية ولم تنَم ليلًا.
وسُرعان ما أبلغ "كالدي" رئيس الدير المحلّي بالنتائج التي توصّل إليها، ولمّا أعدّ رئيس الدير مشروب الكرز ذلك وجد أنّه أبقاه متيقظًا، وتشاركه بعد ذلك مع الرهبان الآخرين، وبعدها ظهرت حبوب البن شرقًا في اليمن.
شِبه الجزيرة العربية محضن القهوة الأول
لم تبدأ تجارة القهوة إلّا في شبه الجزيرة العربية؛ إذ بدأ الناس زراعة القهوة والاتّجار بها للمرة الأولى، وبحلول القرن الخامس عشر، كانت تُزرَع القهوة في اليمن، ولمّا وصلّ القرن السادس عشر، اكتسبت القهوة شعبية في مصر وسوريا وتركيا وإيران.
القهوة على موائد مدارس الحُكماء
وفي هذا الوقت كان بالإمكان شُرب القهوة في المنزل أو حتى الذهاب إلى أحد المقاهي العامة العديدة، أو "قهوة خانه"، التي بدأت في الظهور في المدن في جميع أنحاء المنطقة المعروفة الآن بالشرق الأوسط.
وفي هذه المناطق، لم يكُن احتساء القهوة نشاطًا معزولًا، بل كان بالإمكان مشاهدة العروض والاستماع إلى الموسيقى ولعب الشطرنج والتحدّث عن الأخبار اليومية أيضًا، بل كانت المقاهي حيوية لتبادُل المعرفة لدرجة أنّها كانت تُعرَف أيضًا باسم "مدارس الحكماء"، حسب موقع "About coffee".
وبينما كانت مكّة تجذب آلاف المسافرين كلّ عام للحج، فعندما يعودون إلى ديارهم، كانوا ينشرون ما يعرفونه عن المقاهي والمشروب الذي يُقدَّم هُناك.
القهوة في أوروبا: من "اختراع الشيطان" إلى مشروب الإفطار المفضّل
وبحلول القرن السابع عشر وجدت القهوة طريقها إلى أوروبا وباتت شائعة في جميع أنحاء القارّة، ولكن لم يتقبّل الجميع القهوة على الفور، وكان رد فعل الناس هو الشكّ والخوف، حتى أنّهم ذهبوا إلى تسميتها "باختراع الشيطان المرير".
بل عندما وصلت القهوة إلى مدينة البندقية الإيطالية عام 1615، أدانها رجال الدين المحليّون، ما أثار جدلًا كبيرًا حينها، لدرجة أن طُلِب من البابا "كليمنت الثامن" التدخّل، وبعد أن تذوّق القهوة بنفسه، وجدها مُرضِية للغاية، لدرجة أن منحها موافقة البابا.
ورغم هذه الخلافات، نشأت المقاهي الأوروبية بسُرعة في المدن الكبرى بإنجلترا وفرنسا وهولندا وألمانيا والنمسا، وكانت بمثابة مراكز اجتماعية رئيسة أشبه "بقهوة خانه" في الشرق الأوسط.
وبعد أن كانت مشروبات الإفطار الأكثر شيوعًا في أوروبا النبيذ والجعة، حظت القهوة بشعبية جارفة، وبدأ الناس في شُربها لبدء يومهم بدلًا من تلك المشروبات؛ إذ شعروا بمزيدٍ من اليقظة والنشاط وتحسين جودة عملهم.
وبحلول منتصف القرن السابع عشر، كان هناك أكثر من 300 مقهى في لندن، وأصبح عديد منهم مُتخصّصين في القهوة، كما أنّ بعض هذه المقاهي كانت تخدم التجار، في حين كان البعض الآخر يجذب الفنّانين أو الوسطاء.
بل حتى الشركات نشأت من هذه المقاهي المتخصصة؛ إذ بدأت شركة "لويدز لندن" سوق التأمين العالمي في مقهى "إدوارد لويدز".
القهوة من أوروبا إلى آسيا مرة أخرى
مع استمرار زيادة الطلب على القهوة، كانت هناك منافسة شرسة لإنتاج القهوة خارج شبه الجزيرة العربية، وبعد أن حصل الهولنديّون أخيرًا على شتلات شجرة البن في النصف الأخير من القرن السابع عشر، فشلت محاولاتهم الأولى لزراعتها في الهند، لكنّهم نجحوا بعد ذلك في إندونيسيا في جزيرة جاوة.
وبعد أن تنامت الأشجار، سُرعان ما أصبح لدى الهولنديين تجارة متنامية للقهوة، ثُمّ توسّعوا في زراعة أشجار البن إلى جزيرتي سومطرة وسولاويزي.
ابتكار أول مزيج قهوة في العالم
علاوة على ذلك، ابتكر الهولنديون أول مزيج قهوة في العالم في إندونيسيا؛ إذ جمعوا بين القهوة العربية (وتُسمّى أيضًا موكا، نسبةً إلى المدينة الساحلية اليمنية الشهيرة)، والقهوة المزروعة في جاوة، واستمرّ هذا المزيج إلى اليوم بمُسمّى "موكا جافا".
القهوة تصل إلى الأمريكتين في القرن الثامن عشر في هديّة مَلَكيّة
في عام 1714، قدّم عُمدة أمستردام هدية كانت شجرة قهوة صغيرة للملك لويس الرابع عشر ملك فرنسا، وأمر الملك بزراعتها في الحديقة النباتية الملكية في باريس، وفي عام 1723، حصل "غابرييل دي كليو"، وهو ضابِط بحري شاب على شتلة من شجرة الملك.
ورغم المرور برحلة شاقّة، شهدت طقسًا مروعًا وهجومًا للقراصنة، مرورًا بالمُخرِّب الذي حاول تدمير الشتلة، فإنّه تمكّن من نقلها بأمان إلى المارتينيك.
وبمجرّد زراعة تلك الشتلة التي نجت من كلّ ذلك، ظهرت شجرة البن الأولى في جميع أنحاء الأمريكتين، ونمت بعد ذلك أكثر من 18 مليون شجرة بن في جزيرة المارتينيك على مدى السنوات الخمسين التالية.
كما كانت تلك الشتلة أيضًا بمثابة الأب لجميع أشجار البن الأولى في منطقة البحر الكاريبي وكذلك في أمريكا الجنوبية والوسطى.
باقة من الزهور حملت القهوة إلى البرازيل
للبرازيل قصّة مختلفة مع القهوة، فقد أُرسِل الضابط العسكري البرتغالي "فرانسيسكو دي ميلو بالهيتا" من قِبل الإمبراطور إلى غيانا الفرنسية للحصول على شتلات القهوة.
ولم تكُن غيانا على استعداد لمشاركة تلك الشتلات مع أحد؛ إذ كانت المنافسة العالمية في تجارة القهوة على أشدّها، ولكن الضابط البرتغالي كان وسيمًا للغاية، وقد انبهرت به زوجة الحاكم الفرنسي، فأعطته باقة كبيرة من الزهور قبل مغادرته كهدية وداع، وكان مدفونًا بداخلها ما يكفي من بذور القهوة، لبدء صناعة القهوة التي تبلغ قِيمتها اليوم مليار دولار في البرازيل.
بداية الإسبريسو في القرن العشرين
كان جزءًا من التغيّرات التي شهدتها القهوة تحضيرها بطريقة الإسبريسو، التي بدأت في البندقية بإيطاليا في أوائل القرن العشرين؛ إذ ابتُكر هذا المشروب من قِبل رجل الأعمال "لويجي بيزيرا" الذي كان يجرّب القهوة ليعرف كيف يصنع مشروبه بسُرعة أكبر.
وفي عام 1903، كان يمتلك شركة تصنيع، وكان الأمر محبطًا بالنسبة له، لأنّ صُنع فنجان من القهوة يستغرق كثيرًا من الوقت، ولكن لاحقًا وبعد عدّة تجارب، اكتشف أنّ إضافة ضغط البخار إلى الماكينة لا يقلّل الوقت المُستغرَق لصُنع المشروب فحسب، بل يُنتِج أيضًا مشروبًا أقوى بكثير.
وقد استخرجت العملية الجديدة أثمن ما في صفات حبوب البن، وسُرعان ما أطلق بيزيرا على الآلة اسم "آلة القهوة السريعة"، وبما أنّ الكلمة الإيطالية "إسبريسو" تعني سريع في اللغة الإنجليزية، فإنّ اسم المشروب نشأ من آلة تحضيره.
القهوة حديثًا
شهدت القهوة في القرنين العشرين والحادي والعشرين تحوّلات متعددة، فنشأت الموجة الأولى من القهوة عندما سمح التصنيع بالإنتاج الضخم، ما أدّى إلى وصولها رفوف محلّات البقالة، وبات بمقدور الأفراد والمطاعم والشركات شراء هذه القهوة، التي تُباع بكميات كبيرة ومطحونة مسبقًا غالبًا وتحضيرها يوميًا.
وجاءت الموجة الثانية من القهوة مع ظهور سلاسل المقاهي والعلامات التجارية، التي أصبحت منتشرة الآن في كل مكان في الثقافة العالمية، ومع ظهور المقاهي الحديثة -التي تعادِل مقاهي القرون السابقة- بدأت ثقافة القهوة الجديدة في الظهور، مع التركيز بدرجةٍ أكبر ليس فقط على جودة القهوة، بل على التجربة ذاتها.
وأتاحت هذه المقاهي الحديثة لعدد أكبر من الناس تجربة أنواع جديدة من القهوة والنكهات والاستمتاع بها، ورغم اختلاف تجربة المقاهي الحديثة عن القديمة بالطبع، لكن ظلّت القهوة المشروب المُفضّل لكثيرٍ من الناس على مدار القرون، ولم تبدأ تجارة القهوة إلّا من شِبه الجزيرة العربية في القرنَين الخامس عشر والسادس عشر إلى أن وصلت في رحلتها إلى أنواعها المتعدّدة اليوم في كلّ مكانٍ حول العالم.