إنقاذ إقليم الشرق الأوسط
2026-07-08 | منذ 1 ساعة
عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد

التغيرات الكبرى في العالم وأقاليمه تكون نتيجة الحروب التي كثيراً ما تعطي فرصة لنقلة نوعية تسمح بمرحلة جديدة على مسار التقدم البشري. الحرب العالمية الثانية خلقت بعدها الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة. ورغم كل ما تتعرض له المنظمة الدولية من ضغوط، فإن الواقع هو أنه لم تحدث حرب عالمية أخرى؛ ولم تتعرض مدن للقصف بالقنابل النووية؛ ورغم الانقسام بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في أثناء الحرب الباردة، فلم تحدث بينهما حروب. بات العالم أفضل حالاً؛ تعليماً وصحة وتكنولوجيا، وفيه الكثير من التواصل والبحث عن مخلوقات أخرى خارج كوكب الأرض.

انتهاء الحرب الفيتنامية وبعدها انتهاء «الماوية» في الصين خلقا حالة آسيوية من البحث عن الرخاء والنفاذ إلى الاقتصاد العالمي لم ينهِ النزاعات الإقليمية والمحلية فقط، وإنما فتح الباب للتعاون الاقتصادي في ظل «آسيان» الذي أفاض بالرخاء على دول جنوب شرقي آسيا التي تناطح أوروبا في السبق الاقتصادي؛ ومن رحمها بزغت الصين كقوة عظمى جديدة لها طريقتها السلمية في قيادة العالم. أوروبا نفسها دخلت في مشروع للسلام والتنمية والرخاء، من خلال 6 دول خطت الطريق إلى «الاتحاد الأوروبي» الذي اكتمل عندما بات مكوناً من 27 دولة صناعية متقدمة في شرق كما في غرب القارة وجنوبها.

الشرق الأوسط وحده بقي على حاله؛ وخلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين عانت المنطقة أولاً من تراجع الدول الموحدة والمركزية، وحل محلها قائمة طويلة من الدول الفاشلة؛ وثانياً تعدد أشكال النزاع والصراع عاكساً التناقض ما بين المكوّنات، والصراع على الموارد الطبيعية؛ وثالثاً اختلاط الصراعات الإقليمية مع التدخلات الدولية للولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا في الحرب مع «داعش» التي أسست لدولة خلافة مزعومة؛ ورابعاً باتت أنماط الصراعات متغيرة من الداخل إلى الإقليمي ومن المنظمات الصغرى مثل «بيت المقدس» في سيناء، إلى «داعش» في «دولة الخلافة» المزعومة، بينما قامت روسيا بالدفاع عن نظام بشار الأسد في سوريا؛ وخامساً ظهرت على الساحة فواعل اقتصادية جديدة عابرة للحدود ومختلطة مع مافيا الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والآثار؛ وسادساً كانت المرحلة كلها ذات تكلفة عالية من التدمير والضحايا والجرحى والنازحين واللاجئين.

بداية العقد الثالث من القرن شهدت عودة للتماسك والبعد عن الفوضى ونهاية «دولة الخلافة»، وكانت البداية أن «الربيع العربي» فشل هو وتوابعه، ومع منتصف العقد باتت هناك 12 دولة عربية لا تعرف الميليشيات، ولا الحرب الأهلية؛ والأهم أن لديها مشروعاً وطنياً متجسداً في «رؤية» للتقدم إلى المستويات العالمية محطته الأولى في عام 2030. لم يعد الشرق الأوسط استثناءً من التغير الذي يجري في العالم، وبات مؤكداً بعد عواصف «الربيع» أن الدول التي عرفت كيف تتجنب العاصفة، ونجحت في مقاومتها، عرفت أن أول الدروس هو الحفاظ على الدولة وسيادتها وإلا كان هناك انفراط وتمزق. وثاني الدروس كان أنه لا مفر من الإصلاح بكل أشكاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولكنه ليس روشتة طريق إلى الفوضى والانقسام الوطني والتبعية لجماعات ومؤسسات «عالمية» تحت غطاء العولمة. لم يعد يهم آراء المنظمات الدولية «الحقوقية»، ولا أي من الدول التي تصورت أن نهاية التاريخ حدثت عند بابها.

تَمَثَّلَ الدرسان ـ الحفاظ على الدولة والإصلاح ـ في تجارب دول الخليج العربية ومصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر، بينما ظهر الوجه الآخر في العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان واليمن وفلسطين والسودان بأشكال مختلفة، كان أشدها قسوة ما جرى من حروب أهلية انتهت بشتاء قاسٍ ومدمر.

أولى النتائج في النظام الإقليمي الجديد للشرق الأوسط كانت استعادة الدولة دورها مرة أخرى، ولم تحافظ الدول المشار إليها فحسب على وقف مسار التمزق في الدول العربية، بل تصدت لمحاولات التمزيق، وانتهت «دولة داعش» المزعومة بين سوريا والعراق، والأهم أن حرب غزة الخامسة قادت إلى إضعاف محور ما يُعرف بـ «المقاومة والممانعة». لكن ما بدأ في «طوفان الأقصى» وحرب غزة الخامسة، أعقبته حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وهي حرب ذات أبعاد دامية تهدد الإقليم العربي كله.

أصبح الشرق الأوسط بحاجة ماسة إلى إنقاذ لن يأتي من الولايات المتحدة ولا من أوروبا ولا من آسيا ولا من روسيا، وإنما من الداخل العربي.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الشرق الاوسط



مقالات أخرى للكاتب

  • الجغرافيا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية
  • إشكاليات الأمن الإقليمي
  • المقاومة والتفاوض









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي