
طرابلس- يعمل علماء آثار في شرق ليبيا على حماية موقعَي قورينا وأبولونيا الأثريين، بعدما تعرضا خلال السنوات الماضية للنهب على أيدي جماعات جهادية ولأضرار ناجمة عن إعصار دانيال عام 2023، وسط نقص في الإمكانات والدعم من السلطات.
من فوق تل أخضر وارف، وفي مشهد "يحبس الأنفاس"، يتأمل المرشد السياحي حمدي الكيلاني معبد زيوس المهيب في قورينا، مشيرا الى أنه أكبر بعض الشيء من معبد بارثينون الاغريقي في أثينا.
يسود الهدوء المكان، في تباين حاد مع الفوضى التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، حين باتت قورينا، المعروفة اليوم باسم شحات، مهددة من جماعات جهادية بينها تنظيم الدولة الإسلامية، كانت تنهب المقابر والمواقع الأثرية في شرق ليبيا لتمويل أنشطتها.
وفي ظل غياب الأمن والرقابة، نشطت شبكات غير قانونية في المنطقة.
يقول مدير متاحف شحات إسماعيل دخيل لوكالة فرانس برس "كانت فترة صعبة جدا لغياب الأمن ومؤسسات الدولة وأصبحنا في خوف وقلق على القطع".
يضيف "حاولت أنا ومجموعة من الموظفين نقل القطع الصغيرة في الحجم كالعملة والتماثيل الصغيرة الذهبية وكل الملفات الأرشيفية وخزنتها في بيتي الخاص إلى ان استقرت الأمور وقمنا بإرجاعها".
والمتحف أشبه بمستودع ذي سقف متصدع، يضم 200 قطعة أثرية استثنائية، بينها تمثال صغير لأبو الهول برأس امرأة يتجاوز ارتفاعه مترين.
أما التماثيل الكبيرة التي تعذر نقلها، فحاول القائمون على المتحف والأهالي حمايتها عبر تنظيم نوبات حراسة "للمخازن الأثرية ولم تسجل أي حالة سرقة في متحف شحات"، بحسب ما يؤكد دخيل.
- "حالة احباط وحزن" -
في العام 631 قبل الميلاد، هاجر إغريق من جزيرة ثيرا، المعروفة اليوم بسانتوريني، هربا من الجفاف والمجاعة، وأسسوا خمس مستعمرات زراعية في المنطقة الساحلية الخصبة من الجبل الأخضر، أبرزها قورينا المطلة من هضبة ترتفع 600 متر عن سطح البحر.
وسرعان ما تحولت قورينا، التي بلغ عدد سكانها لاحقا نحو 100 ألف نسمة، إلى مركز لحضارة مزدهرة اشتهرت بالفنون والموسيقى والعلوم، وضمت خمسة مسارح ومدرسة مرموقة للفلسفة.
لكن الزلازل والحروب أدت لاحقا إلى تراجع مدن قورينا وأبولونيا، المعروفة اليوم بسوسة، وبطلميوس وتوخيرا، أي توكرة الحالية، وبرنيق التي أصبحت لاحقا بنغازي، قبل أن يعاد اكتشافها في القرن الثامن عشر.
وظلت هذه المواقع مهمشة في عهد القذافي الذي تبنى هوية عروبية جامعة على حساب حضارات ما قبل الإسلام.
وفي أيلول/سبتمبر 2023، ضرب إعصار دانيال المنطقة، مخلفا آلاف القتلى والمفقودين.
على الطريق الأثرية التي كانت تربط المدينة العليا في قورينا بمعبد أبولو، يشرف أنيس حامد يونس على إزالة أنقاض ما زالت في المكان وترميم جدار أثري.
ويقول "في اليوم التالي (للإعصار)، جاء الجميع للموقع... كنّا في حالة احباط وحزن رهيب".
ويشرف يونس على مشروع لإزالة الكتل المنهارة والردميات، واستعادة القطع القيّمة، وإعادة بناء جدار انهار على امتداد 60 مترا. ورغم أسفه لـ"قلة الإمكانيات"، يبدي تفاؤله بإمكان إعادة فتح المنطقة أمام الزوار في أيلول/سبتمبر المقبل، بعد ستة أشهر من أعمال الترميم والصيانة.
- "من حق العالم" -
ولحماية قورينا من كوارث طبيعية محتملة في المستقبل، أقيمت سدود صغيرة ونُظفت المجاري الطبيعية للمياه.
ويقول يونس إن آثار الاعصار لم تكن سلبية فقط، إذ اكتشف علماء الآثار نقوشا وأدوات جنائزية وسط آلاف القبور اليونانية والرومانية.
وعلى بعد 20 كيلومترا، تثير أبولونيا، الميناء التجاري القديم لقورينا الذي غمر البحر ثلث مساحته منذ قرون، قلقا متزايدا لدى خبراء الآثار.
ويقول المسؤول المحلي في هيئة الآثار طلال الحاسي لفرانس برس "قبل دانيال، كنا نُقدّر خطر فقدان هذا الموقع بنسبة 50%، أما الآن فبلغت النسبة 80%. هناك حاجة إلى تدخلات عاجلة، فبعض المباني مكشوفة تماما للتعرية البحرية".
جالسا على مدرجات منحوتة في صخور المسرح اليوناني، يتحسر أحمد عيسى عبد الكريم، عضو مجلس إدارة مصلحة الآثار الليبية، على غياب الدعم من المنظمات الدولية.
ويقول "جاءت بعثة من اليونسكو لتقييم الوضع، لكن للأسف المشكلة تكمن في كيفية تقديم الطلب للحصول على دعم. في الحقيقة لم نحصل على أي دعم من أي مؤسسة دولة على الاطلاق بعد دانيال"، وذلك لحماية مواقع مدرجة في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر منذ عام 2016.
أما المدير الجديد للمكتب الإقليمي لليونسكو للمغرب العربي شرف أحميمد، فيؤكد لفرانس برس أنه "لم يتم إعلامه" بهذه الطلبات، مشيرا إلى أنه ينوي التوجه إلى قورينا وأبولونيا في نهاية الصيف، ومؤكدا "رغبة اليونسكو في العودة بقوة" إلى ليبيا.
ويأمل عبد الكريم في أن تصبح العناية بالآثار أولوية في ليبيا المنقسمة بين سلطتين في الغرب والشرق.
ويرى أن "دعم الآثار ليس بأولوية لدى الحكومات" في ظل اعتماد البلاد على النفط، معتبرا أن السياحة والآثار تمثّل "اقتصادا مستداما وبديلا للنفط".
ويحلم أستاذ إدارة وحماية التراث الأثري في جامعة عمر المختار بإنشاء متحف بمستوى متحف اللوفر، بما يتيح لليبيا استعادة أكثر من 250 قطعة أثرية محفوظة في باريس وأكثر من 200 قطعة في المتحف البريطاني في لندن.
ويرى أن "القطع الأثرية الموجودة في ليبيا ليس من حقنا تخزينها، هي من حق العالم كله أن يشاهدها".