بيئة العمل السامة وساعات الدوام الطويلة.. كيف يتحول العمل إلى تهديد للحياة؟

الأمة برس
2026-06-23 | منذ 1 ساعة

بيئة العمل السامة وساعات الدوام الطويلة.. كيف يتحول العمل إلى تهديد للحياة؟ (الرجل)هل تعلم أنّ أكثر من 800 ألف إنسان يفقدون حياتهم سنويًا بسبب العمل؟ لا تتعجّب من هذا الرقم؛ إذ إنّنا نقضي نحو 90 ألف ساعة من أعمارنا في مكان العمل.

ورغم أنّنا نعمل لنحقّق ذواتنا ولنستمتع بالأمان المالي، فقد يكون العمل نفسه سببًا لفقدان الحياة؛ خصوصًا مع ضعف الأجور أو بيئة العمل السامة أو ساعات العمل الطويلة.

وقلوب الموظّفين هي أول ما يقع تحت طائلة ساعات العمل الطويلة؛ إذ إنّ أمراض القلب السبب الأول لوفاة الموظّفين حول العالم سنويًا، فهل فات الأوان أم لا يزال يمكِن تدارك الأمر وإنقاذ حياة الموظفين؟

تأثير العمل على الصحة

قد تترك بيئة العمل آثارًا سلبية على صحتك، فبيئة العمل السيئة قد تُبقِيك متوترًا باستمرار، وهذا التوتر مُؤدٍ أحيانًا إلى كثيرٍ من المشكلات الصحية، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب.

ومن بين أهم الأشياء المرتبطة بالعمل التي تترك بصمتها في صحتنا:

1. عبء العمل المفرط.. عندما تهيمن الوظيفة على عقلك وجسدك

لأعباء العمل الثقيلة أثرها، وهي أسرع طريق يقود الموظفين نحو الاحتراق النفسي، الذي لا يؤثّر سلبًا في الحالة النفسية فحسب، بل يمتدّ للتأثير في العمل ذاته والحياة الشخصية للمرء.

فالموظف الذي يعاني احتراقًا نفسيًا لا يستطيع تقديم أفضل ما لديه، وهذا لا يُحجّم فقط نموّه المهني، بل قد ينعكس أيضًا في انخفاض أرباح صاحب العمل أو الشركات، ولذا حريٌ بالشركات أن تخصّص ميزانية لمساعدة موظفيها على العناية بصحتهم النفسية.

ولكن ليست الصحة النفسية هي المتأثّرة فحسب، بل يمكِن أن يؤدي العمل الزائد إلى تأثيرات سلبية على الجسد، والتي تضمّ حسب "Cleveland Clinic":

العدوى وتكرّر الإصابة بالأمراض.

ضعف الجهاز المناعي.

ضبابية التفكير.

مشكلات القلب والأوعية الدموية، مثل خفقان القلب أو ارتفاع ضغط الدم.

اضطرابات النوم.

تغيّرات الوزن والشهية وعادات الأكل.

2. ضعف الأجور وبيئة العمل السامة

إنّ التوتر المستمر الناجم عن السعي إلى كسب مزيدٍ من المال يُنهِك الصحة النفسية بنهاية المطاف؛ إذ عندما يتقاضى الموظّفون أجورًا زهيدة ويعملون لساعات طويلة، فمن المُرجّح أن يعانوا الاكتئاب أو القلق.

 

كذلك ثمّة أسباب أخرى قد تترك الموظفين فريسةً للاكتئاب، مثل بيئة العمل السامة أو عدم التوازن بين الحياة الشخصية والعمل، أو انعدام الأمن الوظيفي.

 

وقد يرمي الاكتئاب سهامه في الموظّف، فيجعله غير قادر على اتخاذ القرارات أو إدارة وقته على النحو الأمثل، أو التفاعل الاجتماعي كما كان مُعتادًا مع من حوله، بما يترك أثرًا سلبيًا في بيئة العمل أيضًا.

الوظائف المرتبطة بارتفاع مستويات التوتر 

تضمّ المهن ذات أعلى مستويات التوتر حسب الجمعية الأمريكية للطب النفسي:

مهن دعم الرعاية الصحية.

وظائف إعداد الطعام والخدمة.

تنظيف وصيانة المباني والأراضي.

العناية الشخصية والخدمة.

المبيعات والمهن ذات الصلة.

 الوظائف التي تتطلّب أعلى قدرٍ من تحمّل التوتر:

محرّرو الأفلام والفيديو.

مساعدو أطباء التخدير.

القضاة.

جرّاحو المسالك البولية.

ممرضات الرعاية الحادة.

ممرضات الممارسات المتقدّمة للطب النفسي.

المشرفون من الخط الأول على العاملين في الخدمة الشخصية.

المشرفون من الخط الأول على عمّال مبيعات التجزئة.

ممرضات التخدير.

القابلات الممرضات.

هل يمكِن لوظيفتك أن تقتلك؟!

لا تكتفي أنماط العمل المعاصرة بتعزيز الاحتراق النفسي فحسب، بل قد تجعل الموظفين مرضى جسديًا، وربّما تؤدي إلى الوفاة.

وحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية عام 2026، يتوفى أكثر من 840 ألف شخص كل عام بسبب مشكلات صحية مرتبطة بمخاطر نفسية واجتماعية كبيرة في العمل، وتُقدِّر المنظمة أنّ العبء المشترك الناجم عن أمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات النفسية المرتبطة بهذه المخاطر في مكان العمل تعادِل خسارة قدرها 1.37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي كل سنة.

أمراض القلب السبب الأول للوفاة

تأتي الحصة الكبرى من حصيلة الوفيات من أمراض القلب والأوعية الدموية؛ إذ تعزو منظمة العمل الدولية 783,694 حالة وفاة إلى أمراض القلب والأوعية الدموية، مثل مرض القلب الإقفاري والسكتة الدماغية، مقارنةً بـ56,394 حالة وفاة مرتبطة بالاضطرابات النفسية، بما في ذلك الاكتئاب.

ولكن الاضطرابات النفسية مسؤولة عن الحصّة الكبرى من سنوات الحياة الصحية المفقودة، ما يُجلّي الطبيعة المزمنة للعديد من مشكلات الصحة النفسية.

وحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها "CDC"، فإنّ هناك عوامل مرتبطة بالعمل تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب، مثل:

العمل في وظيفة تتطلّب جهدًا كبيرًا ولكن المقابل لا يرقى للجهد المطلوب.

التنمّر أو العُنف.

انخفاض الدخل.

زيادة النشاط البدني.

التعرّض للغبار أو الدخان أو المواد الكيميائية، مثل التدخين السلبي والرصاص.

كذلك ثمّة عوامل أخرى قد تحدّد مدى احتمالية تعرّض الموظف لأمراض القلب، مثل الإصابة ب:

ارتفاع ضغط الدم.

ارتفاع نسبة السكر في الدم.

زيادة مستويات الكوليسترول في الدم.

السمنة.

عدم ممارسة الرياضة.

عدم التزام نظام غذائي صحي.

ساعات العمل الطويلة.. هل تكون على حساب عُمرك؟

يقول التقرير إنّ 35% من العمّال على مستوى العالم يعملون أكثر من 48 ساعة في الأسبوع، وغالبًا ما تعرّف أبحاث الصحة المهنية ساعات العمل الطويلة بأنّها 55 ساعة أو أكثر في الأسبوع.

وأشار التقرير إلى أنّ نحو 745 ألف حالة وفاة سنويًا سببها ساعات العمل الطويلة؛ إذ يرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى أمراض القلب الإقفارية (مثل النوبة القلبية) والسكتة الدماغية.

دور التنمر والمضايقات في مكان العمل

يُشكّل التنمر والمضايقة جانبًا قد نغفل عنه في الحالة الصحية للموظفين في مكان العمل؛ إذ تقدّر منظمة العمل الدولية أنّ 23% على الأقل من العمّال على مستوى العالم، تعرّضوا لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف أو التحرّش خلال حياتهم العملية، وكان العنف النفسي هو الشكل الأكثر شيوعًا بنسبة 18%.

كيف تحمي صحتك داخل بيئة العمل؟

لا يحمل إليك العمل راتبك الشهري فحسب، بل الأثر الكامن في بيئة العمل أو ساعاته أحيانًا أشدّ خطورةً عليك، ولا يمكِن تعويضه بأي مال، لذا إليك بعض النصائح للحفاظ على صحتك داخل بيئة العمل:

تدابير الوقاية من أمراض القلب

وفقًا للتقرير فإنّ أمراض القلب هي السبب الأول للوفاة بين العمّال سنويًا، لذا يمكن تقليل احتمالية الإصابة بأمراض القلب عن طريق:

1. تشجيع الحركة في العمل

يمكِن للشركات وأصحاب العمل تخصيص جزء من يوم العمل للحركة، مثل وقت الغداء، أو استخدام المكاتب الواقفة، أو حتى إتاحة فترات راحة قصيرة، كما يمكِن تعليق ملصقات مرئية على الحائط توضح بعض التمارين الخفيفة لمساعدة الموظفين على الحركة كُلّما أمكن، وكلّ ذلك لا يعطّل الإنتاجية في مكان العمل.

2. إدراج وجبات خفيفة صحية للقلب

أيضًا يمكِن لأماكن العمل توفير وجبات خفيفة صحية في آلات البيع، أو تنظيم ورش عمل للطهي الصحي، أو التعاون مع البائعين المحليين لتوفير وجبات صحية للقلب، بدلًا من الوجبات السريعة غير الصحية.

3. الحد من ضغوط بيئة العمل 

ضغوط العمل هي المحرّك الخفي الذي قد يجعل الموظفين فريسة للأمراض القلبية، لذا يجب الحرص على أن تكون صحة الموظفين النفسية أولوية، وذلك من خلال:

مراجعة احتياجات الموظفين وتنفيذ التغييرات الممكنة لتلبية متطلّبات العمل بشكلٍ أفضل.

تنفيذ خيارات أو سياسات جدولة مرنة، مثل العمل الهجين.

السماح للموظفين بتحكّم أكبر في أوقات عملهم ومهامهم، ويمكن إشراكهم في تنظيم العمل.

تقليل ساعات العمل الإضافية للموظفين عندما يكون ذلك ممكنًا، وإذا لم يكُن ممكنًا، فيجب إبقاء خط الاتصال مفتوحًا مع الموظفين؛ كي يروا أنّ رفاهيتهم أولوية.

توفير موارد إدارة التوتر، مثل ورش عمل مُتخصّصة في دعم الصحة النفسية والتوعية بكيفية العناية بها.

4. المراقبة الصحية الدورية 

أيضًا قد يُنصح بتوفير فحوصات صحية منتظمة للموظفين في بيئة العمل، مثل فحوصات ضغط الدم والكوليسترول؛ إذ قد يُظهِر الكشف المبكر عوامل الخطر مبكرًا، ما يجعل التعامل مع أمراض القلب إن حدثت أسهل.

6. منع التدخين في بيئة العمل

التدخين من العوامل التي قد تزيد خطر الإصابة بأمراض القلب، لذا ينبغي الحرص على منع التدخين في أماكن العمل وتنفيذ السياسات المطلوبة لذلك، وتوفير الموارد اللازمة لمساعدة الموظفين على الإقلاع عن التدخين إن أمكن.

كيفية الحد من أضرار ساعات العمل الطويلة

أحيانًا لا يكون هناك مفرّ من ساعات العمل الطويلة، لذا فإنّ النصائح الآتية مُخصّصة للموظّف الذي يواجِه تلك الساعات وحده:

خُذ فترات راحة بين ساعات عملك، فهذا يساعد على تقليل توترك وشحن طاقتك من جديد، ولا بأس بقيلولة أو تمديد عضلاتك، خصوصًا إذا كُنت تجلس على مكتب للعمل.

خُذ إجازة طويلة لمدة أسبوع مثلًا إن أمكن لقضاء عطلة في مكان يعِيد شحن عقلك وجسدك، فتتمكّن من التعامل لاحقًا مع ساعات العمل الطويلة بأفضل صورةٍ ممكنة.

أنشِئ جدول عمل مع التأكّد من إدراج فترات راحة فيه، والأهم تحديد متى تبدأ عملك تحديدًا ومتى تُنهِيه.

تجنّب ما يُشتِّتك عن عملك، فهذا سيقلّل الوقت اللازم لإتمام عملك، مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الدردشة مع الزملاء، واقصر التواصل الشخصي على أوقات فراغك، أو أغلق باب مكتبك لتقليل الضوضاء التي تُشتّتك عن عملك.

قلّل تناول الكافيين؛ نعم قد يعطيك دفعة من الطاقة مع اقتراب نهاية ساعات العمل، ولكن الإفراط في تناوله غير صحي، وبدلًا من ذلك اعتمد على وجبات خفيفة صحية ومشروبات أخرى معزّزة للطاقة، مثل الموز، أو الزبادي والجرانولا، أو العصائر.

الصرامة في التعامل مع التنمّر والمضايقات

يتعرّض نحو 23% من العمال على مستوى العالم إلى التنمّر والمضايقات، لذا قد تساعد التوصيات الآتية على تقليل تلك النسبة والحفاظ على بيئة عمل صحية:

تعزيز قِيم الشركة التي تعزّز السلوك المحترم والتواصل، وتوضيح السلوكات غير المسموحة، بما يجعل بيئة العمل آمنة للموظفين.

أن يكون المديرون قدوة للموظفين؛ إذ إنّ سلوك القادة يرسِل رسالة واضحة للموظفين بأنّ الشركة جادّة في منع التنمّر في مكان العمل.

تشجيع الإبلاغ عن حالات التنمر في بيئة العمل، لسُرعة التعامل معها، والحد من التنمر والمضايقات في أماكن العمل.

ختامًا، لا تلبّي الوظيفة مطالبنا الماديّة واحتياجاتنا النفسية من تحقيق الذات فحسب، بل قد تحمل في طيّاتها أخطارًا خفية؛ على رأسها أمراض القلب التي تعدّ السبب الأول لوفاة الموظفين سنويًا، ولذا ينبغي للشركات وأصحاب العمل أن يهتموا بتوفير بيئة عمل تحفظ صحة القلب وتقلّل الضغوط الواقعة على الموظفين قدر الإمكان.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي