ذاك الجحيم الخاص لا يُحتمل من أحد

2026-01-28

حسن داوود*


لا أذكر أن الرواية*، في مكان ما منها، قد ذكرت اسم راويتها. في البداية عزوت ذلك إلى نسياني له، إذ يصعب أن يكون على هذا القدر من الحضور، كونه الراوية والبطل، وهو بلا إسم. لكن، بعد إعادة تقليب الصفحات، وجدت أن ذلك ممكن ما دام أنه لم يترك الكلام لسواه أبدا. لم ينادِ عليه أحد، ولم يصفه أحد كيف هو شكله مثلا، ولم يُذكر حضوره على لسان أحد. ليس إلا هو من يتكلّم ساردا حياة المرأة، والدته، من دون توقّف. هناك والده أيضا، رجل البيت وطاغيته، وهناك شقيقته أيضا، التي حيّدت نفسها منذ صغرها عن حياة العائلة ومشكلاتها العميقة، فكانت كما لو أنها لم تشهد ولم ترَ.
الأم هي التي استدعت كتابة الرواية، ذاك أن الأب كان يمكن لمثله أن يكون حاضرا في الكثير من العلاقات الزوجية، كان الآمر في بيته والمراقب لكيف يجري تنفيذ ما يقرّه. من ذلك مثلا، وهذا واحد من الأمثلة التي أفاض الكاتب – الراوي في تفصيل وقائعها، هو مراقبة الهاتف، بعد أن أمكن أن يُضاف إلى ما يحتويه البيت من أثاث. لقد أدرك ذاك الأب كيف يمكن لهذه الوسيلة إلى الانفتاح أن تكون سبيلا إضافيّا للإسكات والمبالغة في الاحتجاز. كانت الأم، زوجته، في حال أفضل حين كان عليها أن تقطع تلك المسافة لتحاكي أمها عبر الهاتف العمومي، رغم أنها كانت هناك ظاهرة لكل عابر، حيث لا تحجبها جدران الحجرة الزجاجية. ذاك أن مجرّد خروجها لإجراء تلك المكالمة الأسبوعية كان محرّرا لها من الخضوع لسلطة زوجها، سواء كان حاضرا في البيت ينتظرها، أو كان خارجه.

الهاتف المنزلي حرم الأم من وقت التحرّر القليل وأخضع علاقتها بأمها إلى رقابة تساعد في إحكامها فاتورة الاستعمال، التي تأتيه كل شهر. وكان ما يساعد في تحرير الأم جلوسُها، بعد إنجاز عملها كله، ثم إمساكها بقلم الرصاص وبدؤها بحل الكلمات المتقاطعة، وهذه تسلية لن تدوم لها على كل حال. كلما انفتح لها منفذ يسارع هو إلى سدّه. حتى الجارات عمل على قطع زيارتهنّ لها، ولن تتوقّف إجراءاته لعزلها عند حدّ، بل إنها، هي نفسها، صارت تتفادى القيام بما تفترض أنه يحنقه ويثير حفيظته. وهذا ما جعلها سجينة وحارسة لسجنها في الوقت نفسه.
الرواية الجارية على لسان ابنها تدور أساسا على التحوّلات التي تمعن في تغييبها عن حياتها، ليس فقط تلك التغيرات الحاصلة في السلوك، بل أيضا ما يجري في داخل الرأس والجسد. ما يحدث وما لا يحدث يجري تأويله في سرد الابن لحياة أمّه والذهاب به إلى أقصى ما يمكن لتلك التحوّلات بلوغه، مع العلم أن ما لا يحدث هو الأطغى، لانشغال الرواية بالتركيز على الآثار غير المرئية للتحولات الجارية على الأم. هو سرد يكاد يكون مقتصرا على ما صامتا في إليه الأم. فالوقائع قليلة إلى حد أن تتوالى صفحات كثيرة من دون أن تأتي الرواية على واقعة أو حادثة فيها. وهذا ما أدّى إلى الانتباه لأدنى تغيّر في المظهرـ أو في السوك يلاحظ فيها. وقد تابع الكاتب كل متغيّر، مهما صغر، جاعلا إياه كل جسم الرواية وبنيانها. كان يمزج الملاحظة الدقيقة بعلم النفس التحليلي والأدب، مولّدا من ذلك الدهشة المرافقة للدقّة.

وإذ يحكي عن مقاومة الأم، وذلك هو تجلّيها الوحيد، نقرأ سعيها إلى أن يكون الضرّب الذي ينهال عليها من زوجها، وتحطيم أثاث البيت بالترافق مع ذلك، مبرحا وقويا إلى حدّ أن يشعر هو بضرورة أن تطول فترة طلبه للغفران. وهو لا ينطق بكلمة اعتذار لينال ذلك، بل إن الكاتب، في وصف حاله كيف يكون، يجد معاني أخرى للصمت والعزلة، مختلفة عن تلك التي توصّل إليها في حالات الأم. لم تقدّم الأم شكوى لمركز الشرطة، الذي شاهد رجلان من رجالها ما حلّ بالبيت بعد فوران غضبه، وكذلك الجروح على رأس الأم ووجهها وأنحاء من جسدها. اكتفت الأم من ذلك باللجوء إلى بيت أمها، ليومين فقط عادت من بعدهما إلى محبسها الزوجي.
الأخ الراوي الذي يتهم شقيقته بالتنصّل والانسحاب مما يسمّيه الجحيم البيتي، سيغادر مجربا حياته في مدينة أخرى. لقد قطع صلاته مع ذلك الماضي تاركا التآكل يجري على أمه وأبيه وحدهما. كانت قد مرّت سنوات عشر على ابتعاده حين أعاد الاتصال بهما، ليقول إنه تزوّج وأنجب وأنه قد لا يقوم بزيارتهما. كانت الرواية قد انتهت قبل هذه الرسالة الختامية، بانتقال الرواية من متابعة تفاصيل الحياة الشاقة للأم إلى اشتراكه فيها، بطلا بعد أن كان في موقع الراوية فحسب، ربما يعود ذلك إلى ابتعاد الكاتبة عن موضوعها الأساسي الذي كان الداعي إليها.


*رواية أندريا باياني نقلها عن الإيطالية نجم بوفاضل لدار الساقي في 159 صفحة لسنة 2026
*كاتب لبناني












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي