بعض مفاتيح الكتابة عند هاروكي موراكامي ..أول ما ينبغي على الروائي الطموح فعله هو القراءة بكثافةٍ.

مجلة ''إبداع'' المصرية
2026-04-28

 الروائي الياباني ''هاروكي موراكامي''
هاروكي موراكامي - ترجمة سارة حامد حواس*

 

أعلم أن هذه ملاحظة مكررة، لكن لا وجود لتدريب أهم منها. لكي تكتب رواية، عليك أولًا أن تفهم، من الناحية الحسيَّة، كيف تُبنى الرواية من الداخل. ومن المهم إلى حد كبير أن تلتهم أكبر عدد ممكن من الروايات وأنت في سن مبكِّرة. اقرأ كل ما يقع بين يديك من روائع أدبية، وأعمال عادية، بل وحتى روايات رديئة. لا يهم مستوى الجودة طالما أنك تواصل القراءة. اشبع نفسك بالقصص قدر ما تستطيع. تعرَّف إلى الكتابة العظيمة والمتواضعة أيضًا. فهذه هي مهمتك الأهم.
اجعل الكلمات القديمة جديدة مرَّةً أُخرى
ثيلونيوس مونك هو أحد عازفي البيانو المفضلين لديَّ على الإطلاق. سأله أحدهم مرَّة كيف يستطيع أن يستخرج من البيانو ذلك الصوت الفريد، فأشار مونك إلى لوحة المفاتيح وقال: "لا يوجد هناك نغمة جديدة. فكل النغمات موجودة أمامك أصلًا. لكن إن عزفت نغمة وأنت تعنيها بحقٍ، ستبدو مختلفة. فعليك أن تختار النغمات التي تعنيها فعلًا "
أستعيدُ هذه الكلمات كثيرًا حين أكتب، وأقول لنفسي: "صحيح، لا توجد كلمات جديدة. ولكن مهمتنا أن نمنح الكلمات العادية تمامًا معاني جديدة ونبرات خاصة." هذه الفكرة تبعثُ في نفسي الطمأنينة؛ لأن ذلك يعني أن أمامنا مساحات شاسعة لم تُكتشف بعد، وأراضي خصبة تنتظرُ من يحرثها.


اشرح نفسك بوضوحٍ


حين أكتب، تتشكَّل في ذهني صور، وأربط مشهدا بآخر، فتتكوَّن الحبكة، ثم أشرح هذه الحبكة للقارئ بعد ذلك. وحين تشرح شيئًا ما، يجب أن تكون لطيفًا. أن تفكر بهذه الطريقة ''لا بأس، أنا أعرف ذلك" نوع من الغرور. استخدم كلمات بسيطة واستعارات جيدة وتشبيهات بليغة، وهذا ما أفعله، أشرح بدقةٍ ووضوحٍ.
شارك أحلامك
الحلم هو العمل اليومي للروائيين، لكن مشاركتنا لأحلامنا هي المَهمَّة الأكثر أهمية. فلا يمكن أن نكون روائيين من دون أن نتقاسم شيئًا مع الآخرين.


اكتب لتكتشف
أنا نفسي، حين أكتب، لا أعرف من الفاعل. فالقارئ وأنا نقف على الأرضية نفسها. عندما أبدأ كتابة رواية ، لا أعرف نهايتها إطلاقًا، ولا أعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك. وإن ظهرت جريمة قتل في أول السطر، فأنا لا أعرف من القاتل. أنا أكتب الكتاب لأنني أريد أن أكتشف ذلك. فإذا كنت أعرف القاتل مسبقًا، فلا معنى لكتابة الرواية من الأساس.


ادَّخر ما ستضعه في روايتك
أتذكَّر ذلك المشهد في فيلم ستيفن سبيلبرج "إي تي" حين كان يصنع إي تي جهاز إرسال من أنواعٍ مختلفة من الخردة التي أخرجها من الجراج الخاص به، مظلة، ومصباح أرضي، وقدور ومقالي، وجهاز تشغيل أسطوانات. لقد مرَّ وقت طويل منذ شاهدت الفيلم، لذا لا أتذكَّر كل شيءٍ، لكنه نجح في جمع تلك الأدوات المنزلية معًا بطريقةٍ تجعل تلك الآلة قادرة على التواصل مع كوكبه البعيد على بعد آلاف السنين الضوئية. أحببت ذلك المشهد كثيرًا حين رأيته في صالة السينما، وأدرك الآن أن صنع رواية جيدة يشبه الأمر نفسه إلى حدٍّ بعيد. فالعبرة ليست في جودة المواد، بل في السِّحر. وإن وُجد هذا السحر، تستطيع أبسط تفاصيل الحياة اليومية وأكثر الكلمات عاديةً أن تتحوَّل إلى جهازٍ بالغ التعقيد.
لكن قبل كل شيءٍ، يتعلَّقُ الأمر بما تخبئه في الجراج الخاص بك. فلا يمكن للسحر أن يعمل إذا كان الجراج فارغًا. لذا عليك أن تكدِّس الكثير من الخردة لتستخدمها حين يطرق إي تي بابك.


ركِّز على شيءٍ واحد في كل مرة.
وإذا سُئلت عن ثاني أهم صفة يجب أن تتوفِّر لدى الروائي، فالإجابة سهلة أيضًا، ''التركيز''، أي القدرة على حشد ما لديك من مواهب محدودة في خدمة ما هو جوهري في اللحظة الراهنة. ومن دون هذه القدرة لن تنجز شيئًا ذا قيمة، بينما إذا استطعت أن تركِّز جيدًا فستتمكن من التعويض عن موهبةٍ متقلِّبةٍ أو حتى عن نقصٍ فيها. وحتى الروائي الموهوب، المليء بالأفكار الجديدة العظيمة، قد يعجز عن كتابة أي شيءٍ إذا كان، على سبيل المثال، يعاني ألمًا شديدًا بسبب ضرسٍ يؤلمه.
عندما أبدأ في كتابة رواية جديدة ، أستيقظ في الرابعة صباحًا وأعمل من خمس إلى ست ساعات، وفي فترة بعد الظهر، أركض لمسافة عشرة كيلومترات أو أسبح لمسافة ألف وخمسمائة متر (أو أفعل كليهما)، ثم أقرأ قليلًا وأستمع إلى بعض الموسيقى، وأذهب إلى الفراش في التاسعة مساءً.
ألتزم بهذا الروتين يوميًا من دون أي تغيير، حتى يصبح التكرار نفسه هو الشيء المهم.
إنه شكل من أشكال التنويم المغناطيسي؛ أنوِّم نفسي مغناطيسيًّا لأصل إلى حالة ذهنية أعمق، ولكن الالتزام بمثل هذا التكرار لفترةٍ طويلةٍ يتطلب قدرًا كبيرًا من القوة العقلية والجسدية؛ لذا فإن كتابة رواية طويلة تشبه تدريبًا على البقاء على قيد الحياة؛ فالقوة البدنية ضرورية كما الحساسية الفنية.
على الرغم من أنَّني أكتب المقالات والأعمال الأدبية معًا، فإنني، ما لم تفرض الظروف غير ذلك، أتجنَّبُ العمل على أي شيءٍ آخر عندما أكون منغمسًا في كتابة رواية. بالطبع لا يوجد ما يمنع من استخدام المادة نفسها في مقالٍ أو قصةٍ، لكنني وجدت أن هذا التداخل يُضعف عملي الروائي بشكلٍ ما.


نمِّ القدرة على التحمل.
بعد التركيز، تأتي القدرة على التحمُّل في المرتبة الأهم لأي روائيٍّ. فإذا كنت تكتب ثلاث أو أربع ساعات يوميًا وتشعر بالإرهاق بعد أسبوعٍ، فلن تتمكَّن من إنجاز عملٍ طويلٍ. ما يحتاجه كاتب الرواية، لا سيما من ينوي كتابة عمل ممتد، القدرة على الحفاظ على تركيزه يومًا بعد يومٍ، لستة أشهر، أو لعامٍ، أو عامين. فالأمر يشبه التنفس.


جرِّب اللغة.
من حق كل كاتبٍ أن يُجرِّب ما تتيحه اللغة من إمكانات بكل الطرق التي تخطر بباله؛ فمن دون هذه الرُّوح المُغامرة، لا يمكن لشيءٍ جديدٍ أن يرى النور.


امتلك الثقة.
أهم ما يحتاجه الكاتب الثقة. عليك أن تؤمن بأنَّك قادر على سرد الحكاية، والوصول إلى النَّبع الخفيِّ لها، وأيضًا على جعل أجزاء الصورة تتكامل معًا. فمن دون هذه الثقة، لن تصل إلى أي مكانٍ. الأمر يشبه الملاكمة، ما إن تصعد إلى الحلبة حتى لا يعود بإمكانك التراجع، ومن ثم عليك أن تواصل القتال حتى النهاية.


اكتب مُنحازًا إلى جانب البيضة.
هذا مبدأ أحتفظ به دائمًا في ذهني أثناء كتابة الرواية. لم يحدث أن كتبته على ورقة ولصقته على الجدار، بل هو منقوش على جدار ذهني. هذا المبدأ يقول:
“بين جدارٍ عالٍ صلبٍ وبيضةٍ تتحطم عليه، سأقف دائمًا إلى جانب البيضة.”
نعم، مهما بدا الجدار على صوابٍ والبيضة على خطأٍ، سأقف مع البيضة. وشخص آخر هو من سيحسم ما الصواب وما الخطأ؛ ربما الزمن أو التاريخ هو من سيتولَّى ذلك. ولو وُجد روائي، لأي سببٍ كان، يكتب من موقع الجدار، فما قيمة أعماله إذن؟


راقب عالمك.
تأمَّل ما تراه من حولك. لكن تذكَّر أن التأمُّل لا يعني المسارعة لتحديد الصواب والخطأ، أو تقييم ما تراه ومن تراه. حاول بوعيٍّ أن تتجنَّب إطلاق الأحكام، وألا تتعجَّل النتائج. فالمهم ليس الوصول إلى استنتاجاتٍ واضحةٍ، بل الاحتفاظ بالتفاصيل الدقيقة لمشهدٍ معيَّن. أسعى إلى الاحتفاظ بصورةٍ متكاملةٍ قدر الإمكان عن المشهد الذي شاهدته، أو الشخص الذي التقيته، أو التجربة التي مررت بها، باعتبارها “عينة” فريدة، أي حالة اختبار يمكن الرجوع إليها لاحقًا حين تهدأ مشاعري ويخفُّ التوتر، وبعد ذلك أعاينها من زوايا مختلفة. وعندما يحين الوقت المناسب، يمكنني أن أستخلص حُكمي الخاص.


حاول ألَّا تؤذي أحدًا
عندما أكتب، أُحاول دائمًا الأخذ في الاعتبار، ألَّا أدع القلم يصبح ''قويًا أكثر مما ينبغي''. أختار الكلمات التي تسبِّب أقل قدر ممكن من الأذى للناس، لكن ذلك صعب أيضًا. فمهما كتبت، هناك دائمًا احتمال أن يتأذَّى أحد أو يشعر بالإساءة. لذلك أبذلُ جهدي دائمًا لأكتب ما لا يجرح أحدًا. وهذه قاعدة أخلاقية ينبغي لكل كاتبٍ أن يتبعها.


خذ قُرَّاءك في رحلةٍ
أثناء كتابة روايتي ''مطاردة الخراف البرِّية''، تولَّد لديَّ شعور قوي بأنَّ الحكاية، أو القصة ذات الطابع الأسطوري، ليست شيئًا نخلقه، بل شيء نُخرجه من داخلنا، فالحكاية موجودة هناك أصلًا. ولا يمكنك صنعها، بل يمكنك فقط إخراجها. هذا صحيح بالنسبة إليَّ على الأقل، إنَّها عفويَّة الحكاية. فهي بالنسبة إليَّ مركبة تنقلُ القارئ إلى مكانٍ ما. فمهما كانت المعلومات التي تريد إيصالها، أو المشاعر التي ترغب في فتح بابها داخل القارئ، فإن أول ما عليك فعله هو أن تدخله إلى هذه المركبة. وأن تكون هذه المركبة، أي الحكاية، ذات قدرة على إقناع الناس. وهذه هي الشروط التي يجب أن تحققها الرواية، قبل كل شيءٍ.


اكتب لتكشف جوهر الإنسان.
ليس لديَّ سبب واحد لكتابة الروايات سوى أن أُبرز كرامة الروح الفردية وأسلِّطُ الضوء عليها. فغاية الحكاية هي دقُّ ناقوس الخطر، والإبقاء على الضوء مُركزةً على النظام كي لا تنسج خيوطها حول أرواحنا ويشوهها. فأنا أؤمن تمامًا بأن مهمة الروائي هي أن يواصل، من دون كللٍ، وأن يوضِّحُ فرادة كل روحٍ بشرية من خلال الحكايات، حكايات عن الحياة والموت، والحب، تهزُّ الناس بالبكاء والخوف والضحك. لهذا نواصل، اختراع عوالم متخيَّلة يومًا بعد يومٍ بكل جدِّيةٍ.


مهما يكن، البداية تقوم على الموهبة.
يسألني الناس، في كل مقابلةٍ، عن أهم صفة يجب أن يتحلَّى بها الروائي. والإجابة واضحة، الموهبة. فمهما بلغت حماستك أو بذلت من جهدٍ، إذا كنت تفتقر تمامًا إلى الموهبة الأدبية، فلن تكون روائيًا. إنها شرطٌ أساسيٌّ أكثر منها مهارة إضافية. إذا لم يكن هناك وقود، فلن يتحرك أفضلُ محرِّك. فالكتابة تشبه محاولة إغواء امرأة، فكثير منها يعتمد على الممارسة، لكنها في جوهرها قدرة فطرية.
الكُتَّاب الموهوبون بالفطرة يستطيعون الكتابة بسهولةٍ كيفما كان الأمر، حتى لو لم يفعلوا شيئًا. فالجمل تتدفَّق منهم كما تتفجَّر المياه من نبعٍ طبيعيٍّ، وبقليلٍ من الجهد يمكنهم إتمام عمل كامل، وللأسف، أنا لستُ واحدًا من هؤلاء. لذلك أضطَّر إلى الطرق على الصخر بإزميلٍ وحفر حفرة عميقة كي أجد منبع إبداعي. وكلما بدأت رواية جديدة، أحفر حفرة جديدة. كما أن ممارستي لهذا النمط من الحياة لسنواتٍ طويلة جعلتني أكثر كفاءةً، تقنيًا وبدنيًا، في فتح تلك الحفر داخل الصخر والبحث عن ينابيع جديدة. وما إن أشعر بأن أحد المصادر بدأ يجفُّ، أنتقل إلى آخر. أما أولئك الذين يعتمدون على نبعٍ واحد من الموهبة الفطرية، فإذا ما جف نبعهم فجأةً، يصبحون في ورطةٍ حقيقية.
بمعنى آخر، لنعترف بالأمر، الحياة في جوهرها غير عادلةٍ. لكن حتى في ظل هذا الظلم، أظن أنه من الممكن إيجاد قدر من العدالة.
في مراسلاته الخاصة اعترف كاتب الغموض الشهير ريموند تشاندلر بأنه، حتى في الأيام التي لا يكتب فيها شيئًا، كان يحرص دائمًا على التركيز والجلوس إلى مكتبه، وأنا أفهم تمامًا لماذا كان يفعل ذلك. فبهذه الطريقة، فكان يمنح نفسه القدرة الجسدية التي يحتاجها أي كاتبٍ محترف، ويقوِّي إرادته بهدوءٍ. كان هذا النوع من التدريب اليومي بالنسبة إليه أمرًا لا غنى عنه.
أما أنا، فقد تعلَّمت معظم ما أعرفه عن الكتابة من خلال الركض يوميًّا. إنها دروس عملية وجسدية، إلى أي حدٍّ يمكنني أن أدفع نفسي؟ ما مقدار الراحة المناسبة، ومتى تصبح مفرطة؟ إلى أي مدى يمكن أن أذهب مع شيءٍ ما مع الحفاظ على جودته وثباته؟ ومتى يتحول ذلك إلى ضيق أفقٍ وانغلاقٍ؟ كم يجب أن أنفتح على العالم من حولي، وكم ينبغي أن ألتفت إلى عالمي الداخلي؟ إلى أي حدٍّ أحتاج إلى الثقة بقدرتي، ومتى يجب أن أبدأ بالتشكيك فيها؟ أعلم أنني لو لم أصبح عدَّاء مسافات طويلة عندما بدأت أكتب الروايات، لكان عملي مختلفًا تمامًا. مختلفًا إلى أي درجة؟ من الصعب تحديد ذلك، لكن المؤكد أن شيئًا ما كان سيتغيَّر من دون شكٍّ.
شخصيات المتكلِّم في رواياتي ليست “أنا” بالمعنى الدقيق، بل هي ذلك ال“أنا” الذي كان يمكن أن أكونه. من المثير تتبُّع تلك الاحتمالات، فليس لدينا الكثير من الفرص كي نصبح شخصًا آخر غير أنفسنا.
كل واحد من الكُتَّاب الإنجليز الذين ترجمت أعمالهم إلى اليابانية، سالينجر وفيتزجيرالد وتشاندلر وكارفر وكابوتي، ترك أثره عليَّ بطريقةٍ ما. أنا مشدودٌ للغاية إلى الأسلوب الجذاب لكلٍّ من فيتزجيرالد وكابوتي رغم أنه يختلف تمامًا عن أسلوبي. أما عن المستوى الشخصي، فأنا شديد الولع بأسلوب تشاندلر.
أعتقد أن الكُتَّاب الشباب هذه الأيام تخلُّوا عن الأفكار المتكلِّفة حول “ما الذي يجب أن يكون عليه الأدب”، وصاروا يكتبون بمرونةٍ وانفتاحٍ أكبر، وهذا شيءٌ يسعدني للغاية. أما بالنسبة إليَّ، فأنا أواصل عملي بطريقتي الخاصة، ولا في استطاعتي أن أقول ما طبيعة علاقتي بهذه التحولات في المشهد الأدبي.
يبدو أن عدد قُرَّائي، داخل اليابان وخارجها، في تزايد مُستمر، وكثيرًا ما تفاجئني تلك الأرقام. ففي لاوس أوقفني قارئ تايلندي ليلقي التحية، وفي دريسدن كان قارئًا من ألبانيا، وفي طوكيو قارئ من إندونيسيا. كثيرًا ما أشعر كأنني لست أنا، بل تحوَّلت إلى شخصيةٍ متخيَّلة.
ومع ذلك، لم يجعلني هذا أن أجد كتابة الروايات أسهل أو أصعب. أنا فقط ممتنٌّ لأن عددًا لم أتوقعه يومًا يقرأ كتبي. فليس كل أحدٍ يحظى بهذه النعمة.
تعرضت كتبي للكثير من النقد على مرِّ السنين لدرجة أنني لا أتذكر السياق تحديدًا. كما أنَّني لا أعطي تلك الانتقادات اهتمامًا كبيرًا. مييكو صديقةٌ مقرَّبةٌ وامرأةٌ شديدة الذكاء، لذا أنا متأكد أن ما قالته كان في مكانه. لكن بصراحة، لا أتذكَّر تمامًا ما الذي انتقدته. وبالمناسبة، قُرَّائي منقسمون تقريبًا بالتساوي بين الرجال والنساء، وهذا يسعدني كثيرًا.
أرى نفسي شخصًا عاديًا، وفي الوقت نفسه غير عاديٍّ إطلاقًا. المشكلة أنني لا أعرف أيهما الحقيقي. أنظرُ أحيانًا إلى المرآة فأرى شخصًا غريبًا، وبعد لحظةٍ أرى شخصًا طبيعيًا، وهذا أمرٌ مُخيفٌ بالفعل.
عندما أكتب، أؤمن بأن هناك من يمكنه أن يفهم مشاعري، ومن يمكنه أن يعيش ما أعيشه، وهذا ما أسميه التعاطف. عندما كنت أدير "نادي الجاز"، كان يدخل إليه زبائن مختلفون، وربما ثمانية من كل عشرةٍ لم يعجبهم المكان. لكن اثنين منهم أحبَّاه، وكانا يعودان، وبفضل هؤلاء استمرَّ النادي. يريدُ البعض أن ينال إعجاب عشرة من عشرة. أما أنا فأرى أن اثنين كافيان. يكفيني شعور أنَّ هناك شخصًا ما سيلتقط ما أشعرُ به. أحيانًا الحياة تكون شديدة الوحدة، كأنَّك تقذفُ حجرًا في عتمةٍ لا نهاية لها. قد يرتطم بشيءٍ، لكنك لن ترى ما هو. كل ما يمكنك فعله هو أن تخمِّن، وأن تؤمن. وعليك أن تعتاد ذلك، وأن تعتاد العيش في عزلة.
وهذا ينعكسُ في عزلة شخصياتي وشعورهم بالاغتراب، لكنهم يبحثون دائمًا عن تواصلٍ ما في الوقت نفسه. في ''مطاردة الخروف البري''، البطل وحيدٌ ومعزولٌ. فقد تركته زوجته، وبقي وحيدًا. هو لا يبحث عن شيءٍ، هو وحيدٌ فقط. لكن في ''رقص رقص رقص''، يبدأ في البحث عن التواصل مع الجميع تقريبًا، والشخصيات هناك أكثر انفتاحًا وتفاؤلًا.
كان يحدث ذلك لأن هذا ما كنت أشعر به في تلك الفترة. فأنا أكتبُ الكتب لأغيِّر من نفسي. كتابة الرواية بالنسبة إليَّ تجربة. وعندما أنتهي من كتابٍ، أكون قد تغيَّرت فعلًا. أنا لا أكتب لكسب الرزق، بل لأنني أريد أن أصبح شخصًا جديدًا.
لا أعرف لماذا وصلت روايتي ''غابة النرويج'' إلى ملايين القُرَّاء، فالرواية مكتوبة بأسلوبٍ تقليديٍّ وواقعيٍّ، ولا يحدث فيها شيء غريب. إنها قصة بسيطة وواضحة. ولأكن صريحًا، لا يهمني إن كان عدد القُرَّاء بالملايين أو بالمئات. لكن بعد نشر ''غابة النرويج'' اضطررت لمغادرة اليابان لأن حياتي أصبحت شديدة الاضطراب.
في مجموعتي القصصية "اختفاء الفيل"، توجد قصة بعنوان "الهجوم الثاني على المخبز"، عن زوجين شابين يهاجمان مطعم ماكدونالدز ليسدا جوعهما، وهما يحملان بندقية صيد. أحد القُرَّاء الأميركيين قال لي إن هذا شيءٌ ليس غريبا هنا، لكن في اليابان أمر شديد الغرابة. فلا أحد هناك يحمل بندقية صيد، ولا أحد يهاجم ماكدونالدز. إنها قصة غريبة في اليابان، لكنها هنا ليست غريبة.
لا أقرأ النُقَّاد كثيرًا، لكن هناك من يحبني لأنني "مغترب" ولأنني هربت من اليابان. لكن بعد مجيئي إلى هذا البلد بدأت أفكِّر في وطني أكثر. فاليابان بلدٌ شديد التميز بالنسبة إليَّ، وأهتم بأن أستكشف معنى ذلك، ''ما هي اليابان؟ وما معنى أن أكون يابانيًا؟"
كل ما أردته هو مكانٌ مثاليٌّ للكتابة. عشت في روما واليونان، لكنني لم أشعر بالارتياح هناك. أحبُّ إيطاليا واليونان، لكن اليونان لليونانيين وإيطاليا للإيطاليين، فكنت هناك مجرد غريب. لكن هنا، في هذا البلد، الغرباء قليلون، والجميع من أماكن مختلفة. لذلك أشعر هنا براحةٍ كبيرة، ولهذا أبقى في الولايات المتحدة الأمريكية. فالمكان مريح بالنسبة إليَّ، ومع ذلك أفكِّر في اليابان طوال الوقت وأنا هنا. يسألني الجميع متى سأكتب كتبي بالإنجليزية، وهذا مستحيلٌ.
لا أحب تحليل عالمي الداخلي. فأنا أعتبره رصيدًا لا أحتاج إلى تفسيره. قد يبدو هذا غريبًا، لكنني لا أحلم كثيرًا، أو على الأقل لا أتذكَّر أحلامي، لكن يمكنني أن أصنعها.
لقد نشرت في اليابان عددًا لا بأس به من كتب المقالات وكتب الرحلات، لكنني لا أرى فائدة من إصدار ترجمات لها في الخارج كما أفعل مع الروايات. أغلب هذه الكتب خفيفة الطابع وموجهة للمتعة، باستثناء كتاب ''تحت الأرض'' الذي يحمل موضوعًا واسعًا ومركزيًا. تتناول هذه الكتب شؤونًا يومية ومحلية، وتعتمد كثيرًا على اللعب اللغوي، ولهذا أظن أن القارئ الأجنبي سيجد صعوبة في متابعة الكثير مما ورد فيها. ما يمكنني قوله هو أن أفضل ما أقدمه ككاتبٍ موجود في رواياتي.
عندما أكتب رواية، أستحضر كل ما في داخلي من معلومات. قد تكون هذه المعلومات يابانية، أو غربية؛ ولا أحاول التمييز بين الاثنين. ولا أستطيع أن أتخيَّل تمامًا كيف سيتلقَّى القُرَّاء الأمريكيون ذلك، لكنني أعتقد أنه في الرواية، إذا كانت الحكاية جذَّابة، فلن يكون مهمًّا أن يلتقط القارئ كل التفاصيل. أنا نفسي لست متمكنًا من جغرافيا لندن في القرن التاسع عشر، ومع ذلك أستمتع بقراءة ديكنز.
وبالنسبة للترجمة، بما أنني كاتب تُقرأ أعماله مترجمة، فسأتحدَّث قليلًا عمَّا يجعل الترجمة جيدة. لقد ترجمت الكثير من الأدب الأمريكي إلى اليابانية، وأرى أن ما يصنع مترجمًا جيدًا هو الحسُّ اللغويُّ قبل كل شيءٍ (وهو أمرٌ بديهيٌّ إلى حدٍّ ما)، ثم محبة عميقة للعمل الذي يقوم بترجمته. إذا غاب أحد هذين العنصرين فلن تكون الترجمة ذات قيمة تُذكر. عادةً لا أعود إلى قراءة كتبي السابقة (باللغة اليابانية) ما لم يكن هناك سبب ضروري، لكنني أعود أحيانًا لقراءة الترجمات الإنجليزية. وأجد ذلك ممتعًا تحديدًا بسبب المسافة بين النص الأصلي والنص المُترجم. وفي معظم الأحيان أستمتع للغاية بقراءتها.
بدأت الكتابة كوسيلةٍ لاكتشاف الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال. كنت دائمًا مفتونًا بالموسيقى، خصوصًا الجاز، وشعرت أن السرد امتداد طبيعي للإيقاع والمزاج اللذين أحبهما. خرجت روايتي الأولى من رغبةٍ عميقةٍ في التعبير عن الجوانب السريالية الكامنة في تفاصيل الحياة اليومية.
الحياة نفسها خليطٌ من المألوف والاستثنائي. وأحاول أن أعكس ذلك من خلال بناءٍ قصصيٍّ على أرضية واقعية، ثم إدخال عناصر خفية أحيانًا، وغامضة أحيانًا أخرى. هذا التوازن يدعو القراء للتساؤل عن طبيعة الواقع وعن نظرتهم إليه.
الأدب يوفر ملاذًا، ومساحةً نبطئ فيها من وتيرتنا ونتأمل. ففي عالمٍ يغمره تدفُّق المعلومات والتشتيت، تمنحنا الكتب فرصة للغوص في الفكر والعاطفة، و تساعدنا على الحفاظ على إنسانيتنا.
هناك الكثير من الأصوات التي أقدرها حول العالم.الكُتَّاب الذين يجربون أشكالًا جديدة ويغوصون في موضوعات الهوية بطرقٍ مبتكرةٍ يلهمونني دائمًا. فالأدب حوار مستمر، وأستمتع بكوني جزءًا منه.
النصيحة التي أُقدمها للكُتَّاب الشباب، اكتب كل يومٍ ولو قليلًا. كن صادقًا مع نفسك وصبورًا مع الرحلة. القراءة الواسعة وعيش الحياة بعمقٍ مهمان بقدر الكتابة نفسها. والأهم من ذلك، حافظ على فضولك حيًّا.
أتوقف كل يومٍ عند اللحظة التي أشعرُ فيها أن لديَّ ما يكفي لأكمل غدًا. حين أفعل ذلك، يسيرُ العمل في اليوم التالي بسلاسةٍ مدهشة. أعتقد أن إرنست همنجواي كان يفعلُ شيئًا مشابهًا. فلكي تستمر، عليك الحفاظ على الإيقاع، وهذا هو الأمر المهم في المشروعات الطويلة. بمجرد أن تثبِّت الوتيرة، يتبعها كل شيءٍ آخر. تكمن المشكلة في جعل العجلة الثقيلة تدور بوتيرةٍ ثابتة، والوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى أكبر قدر من التركيز والجهد. فما هو جوهريٌّ حقًا هو أن يصل ما تكتبه إلى المستوى الذي وضعته لنفسك.
أركض لأصل إلى فراغٍ داخليٍّ. الأفكار التي تخطر لي أثناء الجري تشبه الغيوم في السماء، فالسماء موجودة وغير موجودة في الوقت نفسه. لها حضور، ومع ذلك لا يمكن الإمساك بها. ونحن ببساطةٍ نتقبل ذلك الاتساع الهائل ونتشرَّبه.
عندما أُنتقَد ظلمًا (من وجهة نظري على الأقل)، أو عندما يخيِّب ظني شخص كنت واثقًا من أنه سيفهمني، أطيل الجري أكثر من المعتاد. فالجري يجعلني أستعيد وعيي بضعفي، وحدود قدراتي، وأصبح مُدركًا جسديًّا لتلك لحظات الإحباط التي أمرُّ بها. كما أنني أزداد قوة بقدر ما أجري لمسافة أطول من المعتاد، وكانت تلك إحدى ثمار ذلك.
لكن، مهما كانت إرادة الشخص قوية، ومهما كان مستعدًا للخسارة، إذا لم يكن يحب ما يفعله فعليًا، فلن يستمر فيه طويلًا. وحتى إن استمر، فلن يكون ذلك في صالحه.

 

*روائي ياباني 
*باحثة وأكاديمة مصرية












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي