ميروين: «الغِيلان» يدبّرون مجازرَهم باسمي

2025-12-19

محمد مظلوم*


منذ أن نشر الشاعر الأميركي ويليام ستانلي ميروين (1927 –2019) ديوانه الأول «قناع لجانوس» (1952) لفتَ إليه انتباهَ القرَّاء والنقَّاد، فمُنحَ جائزة الشعراء الشباب. وأشادَ ويستن هيو أودن باستيعاب ميروين «الرائع لتقاليد الصنعة الشعرية»، مظهراً التزاماً صارماً بالأشكال الشعرية الكلاسيكية، واعتناءً بالصور المستمدَّة من الموروث الأسطوري.

لكن أودن نفسه كان يدرك أنّ «الصنعة» شرطٌ أساسيٌّ، لكنها ليست هدفاً، واسْتَشعر إرهاصاتٍ أكثرَ طُموحاً ومُغايرةً تعتمل في قصائد ميروين.

على إيقاع حرب فيتنام
وعلى إيقاع تصاعُد حرب فيتنام، تجسَّدتْ موهبة ميروين الخلَّاقة في ديوانيه «القَمْل» (1967) و«حامل السلالم» (1970)، اللذين كرَّساه صوتاً شعرياً بارزاً، حيث يصوِّر فيهما عالماً يلفُّه الدمار، بنبرة «ما بعد نهاية العالم» ويدين انتهاك الرأسمالية الجشع للبيئة، ويُفكِّك الأساطير الأميركية المؤسسة بوصفها روايات تُسوِّغُ الهيمنة، ويكشف عن تأمُلٍ سوداويٍّ في عبثية الحرب، مُكرِّراً صوراً كابوسيَّةً بلغةٍ رمزية مكثَّفة: «كتبتُ معظمَ قصائد «القمل» في وقت شعرتُ فيه بعدم جدوى الكتابة. ووصلتُ إلى مرحلةٍ ظننتُ فيها أن المستقبل قاتمٌ لدرجة أنّ لا جدوى من كتابة أي شيء».

فوضى الحرب واغتراب المجتمع الحديث
يتميَّزُ شكلُ ميروين الشعري بالتخلي عن «النقاط والفواصل» ويخلق هذا الخيارُ الأسلوبيُّ إحساساً بالتيه واللازمنية، ويعكس فوضى الحرب واغترابَ المجتمع الحديث: «علامات الترقيم تحدِّد القصيدة على الصفحة. وعندما لا تستخدمها، تُصبح القصيدة أكثرَ شموليةً، وأكثر شفافية وواقعية».

يُصنّف ميروين مع روبرت بلاي وجيمس رايت، وشعراء آخرين، كشعراء «الصورة العميقة». هؤلاء يسعون إلى التقاطِ واقعٍ يتجاوزُ ما هو مرئيٌّ ليكشف ما هو غير مألوف وغريب في العالم من حولنا. وبالتالي يمكِّنُ القارئ من رؤية العالم من جديد.

ورغم أن تجربته اتسمت بالتحوُّلات الأسلوبية، بقي موضوع الانفصال بين الإنسان والطبيعة محورياً في أعماله. يصوِّر الموضوعات الآنيَّة بوصفها قضايا وجودية تتعلَّقُ ببقاء الروح الإنسانية ومصير الكوكب، ما أتاح لِشِعْره أن يتجاوزَ الأحداث السياسية المحددة مع الاحتفاظ بدلالاتها العميقة، ويتحولَ احتجاجه إلى نقد جذري للرأسمالية، التي يراها مرتبطة بالنظام الاقتصادي الذي يحركها.

أزمة الحضارة الأميركية
بهذا المعنى، لم يكن شِعرُهُ تقريراً سياسياً مباشراً، بل تأمُّلٌ نقديٌّ يربط الحرب بأزمة أعمق في الحضارة الأميركية. إذ يتداخل في أسلوبه الشعري الفريد نقدُهُ للرأسمالية مع معارضته للحرب، وقلقه البيئي، ورثائه لفقدان الصلة الأصيلة بين الإنسان والعالم، لتشكّل بنية شعرية مشحونة سياسياً ومُراوغة فنياً، مُوظِّفاً قدرته على صياغة الاحتجاج بلغةٍ عالية فنياً، روحانية وشخصيةً جداً، تتحاشى الخطابية المباشرة، إذ يستقي تصوراته من «الفلسفة البوذية» بنبرة نبوية ترفع احتجاجه من السياسي إلى الميتافيزيقي.

الرأسماليون وأشباح ضحاياهم
عندما، مُنحَ ديوانه «حامل السلالم» جائزة «بوليتزر» للشعر عام 1971، تبرَّعَ ميروين – كما فعل زميله روبرت بلاي-بأموال الجائزة لحركة مقاومة التجنيد، وكتب مقالاً حدَّد فيه اعتراضاته على حرب فيتنام ولخَّصها بفقدان الشرعية الأخلاقية، والتضليل السياسي، وأثر الحرب في المجتمع الأميركي نفسه.

في تلك المدة، كتب قصيدتيه «الآسيويون يموتون» و«حين تنتهي الحرب» اللتين تقاربان تاريخ الإمبريالية الأميريكية في صناعة «حروب نافعة!».

لا تجادل قصيدة «الآسيويون يموتون» السياسة مباشرة؛ بل تنعى الإنسان والطبيعة وتشهد على هذا الموت المزدوج بل الشامل:
«عندما تُدمَّرُ الغاباتُ يبقَى ظلامُها
الرَّمادُ المُسَافِرُ العَظيمُ يَتْبَعُ الْمُسْتَحْوِذِيْنَ
إلى الأَبَدِ
مَا سَيصلونَهُ لَيْسَ حَقِيقيّاً
وَلنْ يدومَ لوقْتٍ طَويلٍ
فوقَ المياهِ
كَالبَطِّ في مَوْسمِ البَطِّ
أشْباحُ القُرَى تجوبُ السَّماءَ
صَانعةً شَفَقاً جَديداً
يتساقطُ المطرُ في عُيونِ المَوتى المفتُوحةِ
مَرَّةً تلو أُخرى بصوتهِ الهَباء
وحينَ يَجِدُهم القمرُ
يَكُونُونَ قَدْ أَصْبَحوا لَوْنَ كُلِّ شَيء

تَتلاشى اللَّيالي كَالكَدْماتِ لكِنْ لا شَيءَ يَشْفى
وَكَالكَدْماتِ يَخْتَفِي الأَمْواتُ
بَتبدَّدُ الدَّمُ في الحقولِ المُسَمَّمَة
ويبَقى الأَلَمُ أُفُقاً فوقَ الرؤوسِ
صخورُ الفُصُول
أَجْراسٌ وَرَقِيَّةٌ
تُنادي حيثُ لا شَيءَ حَيّاً
يَتَحَرَّكُ الْمُسْتحوذُونَ في كُلِّ مَكان تَحْتَ نَجْمِهِم المَوْتِ
كَأَعْمِدَةِ الدُّخانِ يَتَقَدَّمُونَ في الظِّلال
كَلَهبٍ ضَئيلٍ بِلا ضِياءٍ
لا ماضِي لَهُم
والنَّارُ مُستقبلُهم الوحيدُ».

يربط ميروين بين الدمار المادي للغابة (يبقى ظلامُها) وبين الحضور الشبحيِّ الطاغي للموت (الرماد المسافر العظيم) والموت الشنيع للإنسان (عيون الموتى المفتوحة) مُصوِّراً الإبادتين البيئية والبشرية جريمةً مزدوجةً لدافع تدميري واحد. أمَّا «الْمُستحوذُون»، فهم تجسيدٌ (ميرويني) نموذجي لإدانة الجناة المدفوعين بغريزةٍ نهمةٍ للهيمنة والتملُّك. إنهم حاضرون في كل مكان، يتَّخذون من «الموت نجمهم» الذي يهتدون به. لكنَّهم يبقون إلى الأبد مُطاردين بأشباح ضحاياهم؛ ولن يصلوا إلى ما هو «حقيقي»، بل سيصبحون ما هم عليه: بلا ماضٍ، ولا مستقبل سوى النار والدمار.

أما قصيدة «عندما تنتهي الحرب»، فرغم أنَّ سياقَها يعودُ إلى حقبة حرب فيتنام، لكنها تشمل الحرب في أي مكان وزمان. تبدأ القصيدة بأخبارٍ سارَّةٍ بانتهاء الحرب، لكنَّ سطرها الأخير يصدمُنا بأنَّ هذه النهاية ليست بدايةً جديدةً بل مجرد وقفةٍ تعبويَّةٍ لاستئناف حرب أخرى:
«عندما تنتهي الحربُ
سيعتقدُ الموتى أنَّ الأحياءَ يستحقُّونَ ذلك،
سنعرفُ مَنْ نحنُ
ونلتحقُ مجدَّداً بالجيش».

العار الأميركي في العراق
مع التحضيرات الأميركية لغزو العراق 2003، مشى ميروين في طليعة التظاهرات المناوئة للحرب وهو في العقد الثامن من عمره. قاد مع الشاعر سام هاميل حملة «شعراء ضد الحرب» التي بدأت مع ذروة الاستعدادات الأميركية لغزو العراق. دُعي مع شعراء آخرين لإحياء ندوة ضمن نشاطات أدبية كانت تنظمُّها لورا بوش زوجة الرئيس الأميركي الأسبق. وخطَّطَ الشعراء المشاركون إلى تحويل الندوة إلى حملة «شعراء ضد الحرب»، ما دفع القائمين على الندوة إلى إلغائها.

وكما في قصائده عن حرب فيتنام، أظهر ميروين موقفاً أخلاقياً مماثلاً ضد غزو العراق، ولا سيما في قصيدتيه «الغيلان». رسم في «الغِيْلان» صورةً وحشيةً لمهندسي الحرب، ليجعل الإدانة كونيةً، مؤكداً أنّ الطغيان شرٌّ قديم يتكرَّر متنكراً بلغة العصر الحديث. ويصوِّر الأذى الروحيَّ العميق الذي يُلحقه العالم المتوحش بأكثر اللحظات الشخصية سلميَّةً وحميمية:
«مُستيقظٌ طَوال الليلِ على صَوتِ
المَطرِ الخَفيفِ الذي يَسَّاقَطُ بنعومَةٍ
بَيْنَ أَوْراقِ الأشجارِ في الوادي الهَادِئ
تَحْتَ النَّافذةِ
وعلى باولا وهي نائِمةٌ
هُنُا بجانبي وعلى همهمَةِ
الكلابِ بجوارِ السَّريرِ
وهْيَ تشخرُ كأمواجٍ صغيرةٍ تَقتربُ مِنَ الشاطئ.
وَأُذهلُ لِمَصيرِ هذهِ اللَّحظةِ
في كُلِّ هذا الظَّلامِ
هذه النعمةِ الصَّامتةِ الْمَاثلِةِ بَيْنَنَا
هذا السلامِ النَّابِضِ ثُمَّ أفكِّرُ
في الْمُحْتالينَ في السّلطة
وهُمْ يُدبِّرون في هذهِ اللحظةِ
مجازرهم باسْمي
مِنْ أيِّ جُزءٍ منِّي جَاؤوا
لولا أنَّهمْ صُنِعوا مِنْ كَراهيتي نفسِها
ونُبِشوا مِنْ أعماقِ عاري المُرَّة؟».
تتحوَّل الجمل الأخيرة إلى أسئلة مؤلمة، لكن ما تحملُهُ من اتهام ذاتيٍّ هو ما يفاجئنا، لأنها تتساءل عن الهوية التي تجمعه مع الأفعال الشنيعة التي ترتكب باسمه. يدرك فجأة، وبغضب، أنها من صنعه، على الأقل جزئياً في جانبها الأخلاقي. والواقع أنّ شعر ميروين غالباً ما يزجُّ القارئ في إدانة الصمت الذي يسمح للعنف بالاستمرار. يقدم في قصيدة «إلى الكلمات» مناجاةً للغة لتخبرنا «من نحن» ودعوة للفعل موجهة داخلياً إلى الشاعر وخارجياً إلى القارئ، محذِّراً أنَّ التخلِّي عن الكلمات الصريحة إزاء الظلم، شكل من أشكال التواطؤ.

عقدة التفوُّق حتى على الطبيعة!
في قصائده التي تدين انتهاك البيئة، يظهر ميروين كيف سمَّم التوسعُ الرأسماليُّ الأرض، وأبادَ الغابات، ونفى الإنسان عن الطبيعة بحيث تحوَّلت الرأسمالية إلى شكل من أشكال الحرب ضد الحياة. لكنه لا يصوغ إدانته بسردية تقنية أو تقريرية، بل بلغة أخلاقية رمزية ومكثفة توحي بأنّ السعي المحموم وراء الربح يقود إلى فقدان الذاكرة الثقافية وتدمير الطبيعة.

ويتعمَّقُ في هذا الموضوع أكثر في أعماله اللاحقة كما في قصيدة «الأخير» حيث يهجو التوسع الرأسمالي ــ الاستيطاني الذي لا يكترث بالعواقب، ويقارن الشاعر بين زمن الطبيعة المُنتِج وزمن الصناعة التراكمي التدميري، حين تنخرط جماعات في تدمير العالم الطبيعي بشكل منهجي من أجل الربح، تحت ذريعة أن هناك دائماً المزيد للاستيلاء عليه، لينتهي الأمر بتدمير كل شيء: «لقد ساد افتراض أن الطبيعة شيء منفصل عنا.

وكأننا لسنا الطبيعة، وكأن مشكلات العالم ليست مرتبطة بالطبيعة وكأن كارثة العراق ليست مرتبطة بالطبيعة، وكأن سلوكنا العدواني ليس مرتبطاً بالطبيعة. كل شيء هو الطبيعة. نحن لسنا منفصلين عنها.... لقد تعرضت الغابات للإبادة منذ وصول المستوطنين وبناء أول مستوطنة في بداية القرن السابع عشر.

ومنذ الحرب العالمية الثانية دخلنا مرحلة الانتشار النووي. تحدث كل هذه الأشياء لأنّ الفكرة الراسخة لدى البعض أنّ المهم أن يصبحوا أثرياء بينما يعمل بقية الناس من أجلهم... إنه موقف تفوُّقي. فنحن متفوقون على بقية الكائنات الحية».
حين يتهم ميروين الرأسمالية الغربية بسلوكها المدمِّر للذات قبل الآخر، ويوجه هجاءً لاذعاً، للثقافة الأميركية التي تحركها الرواية المرعبة للتقدّم (المبرَّرة دائماً بِغايةٍ عظيمة!) يصبح «المستحوذون» و«الغِيلان» بالنسبة إليه ذات القوى التي تدمِّرُ الغابات وتسمِّم الأنهار وتختزل العالمَ إلى مجرَّد سلعة أو غنيمة.

 

* شاعر وناقد عراقي

 












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي