مبادىء خوان رولفو في كتابة القصة القصيرة

2025-12-03

خوان رولفو، الكاتب المكسيكي الأشهر والأب الروحي للواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية (مواقع التواصل)اختيار وترجمة: سارة حامد حواس

أرى أن هناك ثلاث خطوات الأولى لتكوين قصة، الأولى هي ابتكار الشخصية، والثانية ابتكار البيئة التي ستتحرَّك ضمنها تلك الشخصية، والثالثة هي كيفية حديثها و تعبيرها عن نفسها.
هذه الركائز الثلاث تكفي لتكوين قصَّة.
حين أبدأ الكتابة لا أؤمن بالإلهام، فأنا لم أؤمن به يومًا. الكتابةُ مسألةُ عمل؛ يعني أن تبدأَ بالكتابة لترى ما الذي سيخرج، وأن تملأ الصفحات تلو الأخرى، إلى أن تبرزَ فجأةً كلمة تمنحك مفتاح ما ينبغي فعله، وما الذي سيؤول إليه الأمر. أكتبُ أحيانًا خمس أو ست أو عشر صفحات من دون أن تظهر الشخصية التي أريدها، تلك الشخصية الحيَّة التي يجب أن تتحرَّك من تلقاء نفسها. وفجأةً تظهرُ وتنهضُ، فنمضي وراءها ونتبعها. وبقدر ما تدبُّ الحياة في الشخصية، يمكن للمرء أن يرى أين تتجه؛ وملاحقتها تقودُ الكاتب في طرقٍ لا يعرفها، لكنها ما دامت حيَّة، فإنها تقودُ إلى حقيقةٍ ما، أو إلى اللا حقيقة، إن شئت. وعندما ينفذ المرء إلى الصدق، وإلى حقيقة الأشياء التي يعرفها، وإلى ما رآه أو سمعه، فإنه بذلك يصنعُ تاريخًا، أو تقريرًا صحفيًّا.
بالنسبة إليَّ، الأساس هو الخيال؛ فداخل تلك النقاط الثلاث التي تحدثنا عنها سابقًا يتدفَّقُ الخيال، والخيال لا نهائي، بلا حدودٍ. وعليك أن تكسر النقطة التي تنغلقُ عندها الدائرة؛ فهناك باب، قد يكون للهروب، ومن خلاله يجب أن يُفتح الطريق، ويجب أن تخرج. وهكذا تظهرُ تلك القوة التي تسمَّى الحدس؛ فالحدس يقودك إلى التفكير في شيءٍ لم يحدث، لكنه يحدثُ داخل الكتابة.
فعمليًا نحن نعملُ بالخيال والحدس وحقيقة تبدو واقعية.
وهناك عنصرٌ آخر، مهم جدًّا أيضًا وهو الرغبة في قول شيء حول موضوعات معينة.
نحن نعرف ُجيدًا أن هناك ثلاثة موضوعات أساسية فقط هي الحب، والحياة، والموت. ولالتقاط التطوَّر الطبيعي لهذه الموضوعات، عليك أن تعرفَ كيف تعالجها، وأي شكلٍ تعطيه لها؛ وألا تكرِّرَ ما قاله الآخرون. فطريقة معالجة القصة هي التي تقودنا، حتى لو طُرح الموضوع ملايين المرات، إلى قول الأشياء بشكلٍ مختلف؛ لا بدَّ من البحث عن الأساس، وعن الكيفية المناسبة لمعالجة الموضوع، وأعتقدُ أن الشكل، أو ما يسمونه الشكل الأدبي، هو الذي يوجِّه العمل، وهو الذي يجعلُ القصة مثيرة للاهتمام وجاذبة للآخرين.
القصة القصيرة في رأيي، جنسٌ أدبيٌّ أهم بكثير من الرواية، وأصعب منها أيضًا، لأن عليك أن تُكثِّفُ في بضع صفحات ما يحتاج قولُه إلى الكثير. عليك أن تُوجِز، و تُبطئ الإيقاع.
المهم هو أن تكبحَ نفسك، وألا تنفلت، وألا تفرغ كل ما لديك دفعةً واحدةً. تمتاز القصة بهذا تحديدًا؛ ولهذا أُفضِّلُ القصة، قبل كل شيءٍ، على الرواية، لأن الرواية كثيرًا ما تُغري بالاستطراد.
أما الرواية — كما يُقال — فهي جنسٌ يتَّسعُ لكل شيء؛ وعاءٌ كبير يمكن أن تُلقى فيه القصص والمشاهد المسرحية أو الأحداث، والمقالات الفلسفية أو غير الفلسفية، وسلسلة من الموضوعات يُملأ بها ذلك الوعاء. أمَّا القصة فعلى الكاتب فيها أن يتقشَّفَ، وأن يُكثِّفَ، وأن يُخبر، في كلماتٍ قليلة، حكاية كاملة. ومن الصعب جدًّا، بل شديد الصعوبة، أن تسردَ قصة في ثلاث أو أربع أو عشر صفحات، بينما يسردها آخرون في مئتي صفحة.
لا يمكن للمرء أن يعكسَ كل أفكاره داخل قصة؛ فهناك دائمًا أمور كثيرة يتمنى لو أنه قالها لكنه لا يستطيع تطويرها. هذا، ما أعتقد، هو جوهر دورة الإبداع، على الأقل كما عشتها. أمَّا النتيجة الحقيقية فيحكم عليها القارئ، لا الكاتب؛ فالكاتب لا يعرف إن كان ما كتبه قد نجح، وهو يعرفُ أنه لم يعبِّرْ تعبيرًا كاملًا، وأنه لم يقل ما أراد قوله، وأنه ترك أشياء كثيرة خارج النص. لكن، على الأقل، بعض ما أراد التعبير عنه يكون حاضرًا، ويبقى للقارئ أن يحكم.
وحين تُنشر قصة أو كتابا، يصبح ذلك الكتاب ميتًا؛ فالكاتب لا يعودُ يفكِّرُ فيه. إذا لم يكن العمل مكتملًا، قبل النشر، يظلُّ يدورُ في رأسك باستمرارٍ، يبقى الموضوع معلَّقًا حتى تدركَ من خلال تجربتك، أنه لم يكتمل بعد، وأن هناك شيئًا بقي عالقًا في الداخل؛ وحينها لا بدَّ من البدء من جديدٍ، ولا بدَّ من رؤية موضع الخلل، ومعرفة أي شخصيةٍ لم تتحرَّك بذاتها. وفي حالتي الشخصية، لي سمة خاصة وهي أن أُقصي نفسي تمامًا عن القصة؛ ولا أحكي قصة تتضمَّنُ تجارب شخصية أو سيرة ذاتية أو شيئًا رأيته أو سمعته، بل يجب دائمًا أن أبتكرها أو أعيدَ خلقها، ما دام هناك نقطة أستند إليها.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي