رحلة التفكير خارج الصندوق مع الفنان منذر الرياحنة

الأمة برس
2024-05-25

تعبيرية (انسبلاش)

التفكيرَ خارج الصندوقِ، هو المفتاحُ الأمثلُ الذي قد يفتحُ لنا بابَ النجاحِ في هذا الزمانِ المليء بالتحدِّياتِ والفرص. يقدِّمُ الفنانُ منذر الرياحنة، خلال لقاءٍ حصري مع «سيدتي»، مجموعةً من الخبراتِ والأفكارِ في عالمِ الإبداع، ويكشفُ عن أسرارِ التفكيرِ خارج الصندوق، وكيف يمكننا استثمارها لتحقيقِ نجاحٍ استثنائي في العمل؟ وفقاً لموقع سيدتي.

في عالمٍ يتغيَّر بسرعةٍ مذهلةٍ، يتوجَّبُ علينا أن نكون قادرين على مواجهةِ التحدِّياتِ التي تقفُ في طريقنا بأساليبَ جديدةٍ ومبتكرةٍ، وهنا يبرزُ سؤالٌ: هل نحن مجرَّد مشاهدين للتغييراتِ، أم محرِّكون لها بإبداعنا؟

تخيَّلوا لو أن كلَّ مشكلةٍ تواجهها المؤسَّساتُ والشركاتُ، كانت مجرَّد فرصةٍ للإبداعِ بالنسبةِ إليك، ماذا سيحدثُ حينها؟ ببساطةٍ، سيصبح العالمُ مسرحاً لمسيرةٍ طويلةٍ من الإبداعِ والابتكار، لأننا عندما نتيحُ لأذهاننا الهروبَ والانطلاقَ من القيود، ستتولَّدُ الفرصُ للتجوُّلِ في أفقِ الإبداع، وسنصبحُ قادرين على إخراجِ الإمكاناتِ الكامنةِ داخلنا، واستكشافِ الحلولِ التي لم نكن نعتقدُ أنها ممكنةٌ.

إن التفكيرَ خارج الصندوقِ، ليس مجرَّد مهارةٍ عاديَّةٍ، وإنما نهجُ حياةٍ، يتطلَّبُ الشجاعةَ والتخلِّي عن المألوفِ لتحقيقِ الإبداعِ والتميُّز. فكيف يمكننا استغلالُ هذه القدرةِ في بيئةِ العملِ اليوم، وكيف يمكن للتفكيرِ الجديدِ، أن يغيِّر لعبةَ الأعمال، ويحدِّد مسارَ المستقبل؟

رغبة في العيش والإبداع

الفنَّان منذر الرياحنة مشهودٌ له بقدرته على التحرُّر من قيودِ وعوائقِ الإبداعِ في تقديمِ وإنتاجِ الأعمال الفنيَّة، وصناعةِ الشخصياتِ الدراميَّة، وعطفاً على ذلك، سألناه: لماذا يسعى الأفرادُ إلى التفكيرِ خارج الصندوقِ في الحياة؟

إن الخروجَ من الصندوقِ، يعدُّ هدفاً وشكلاً من أشكالِ الحياة، فالميلادُ بحدِّ ذاته، يشكِّلُ خروجاً من الصندوق، كما الشرنقةُ تتفتَّحُ من الفراشةِ، والنباتاتُ تخرجُ من الأرضِ، والبيضةُ تتصدَّعُ من النقرِ المستمرِّ فوقها، هذه كلها أمثلةٌ عن صراعِ الحياةِ ضد حدودِ البيئةِ للخروج من الصندوق.

لماذا نسعى إلى التفكيرِ خارج الصندوق؟ سؤالٌ مهمٌّ. إننا نفعلُ ذلك مدفوعين برغبةٍ في أن نعيشَ، أن نكونَ، وأن نبدعَ ونتجدَّد، فالتفاؤلُ والخيالُ، هما الوقودُ الذي يشعلُ التفكيرَ الإبداعي، ونحن ننظرُ خارج الصندوقِ، ونتواصلُ، ونتَّصلُ بالآخرين من خلال رؤيتنا، ونتخيَّلُ أفضل نتيجةٍ محتملةٍ. يقولُ الكاتبُ والملهم جبران خليل جبران: «إذا قال الشتاءُ: إن الربيعَ في قلبي، فمن ذا يصدِّقُ الشتاء؟».

لنقم بإعادةِ صياغةِ السؤالِ بطريقةٍ غير تقليديَّةٍ: الفنان منذر، في اعتقادك كيف دخلنا إلى الصندوقِ، وابتعدنا عن الإبداعِ في العمل؟

إن الحياةَ عميقةٌ للغاية، حتى إنَّ معظمَ الأفرادِ قد لا يحتوونها كما يجب، فبين الميلادِ والمماتِ فترةٌ طويلةٌ بالنسبةِ إلى عددِ الخبراتِ التي يمكننا أن نتعلَّمها، بالتالي علينا أن ندرك، أننا يمكن أن نتعلَّم خبراتٍ كثيرةً، لم نسمح لأنفسنا بأن نمضي من خلالها قبل الآن.

لاشكَّ أن هناك كثيراً من الأسئلةِ الكونيَّةِ العظيمةِ التي طاردت الإنسانَ منذ بدايةِ تكوينه، وما زالت، فهل نحن ماديون أم روحانيون؟ إنَّ التحرُّرَ من صندوقِ التفكيرِ النمطي غير المنتج، يمثِّلُ تحدياً مستمراً كيلا نبقى محتجزين في الداخل.

سيدتي.. إن بعض الأفكارِ، تحاصرُ أصحابها مثل الفخاخِ الرمليَّةِ حول العقل، لذا يبقى الكثيرُ منهم حبيساً داخل الصندوق، وأستطيعُ من خلال تجربتي، أن أقدِّم لكم أبرز الاستراتيجياتِ للخروجِ من الصندوقِ إلى عالمِ الإبداع:

"التفكير الإبداعي هو صنع الجديد وإعادة تنظيم القديم بطريقة جديدة"

التوتُّر

لقد بات كثيرٌ من الأفرادِ، في الوقت الراهن، مأسورين في الصراعِ والتحدِّي داخل العملِ دون محاولةِ الاجتهادِ من أجل تقليلِ الضغوط، وكلما حاولوا أن يكونوا معتدلين في ذلك، أصبحوا مفرطين إلى درجةٍ، تُفقدهم التركيز!

يقدِّمُ علماءُ الاجتماعِ آرائهم بأن الجميعَ في الحياةِ، يرفضون التغيير، ومن الصعبِ تقبُّل الأمرِ بسهولةٍ وسرعةٍ، لذا أنصحُ بالتعرُّضِ لمزيدٍ من التوتُّر حتى تجعل قلبكَ يخفقُ بشدةٍ، فالنشاطُ التوتري مثل ممارسةِ الرياضة، يؤدي إلى تدفُّقِ الدمِ في الأوعية، وزيادةِ ضرباتِ القلب، بالتالي خروجُ الحيلِ الذكيَّةِ من دائرةِ الصراع. إنها تجعلُ قلوبنا تقفزُ من صدورنا، فتورِّدُ بشرتنا، وتتَّسعُ أعيننا، وتتسارعُ أنفاسنا، فلا يمكن أن نحيا دون ذلك.

عليك أن تتقبَّل التوتُّر في الحياةِ، أن تعانقه وتقدِّره دون مقاومةٍ، أو إنكارٍ، فأنت ستتعرَّضُ له شئت أم أبيت، فلن يتغيَّر المديرون في العمل، وستظلُّ الفوضى سائدةً في عديدٍ من الأماكنِ من حولك، لذا افعل شيئاً، ابحث، هاجم، تطوَّر، تحرَّر.. عليك أن تشعر بالتوتُّر، لتقفزَ من المكانِ، وتخرجَ إلى دائرةِ الحياةِ والإبداعِ في التفكير.

الإفراط في التغيير

نادراً ما يحقِّقُ الإنسانُ شيئاً عظيماً دون الإفراطِ في العمل. قم بعملِ الأشياءِ بشكلٍ مفرطٍ. إن كلَّ عملٍ، يستحقُّ أن نقومَ به، يجدرُ بنا أن نقومَ به إلى حدِّ الإفراط. انغمس في المفاهيمِ والقيمِ والأفكارِ البنَّاءة، وابحث عن شيءٍ يثيرُ حفيظتك باستمرارٍ.

الفشل

«لا تخشَ من الفشل». لقد قيلت تلك العبارةُ كثيراً، ومع ذلك، أن تكون خائفاً من الفشل، هذا لا يعني بالضرورةِ أن تفشلَ في العمل، فالخوفُ من الفشلِ، هو ما يدفعنا إلى المحاولةِ بجديَّةٍ، وبشكلٍ مستمرٍّ من أجل الوصولِ وباهتمامٍ أكبر. إن الخوفَ من الفشلِ، هو ما يدفعنا إلى تقييمِ أحكامنا.

إن قناعتي الشخصيَّة، تؤكِّدُ لكِ سيدتي، أن الخوفَ من الفشلِ، لا يعني أبداً أننا قد نفشل. إن تحقيقَ الإبداعِ، والقفزَ من الصندوقِ، يحتاجان إلى تجاربَ مستمرَّةٍ، فالفشلُ جزءٌ من العمليَّة.

هل تعتقدين أن الفنَّان منذر الرياحنة، الذي بدأ من فوقِ خشبةِ مسرحٍ ما، كان يمكن أن يحقِّقَ كلَّ تلك النجاحاتِ، والأدوارِ البطوليَّة، والأعمالِ الفنيَّةِ الناجحة، لو لم يكن يخافُ من الفشل؟!

تنقية العقل

إننا نحتاجُ إلى التخطيطِ من أجل مستقبلٍ جيِّدٍ عن طريقِ توضيحِ طريقةِ تفكيرنا في الحياة، لذا علينا أن نبذل جهداً واعياً من أجل التخلُّصِ من الأفكارِ الباليةِ وغير النافعة.

إن معظمَ الأفرادِ عالقون في كثيرٍ من الأفكارِ القديمةِ التي تمنعُ الوصولَ إلى نقاطٍ إبداعيَّةٍ جديدةٍ في أفكارنا، فالأفكارُ القديمة، تشدُّنا إلى نتائجَ وعقباتٍ، تعوقُ الأفكارَ المتجدِّدة والإبداعيَّة، لذا نحتاج إلى عمليَّةِ تنقيةِ العقلِ من كلِّ قديمٍ ورثٍّ.

في بعض الأحيان، حينما أكون غاضباً، أو حزيناً، وقد يحصلُ ذلك نتيجةَ يومِ عملٍ شاقٍّ ومتعبٍ، أحاول أن أستسلمَ لطاقةِ جسدي الفطريَّة، وأن أضع رأسي في حالةِ صمتٍ وسكونٍ لمدةٍ طويلةٍ، فالهدوءُ، والتركيزُ على الداخلِ والفطرةِ النقيَّة، يزيلان الأفكارَ القديمةَ العالقة، بالتالي أستطيعُ أن أصنعَ أفكاراً جديدةً ومتطوِّرةً في رأسي. هذا ما أسمِّيه «الصوت الداخلي»، وكلٌّ منَّا لديه صوته الذي يجبُ أن يتعلَّم كيف يصغي إليه.

في ضوءِ خبرةِ الفنَّان منذر الرياحنة، التي تمثِّلُ رحلةً كاملةً من العطاءِ والإبداعِ أمام الشاشاتِ العربيَّة، بماذا تنصحُ الشبابَ المتشوِّقَ للإبداع؟

إن تجاربَ الحياةِ، هي التي تطلقُ العنانَ لمشاعرنا الداخليَّةِ والدفينةِ في أعماقنا مثل الحبِّ، والكراهيَّةِ، والعدوانيَّةِ، والتعاطفِ، والرغبةِ في الإبداع، وهي التي تستطيعُ صوغ التجاربِ الحقيقيَّةِ في الحياة حتى نؤسِّس للأحلامِ، والأهدافِ، والآمالِ، والمهامِ، والتصوُّراتِ الشخصيَّة والمهنيَّة. إن طبيعةَ وقوةَ التجارب، سواءً كانت بنَّاءةً، أو هدَّامةً، هي التي تحدِّدُ الحماسَ، والدافعَ للتفكيرِ خارج الصندوق، لذا لا أرغبُ في تقديمِ النصائح، بل أحبُّ أن أعزِّز فكرةَ أن لكلِّ شخصٍ رحلته الخاصَّة، وتجاربه الشخصيَّة، وطريقته المتفرِّدة في صياغةِ ورسمِ الحياة، وأعدُّ أن أي نصيحةٍ، يمكن أن تُقدَّم بمنزلةِ محاولةٍ لتشويه الآخرين وطريقتهم في رسمِ الإبداعِ الخاصِّ بهم، أو سجنهم داخلَ الصندوقِ الذي نحاولُ الفرارَ منه، وصوغَ عالمٍ خاصٍّ بنا في هذه الحياة.

أتذكَّرُ أن متدرباً ناشئاً في إحدى القاعاتِ التدريبيَّة، قام بطرحِ سؤالٍ علي في جلسةٍ مملوءةٍ بالحضور. قال: هل يمكنك أن تعلِّمني كيف أصبح مبدعاً؟ فبادرته بالردِّ بسؤالٍ آخر: لماذا تريدُ أن تكون مبدعاً؟

كان المغزى من الردِّ بذلك السؤالِ، أن أذكِّرَ الجميع بأنه من السهلِ أن نقع ضحايا للعاداتِ القديمة، والتفكيرِ المحدود، لذا من الشائعِ أن نجدَ أنفسنا ضحايا للتفكيرِ داخل الصندوق على الرغم من معرفتنا كيفيَّةَ تحريرِ أنفسنا، فالحياةُ تقيِّدنا بشكلٍ طبيعي بقيودٍ غير مرئيَّةٍ، لكنها منطقيَّةٌ.

ما أريد قوله: لا يمكن أن يتمَّ إعاقةُ التفكيرِ الإبداعي إلا عندما نتدخَّلُ بالتفكيرِ نيابةً عن الآخرين. لا يمكن أن يتعلَّم الشخصُ كيفيَّة التحرُّرِ إلا إذا قام بدوره الخاصِّ في التفكيرِ والتخطيطِ لحياته.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي