أخبار الاحتلال

2024-02-12

رضا نازه

مذياعي شاهد زور يغير أقواله كل عشر سنين، مع أنه بقي عينَ ما كان عليه من قبل. مكعب بلاستيك حُشْوَتُه أسلاك ناطقة. أما أنا فهرمتُ مثل عساس الزقاق ولم أبرح، منذ وثقتُ به وأعرته سمعي، في انتظار خبر عن لحظة تاريخية لم تسعفها الجغرافية. لكن.. أخبارُه مجهولة المفاعيل مجنونة الفاعلين مُعتلة الأفعال. تنعسني ثم توقظني ضِعف إيقاظ، على عجل، كمن أفاق فجأة ليجد نفسَه نائما في حفل زارٍ دنيوي ودجل لا ينتهي. في البدء كانت أغلبُ أخبار مذياعي الساهر جنبي أخبارا عن بعض الاختلالات وبعض الاحتلالات، حتى أيقظني يوما ليقول لي.. يا هذا قم فكل شيء مختل وكل شيء مُحتل!

طفق يشرح لي بأبسط قواعد الإعراب أن أرضا محتلة كانت بدَل اشتمال، قد صارت بدَلَ بعْضٍ من كل. ولئن ضاعت منذ قرن على حين نكبة، على حين نكسة، على حين غِرَّة في زمن المذياع حصرا، فاليوم كل شيء يضيع تحتَ وفوقَ وعن يمينِ وعن شِمال كل العدسات المصوبة إلى عوراتنا بلا حياء!

هل أحتفظ بمذياعي كيلا أسمعَ أخبارنا في سوق خردة أو في مزاد. هل أكسره وقد صارت ذبذباته هيرتزيلية. يَقتل تسعة هنا، ويقتل خمسة هناك، ويقتل عشرين أو مئة شرقا غربا جنوبا شمالا، وكلهم على مرمى حجر من خطوط الزلزال.. يَقتل ألفا أو ستين ألفا ليتم تسجيل البطاقة.. هل يجدي أن أصرخ في وجهه أو أذنه البلاستيكية الصماء خوفا: أنت من تقتلهم، أيها المذياع؟ أنت من تحصيهم جثثا لا يقربها أحد حتى ينتهي القصف.. ماذا لو أجابني: كلا.. بل قتلتهم فتوى الحلزون حين دب على حَجَر لا يحمل بيتاً مثل خالته البزاقة.. قتلَتْهُم على مسمع الآذان، على مرأى العيون، قصاصاتٌ متضاربة من هيئات مستقلة، وأخرى معَ، وأخرى ضد، ثم أخبار متفرقة تكمل المهمة. ولا داعي لتشغيل مصور. المصور المسكين صار يُقتل أمام عدسته، يصادَر جسمه، آلته، أشرطتهْ، الموت (كَ) مقابل الكلام، الأرض (كَ) مقابل الهُلام، النفطُ (كَ) مقابل الطعامِ (كَ) الصمتُ (كَ) مقابل السرابِ (كْ)، الموتُ (كَ) مقابل الحياتِـ(كْ) .. لو صحَّ الإعراب عن القلق هكذا.. والسلام!

هذاك بذلك..

خذ رزمةُ دولار رث عتيق مُجوَّف معَوَّم مقابلَ الرحيل (ك) مقابل عدم خروجك أصلا من بطن أمك لبطن آلامك العظام! هل سمعْتَ جنديهم من خلال جدار بطن أمك وهي واقفة عند معبرٍ غير سالك، في مخاض الوضع البدائي ومخاضة الوضع النهائي، واقفةً صابرة ضِعفيْ حملك وثُلاثَه ورُبَاعه.. هل سمعتَ جنديهم يقول لجندينا هازئا: «ما لهذا يستعجل الولادة كدولته المستقلةْ قبل صفعة القرن الأبدية..». هل ستخرج يا أخي؟ يحملك نعش كمهد، مهدٌ كنعش، من جذع زيتونة لا شرقية ولا غربية أو نخلة سبئية؟ أم تؤجل خروجك إلى مخاضات حل نهائي في حِلٍّ من أي نهاية؟

إنهم سحرة يتقنون خلط حبال النهاية بالبداية..

هل يُنظِر الاحتلال أمك حتى تراك تبني مستقبلا فور مغادرة السجن مقابل سجين جديد أيها السجين المعتق بعد سِنِيِّ أمعاء عجاف، وهِي ترافقك، ومذياعي يحكي مثل الحاكي، أن «الهيئة الدولية لما لا طاقة لنا به» قد راقبت كمْ شفَّ صِفاقُ البطن عما تحتهُ.. ولأن الجوع بلغ العتبة الأممية على سُلم آلامنا المنكرة المعروفة المعترف بها في حالة نكران، ستصدر التوصية.. وسيسقط من التوصية هدم ستين بيتا، مئة بيت، ألفٍ، بحثا عن أساساتها وعن هياكلِها الشَرعية وتقتضب انتظاراتنا الانتظارية وصرخاتنا الخرساء «إلا كذا.. إلا كذا.. إلا كذا!»، بلا استثناء، وقد صرنا استثناء واسم نُدبة وندوبا في ذاكرة نسيت ألف بيت كي تنظم شعرا له نواسٍ، لو نواسي، ولا بواكي له وآفة حارتنا النسيان.. يردد أبياته الهلامية من لم يمت له قريب عند معبر.. ومن افتتحوا تلفزة في الفضاء على الهواء مباشرة تنقل إعادة البنيان.. أنا الذي ضاق بي الفضاء، ومذياعي على المستوى ما زال، لكنه صار شاهد زور يردد على مسمعي: «يكفي حَرَمَانْ… لتؤدوا القرُباتْ.. وتقضوا «البُعُدَات».. يكفي حَرَمَانِ..». رددها وأعاد حتى صار سامعها يسمعها لو تركوه يسمع شيئا.. يكفي الحِرمانُ.. يكفي الحرمان..

كسرت مذياعي، لا الكذب يطيقه سمعي، ولا الحقيقة يطيقها الزمان..

كاتب مغربي







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي