علي الفقيه
في الوقت الذي كان الشيخ محمد علي حسين الماوري ينتظر اتصالا من ولده المغترب في أمريكا يبشره فيه أنه سيتجه صباح اليوم التالي للتسجيل في الجامعة كان قدره أن يتلقى اتصالا أدخله في حزن لن ينتهي بسهولة.
منذ حوالي شهر ونصف وهو يتشوق إلى رنة الهاتف المخصصة لابنه ماهر، إلا أن ذلك لن يحدث مجددا، وأصبحت تلك الرنة ذكرى حزن حولت حياته إلى كوابيس بفقدان ابنه في ريعان الشباب. يقول الأب: كان ماهر يحمل من الطموحات والأحلام ما يعجز الوطن عن استيعابها، بل ويرى أنه من المستحيل تحقيقها في بلد يقتل كل شيء.
الماوري لا يزال يعيش تحت تأثير الخبر الصاعقة الذي حمله إليه اتصال تلقاه من أحد الأقارب المغتربين في أمريكا، إلا أن إيمانه بالقدر يهون عليه تلك المصيبة التي قال أنه يضاعفها الإهمال الرسمي الذي تبديه السفارة والقنصلية اليمنية في أمريكا التي قال أنها لم تكترث للحدث.
يتساءل الماوري ماذا لو أن أمريكيا قتل في اليمن؟ ما الذي سيحدث؟ وهل كان القنصل أو السفير الأمريكي سيقول بأن عمله دبلوماسي وليس من اختصاصه متابعة قضايا من هذا النوع، وهو الرد الذي تلقاه أقارب القتيل الشاب ماهر الماوري من القنصل اليمني في الولايات المتحدة عبد الكريم السادة، عندما طلبوا منه التحرك معهم لمتابعة الجهات الأمنية المعنية بالقبض على القتلة.
يحاول الشيخ الماوري أن يسترسل في الحديث عن نجله ماهر الذي لقي حتفه قبل حوالي ثلاثة أسابيع في ولاية ميتشجن بأمريكا أثناء خروجه ليلا من مسكنه بغرض شراء كرت اتصال ليتكلم مع والده عن نيته التوجه إلى الجامعة للتسجيل في كلية الهندسة التي كان يطمح للالتحاق بها وتوافق في ذلك مع رغبة والده.
لكن غصة في حلقه من موقف الجهات الرسمية في بلادنا تجاه مواطنيها تخنقه وتجعله يحول حديثه موجها نقده اللاذع للسفير اليمني والقنصل في أمريكا، يقول الماوري: "القنصل حقنا هناك حضر الدفن وعندما طلبوا منه مساعدتهم في متابعة القضية لدى الجهات المختصة قال "أنا دبلوماسي وليس مهمتي متابعة القضايا بالمحاكم والشوارع".
وعلى الرغم من الموقف الداعم والمؤازر الذي أبدته الجالية العربية هناك والجالية اليمنية خصوصا لأقارب الشاب ماهر فإن موقف السفارة مخزٍ بحسب تعبير الشيخ محمد الماوري، يقول: الجالية اليمنية بذلت عشرة آلاف دولار لمن يدلي بأية معلومات عن مرتكبي جريمة القتل، وتحركت بشكل جيد للمساهمة في متابعة القضية، بينما مسؤولينا في السفارة مشغولون بجباية الأموال من المغتربين. يعلق مهاجما: السفارة والمسؤولون فيها " هم فاتحين مكتب خدمات يكسبوا من وراه ما يفكروش في المواطن اليمني".
ويروي الماوري نقلا عن أحد أقاربه يعمل في سلك القضاء أن القنصل الأمريكي نزل إلى أحد السجون الاحتياطية في أمانة العاصمة لمتابعة صومالي يحمل الجنسية الأمريكية عندما وصلته معلومات أنه محتجز هناك ويتابع حديثه "ماهيش حالة استثنائية، القنصل الأمريكي ينزل إلى جبن لمتابعة قضية يمني يحمل الجنسية الأمريكية"، بل يتحدث عن حالة طوارئ تعيشها السفارة الهندية هناك إذا ما تعرضت شغالة للتعذيب "ما اهملوش مواطنيهم وهم مليار".
يسرد هذا الكلام على الرغم من التحامل الكبير الذي يبديه على الأمريكيين وعلى النظام الأمريكي الذي قال إنه يتساهل تجاه أي اعتداءات أو انتهاكات تحصل للعرب والمسلمين المغتربين في أمريكا.
لكنه يبدي اندهاشه تجاه لا مبالاة الأنظمة العربية تجاه مواطنيها ويعلق "النظام الذي لا يحمي المواطن سواء في داخل البلد أو خارجه لن يحمي الوطن".يبدو الماوري متحاملا على المسؤولين اليمنيين في سفارتنا بواشنطن أكثر من تحامله على القتلة الذين لا يزالون مجهولين حتى كتابة هذا الموضوع، والذي قال أنهم عنصريون وأصبحوا يحقدون على كل عربي ومسلم.
العنصرية وكراهية العرب والمسلمين يرجح أن تكون هي السبب وراء الحادث. الماوري قال إن ابنه هو الضحية رقم 7 بين الشباب الذين قتلوا في أمريكا وينتمون إلى منطقة رداع كواحدة من أشهر المناطق بالهجرة إلى أمريكا.
"سواء فكرنا أنهم قتلوه فقط بسبب العنصرية أو قتلوه ليأخذوا سيارته فإن السبب هو ذاته، فهم يمكن أن يقتلوا العربي لأنه يرتدي نظارة جميلة، فهم ينظرون إلى العربي أنه أحقر من أن يحوز سيارة محترمة أو يلبس نظارة جميلة.
بعينيه الغائرتين ووجهه الشاحب ظل الماوري يسرد حكاية تبدو له غير منتهية للجرح الذي خلفته وجراح قادمة بات يخاف منها، فنجله الأكبر "ماجد" أيضا هناك يعمل ويتهيأ هو الآخر للدراسة هذا العام، فقد كان رفيق ماهر في الرحيل من البلد والإقامة في أمريكا، كما كان الأخوان الطامحان شريكين في أحلام لم يعد يرغب الأب المكلوم في الحديث عنها وبقدر ما كانت أحلاما في الماضي فقد أصبحت كوابيس تداهم الأب باستمرار.
يقول الماوري "كنا نعتقد أن الخطر لا يهدد إلا المغتربين الذين يرتادون الأماكن المشبوهة مراقص،وملاهي، وأنا كنت مطمئن على أولادي من هذا الجانب لأنهم معرفون عند الجميع بالاستقامة وحسن الخلق" مشيرا إلى أن حياة ابنيه لا تعدو كونها محصورة بين العمل والمنزل والجامعة، لكن الموت ذاته قطف حياة "ماهر" على بعد حوالي 800متر من مسكنه وفي الشارع العام.
حتى كاميرات التصوير المثبتة في الشارع العام هناك بدت غير حاذقة بما يكفي لالتقاط صورة واضحة للجناة. يقول الماوري إن أحدهم التقطت له صورة يمكن للشهود أن يساندوا الكاميرا في التعرف عليه.
وبحسب معلومات يقول الشيخ الماوري إنه تلقاها من أقاربه هناك فإن 63 جريمة قتل راح ضحيتها يمنيون في أمريكا في السنوات الأخيرة في إشارة إلى سنوات ما بعد أحداث سبتمبر.
رقم مهول يدعو إلى التساؤل عما قامت به السفارة اليمنية في واشنطن التي يديرها عبد الوهاب الحجري صهر رئيس الجمهورية. مغتربون كثر يعتبرون الحديث في هذا الموضوع نوعا من العبث ويعتقدون أن التعيين في منصب السفير في واشنطن يأتي كمكافأة لأشخاص مقربين من الرئيس اليمني ولا يشغل هذا الجانب أي حيز في أجندتها.
بينما يأتي تعيين القنصل خاصة في الولايات التي يتواجد فيها اليمنيون بكثافة مثل ولاية ميتشيجن انعكاسا لتعيين السفير الذي لا يعتمد معايير من قبيل الكفاءة والقدرة على متابعة قضايا المواطنين هناك وإنما بحسب القرب من السفير.
وبمغادرة "ماهر" الحياة ترك لأبيه تركة ثقيلة من الحزن وشجن يقول الماوري أنه ليس على ولده الثاني ماجد فحسب ولكن على مئات المغتربين من منطقة رداع نفسها التي يعد الماوري أحد مشائخها وعلى مئات الآلاف من اليمنيين يتوزعون على أمريكا ودول شتى في أنحاء العالم. يقول الماوري إنه ليس لهم حكومة تهتم بشؤونهم "يموت اليمني في أي بلد وتنظر إليه الحكومة كما تنظر إلى ورقة فارغة سقطت من جيبك ليس فيها ما يستحق أن يجعلك تنحني لالتقاطها" بهذه العبارة يلخص الماوري الشيخ القادم من القرية علاقة الحكومة بمواطنين محسوبين عليها مشردين في أنحاء العالم.
"ما رعتش الموجودين في الداخل عاد إلا المغتربين" يرد على نفسه بنفسه معلقا بكلام مفاده أنه لو كان هناك نظام يفكر في المواطن ويدير ثروات البلاد بعقل لما أصبح الحلم الأول لدى ملايين الشباب اليمنيين مغادرة الوطن.
وكنتيجة للمضايقات التي يعانيها المغتربون اليمنيون والعرب من "أمريكيين متعصبين" لم تعد أمريكا بلد الأحلام، لكن الهجرة إليها أو إلى غيرها لا تزال حلا مثاليا للهروب من واقع هو كل يوم أسوأ من سابقه، فالموت ليس أسوأ من البطالة وضيق العيش التي تخيم على الملايين في أوطانهم.