

عمرو عبد العاطي
عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والعديد من الهجمات الإرهابية التي شهدتها العديد من العواصم الأوروبية (لندن،مدريد،.)، والتي نفذتها منظمات "إرهابية" ذات مرجعية إسلامية أصولية؛ أضحت قضية المسلمين في الولايات المتحدة والدول الأوروبية محل بحث ودراسة من قبل المؤسسات الرسمية، وكذلك غير الحكومية ومراكز الدراسات والأبحاث، وقد كانت المناقشات تتمحور حول وضعية المسلمين داخل مجتمعاتهم الجديدة؟، وهل هؤلاء مندمجون ومستوعبون في تلك المجتمعات؟ وقد اختلفت الإجابات بين دول شطري الأطلسي.
ولتعزيز الحوار بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، بشأن استراتيجيات مكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات في هذا المجال، أنشأ "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" "THE CENTER FOR STRATEGIC AND INTERNATIONAL STUDIES (CSIS)" في 2003 برنامج "الحوار عبر الأطلسي بشأن الإرهاب" بالتعاون مع "برنامج الأمن الدولي" و"البرنامج الأوروبي" بالمركز، وكذلك التعاون مع العديد من مراكز الدراسات الأوروبية مثل "Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP)" ببرلين؛ من أجل تعزيز الحوار والنقاش بين المتخصصين في مجال مكافحة الإرهاب؛ لتحديد الأولويات بين المشاركين الأمريكيين والأوروبيين، والبحث عن نقاط الالتقاء بين الرؤيتين. وفي هذا الإطار أقام البرنامج العديد من حلقات النقاش، ضمت العديد من الخبراء في مجال مكافحة الإرهاب، ورجال الاستخبارات، والمتخصصين في الشأن الأمني، والأكاديميين، وبعض الصحفيين المهتمين بهذا الشأن. وقد تمخض عن تلك المناقشات أن أصدر "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" تقريرا في "سبتمبر 2007" تحت عنوان "التكامل الإسلامي: صعوبات الحكمة التقليدية في أوروبا والولايات المتحدة" "MUSLIM INTEGRATION: CHALLENGING CONVENTIONAL WISDOM IN EUROPE AND THE UNITED STATES" ضم ست ورقات، تتحدث عن وضع المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية والولايات المتحدة، وطرح استراتيجيات بديلة لتعزيز وضعية واندماج المسلمين داخل مجتمعاتهم الجديدة.
ومن أوراق التقرير المشار إلية ورقة لـ "بول إم باريت" "PAUL M. BARRETT"، الصحافي السابق في "وول ستريت جورنال" "Wall Street Journal"، والمؤلف لكتاب "الإسلام الأمريكي: كفاح لروح الدين" (2007) "American Islam: The Struggle for the Soul of a Religion" تحت عنوان "المسلمون الأمريكيون وسؤال الاستيعاب" "American Muslims and the Question of Assimilation". وقد انطلقت الورقة من تساؤلين رئيسيين مفادهما: هل المسلمون نجحوا في الاندماج في المجتمع الأمريكي؟، أم أنهم منعزلون على هامشه؛ مما يجعلهم أكثر تقبلا للدعوات والأصوات الراديكالية؟. ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهناك اتجاهين متعارضين في الإجابة على السؤالين المحورين للورقة. فالاتجاه الأول: يؤكد على أن هناك اتجاه داخل واشنطن لاستيعاب المسلمين على الرغم من تزايد موجات الغضب والكراهية لهم عقب أحداث سبتمبر. في حين يري الاتجاه الثاني: أن المسلمين داخل الولايات المتحدة يفضلون العزلة في أماكن عباداتهم (المساجد)، والمراكز الإسلامية والتمحور حول هويتهم الدينية.
من هم مسلمي أمريكا
من أحد المشكلات التي تواجه مسلمو أمريكا، التناقض بين تقديرات المنظمات لعدد المسلمين داخل الولايات المتحدة؛ في ظل غياب رقم رسمي لعددهم، فالإحصاءات الأمريكية لا تأخذ الدين (العقيدة) بعين الاعتبار؛ ولذلك تنوعت التقديرات فبعض المنظمات الإسلامية داخل الولايات المتحدة كـ"مجلس العلاقات الإسلامية ـ الأمريكية (كير)" "Council On America – Islamic relation (CAIR)" تقدرهم بحوالي 6 مليون مسلم أو أكثر بقليل في حين تقلل منظمات أخري غير إسلامية من هذا الرقم، فقد قدر "مركز بيو للدراسات" "Pew Research Center" من خلال استطلاع للرأي معنون بـ "مسلمي أمريكا: الطبقة المتوسطة والاتجاه العام في الغالب" "Muslim Americans: Middle Class and Mostly Mainstream" خلال مايو 2007 عدد مسلمي الولايات المتحدة بـ(2.35) مليون مسلم.
ولبحث من هم المسلمون، ومن أين أتوا إلى الولايات المتحدة؛ اعتمد الكاتب على عدد من استطلاعات الرأي لمنظمات إسلامية وأخري غير إسلامية، والتي أظهرت أن هناك اختلاف بين تلك الاستطلاعات في الكثير من الأحيان. فاستطلاعات الرأي توضح أن حوالي ثلثي مسلمي أمريكا من المهاجرين. فوفقا استطلاع "بيو"، فإن 37% من مسلمي الولايات المتحدة من المنطقة العربية، و27% من جنوب أسيا (تشمل باكستان، الهند، بنجلاديش وأفغانستان). أي أن مسلمي أمريكا يأتون من لا يقل عن 67 أمة "دولة"، و20% منهم من الأمريكيين الأفريقيين والذين أغلبهم متحولين إلى الإسلام.
وحسب استطلاع لمركز "زغبي الدولي" "Zogby International"، الذي ركز على "العرق"، بصرف النظر عن مصدر الهجرة (الموطن الأصلي للمهاجر)، والذي صدر عنه تقرير في "أكتوبر 2004" من "مركز جامعة جورج تاون لفهم المسيحي ـ المسلم" "Georgetown University’s Center for Muslim-Christian Understanding" والمعنون بـ "المسلمين في النظام العام الأمريكي: والتحولات السياسية، نتائج 11/9، أفغانستان والعراق" "Muslims in the American Public Square: Shifting Political Winds & Fallout from 9/11,Afghanistan, and Iraq" فإن ما يقرب من 34% من مسلمي الولايات المتحدة من أصول عرقية بمنطقة جنوب أسيا و26% من أصول عربية، وأن 20% من أصول أفريقية. ولكن على أية حال هناك ارتفاع في أعداد المسلمين؛ لارتفاع معدلات الهجرة والولادة بين المسلمين الذين يعشون على الأراضي الأمريكية، فضلا عن، تزايد المتحولين إلى الإسلام من الأصول الأمريكية الأفريقية.
ويعيش المسلمون في الولايات المتحدة مثل باقي أفراد المجتمع الأمريكي في الضواحي والمدن، ولكن هناك تجمعات للمسلمين بـ (نيويورك، ديترويت، شيكاغو ولوس أنجلوس)، يقومون بالعديد من الأنشطة الاقتصادية المتنوعة. فحسب استطلاع "زغبي" السابق الإشارة إلية، يعمل المسلمين في مجال التقنيات، التكنولوجيا، الطب، التدريس والأعمال الإدارية.
يؤكد الكاتب على أن مسلمي الولايات المتحدة على درجة عالية من التعليم، فأغلبهم ذوي تعليم جامعي. فحسب استطلاع "زغبي" فإن 56% من البالغين لديهم شهادات جماعية بالمقارنة بـ (28%) من الأمريكيين. ولكن استطلاع "بيو" جاء بنتيجة مختلفة تماما لما جاء به استطلاع "زغبي" حيث توصل إلى أن 24% من مسلمي أمريكا من ذوي التعليم العالي.
وبالنسبة لمستوي الدخل استنتج استطلاع "بيو" أن هناك تشابه بين مستوي دخل المسلم الأمريكي ومستوي دخل المواطن الأمريكي، فيحصل 44% من الأمريكيين على 50 ألاف دولار سنويا في حين يحصل 41% من مسلمي الولايات المتحدة الأمريكية على نفس المبلغ. في حين يحصل 16% من الأخير على 100 ألاف دولار أو ما يزيد مقابل 17 % من إجمالي الأمريكيين.
دمج مسلمي الولايات المتحدة في المجتمع الأمريكي
يعتمد الكاتب على اكتشاف مدي اندماج المسلمين في المجتمع الأمريكي على مستوي الازدهار والتعليم العالي والمشاركة في الحياة السياسية الأمريكية. فعلي صعيد المشاركة السياسية في الانتخابات، يظهر استطلاع لـ "بيو" أن هناك ما يقرب من 63% من مسلمي الولايات المتحدة مسجلين في الجداول الانتخابية بالمقارنة بـ 76% لأمريكيين، في حين يُقدر "زغبي" أن نسبة المسلمين الأمريكيين المسجلين تصل إلى 82%.
ولإظهار نجاح الولايات المتحدة في دمج المسلمين، يُقارن كاتب الورقة بين وضع المسلمين بأمريكا ونظرائهم في العديد من المجتمعات الأوروبية ( فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، هولندا وأسبانيا)، حيث يرى الكاتب أن المسلمين بأوروبا فقراء، وذوي مستوي تعليمي منخفض ومهمشين اجتماعيا؛ وهو ما جعل المجتمعات الأوروبية في التحليل الأخير بيئة مواتية لانتشار الأفكار الأصولية بين المهمشين، وكانت تفجيرات لندن ومدريد حصاد السياسات الأوروبية المهمشة للمسلمين هناك. ولذا فإن نسبة التطرف وانتشار الأفكار الأصولية بين مسلمي الولايات المتحدة منخفضة بمقارنتها بمثيلاتها الأوروبية.