الأثر الجمالي المركب في كتاب: «المنعطف الفرجوي وسؤال الثقافة»

2023-11-05

عبد السلام دخان

المسرح مشهد فرجوي، وأداء بصري، وعمل جسدي، وتمرين صوتي وإيمائي متجدد، ولفهم ماهية المسرح، ومحاولة فهم منعطفاته، وأنساقه كان لزاما الإنصات إلى الرؤى النقدية التي تتخذ من تحققاتها الفرجوية مجالا للدراسة والتأمل النقدي، ومن النادر مقاربة الفعل المسرحي، ورصد منعطفاتها للفرجوية والأدائية من قبل المبدعين أنفسهم، هذه المقاربات التي تزاوج في جل منجزها بين التنظير والممارسة ترتبط بالتوجهات الجديدة للدراسات الثقافية والأنثروبولوجية، وما ينتمي إلى جماليات الفنون البصرية. ولعل الانطلاق من فرضية كون المسرح تجربة حية لا تنفك تتجدد، مردها الرغبة في الإنصات لنبضه وتحققاته الجمالية، بالتوازي مع تحققاتها الفرجوية، وما يتيحه النص المسرحي بطاقته الميلودرامية، من قدرة على تخييل الأشكال الفرجوية، وتحرير العرض من الأحكام المسبقة، وهو الطموح الذي يروم كتاب «المنعطف الفرجوي وسؤال الثقافة» للمسرحي والباحث محمد زيطان، الصادر عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، وهو عبارة عن دراسة في تحولات المشهد الفرجوي، من منطلقات ابستمولوجية، ترتبط بالواقع الثقافي الجديد، الذي أصبح يتشكل بفعل سلطة الميديا، وتشابك خيوط العالم الافتراضي عبر تطبيقاته المختلفة.

الكتاب يقع في 157 صفحة من القطع المتوسط، كتب كلمته التقديمية الخبير في الأشكال الأدائية والفرجوية خالد أمين الذي يقول: «يستفزنا المبدع الباحث محمد زيطان بالأسئلة الحارقة والآنية وهو يقول: (ففي ظل ما بعد الدراما، أصبح التمييز بين ما هو مسرحي وغير مسرحي أمرا معقدا، لأن منطق التصنيف بات محكوما بأنساق «الفرجة» في شموليتها ورحابة سياقاتها، حتى أننا نجد أنفسنا مجددا وكأن عجلة التاريخ، عادت بنا إلى الخلف لنسأل بسذاجة: ما المسرح؟). كما يقحمنا في تأمل خلاق بخصوص «الحدود».. وأنا بدوري أتساءل: ما هي حدود المسرح؟». يتطرق الكتاب إلى مجموعة من المحاور، التي قاربها المؤلف مستندا إلى تجربته الشخصية في العمل المسرحي، كتابة وإخراجا واشتغالا أكاديميا، وإلى انفتاحه على حقول معرفية متعددة، كحقل الدراسات الثقافية، والأنثروبولوجيا، والسيميولوجيا. ومن بين تلك المحاور نجد: الثقافة والمسرح ـ التلقي المسرحي ـ الجسد الفرجوي ـ الميتا مسرح وفرجة الاحتجاج ـ واقع الكتابة المسرحية ـ حيث يمهد لها الكاتب بمقدمة يقول في مستهلها: «جاء هذا الكتاب في سياق الحديث عن الوضع الاعتباري للمسرح هنا والآن، في عصر التحولات المتسارعة والتغيرات المداهمة، لذلك فهو ينخرط في منظومة فكرية وثقافية أولا، ثم فنية إبداعية كونية، تحاول ملامسة قضايا جوهرية، تخص كينونة المسرح وتحدياته الممكنة، من خلال البحث عن علاقات جديدة قائمة أو محتملة بين فن المسرح والعالم. علاقات تتساوق فيها اليوتوبيا والرهان الجمالي، ما دام المسرح يحتفظ دائما بذاكرته الفردية، التي تسعى إلى إعادة تشكيل العالم».

يراهن محمد زيطان في عمله النقدي على بيان البعد الحضاري للمسرح إلى جانب بعده الجمالي، حيث يذهب إلى أن المسرح ليس مجرد مرآة تعكس الحضارة، كما جرت العادة في الحديث عن خصائصه الفضلى، بل هو حضارة موازية في حد ذاته، وباعث على الحس الحضاري والإنساني بشكل عام، ذلك أن مجرد اجتماع الناس باختلافاتهم، ودون إكراه، في مكان بعينه، من أجل ممارسة طقس غير عدواني أو سلبي، يتمثل في مشاهدة حية لعوالم الفرجة المسرحية، يعتبر بحق تجليا للحضارة، وباعثا على البناء والتواصل والتماسك، مقابل صفات النمطية والتفرقة والأنانية وعدم القبول بنقد الآخر، ولا حتى القبول بنقد ذاتي خاص. إن الأمر شبيه بما عبر عنه جي ديبور في كتابه «مجتمع الفرجة الإنسان المعاصر في مجتمع الاستعراض» حيث الكل يشارك في المشهد الفرجوي لتتحقق المصالحة مع الحياة الفعلية عبر أعمال جماعية يعاد تشكيلها في سياق مركب بهدف خلق شخصية متكاملة، حيث الإنسان أصبح محاصرا بـ»السيمولاكر» ولم يعد ممكنا العيش خارج ما سماه جيل دولوز بعصر الصورة.

المسرح يقدم صورا حيوية ورفيعة نابضة بالحياة، والصورة بالمفهوم الذي تحدث عنه جان بودريار لم تعد تحاكي الواقع فقط، بل أصبحت تسبقه، فالصور تحدث أولًا ثم تحدث المحاكاة لها في الواقع، وبموجب ذلك أصبحت الفرجة أحد المبادئ المنظمة للاقتصاد والسياسة والمجتمع والحياة اليومية. وقول جي ديبور «إن العرض هو اللحظة التي يحتل فيها الاستهلاك الحياة الاجتماعية» يدفعنا إلى الاحتفاء بالحياة قبل تبددها، والفرجة المسرحية أحد التحققات الجمالية للحيوات في بعدها الميلودرامي والجمالي.

بيد أن الفرجة المسرحية ليست تجميعا للفنون المشهدية، بل هي التحقق الفعلي لرؤى جمالية قائمة على تعدد اللغات والأسلبة، والمحاكاة الساخرة، أو ما يسمى كذلك بالباروديا، والحوار، والتهجين، والتناص، والتنضيد، والأجناس المتخللة. الفرجة المسرحية تقدم حيوات متعددة وفق أنساقها المخصوصة، ووفق مرجعياتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، وبموجب ذلك يتحول عرض العمل المسرحي إلى رأسمال رمزي بتعبير بيير بورديو، وربما كانت هذه الرؤية محفزا ابستمولوجيا للعودة إلى التجارب المسرحية، ليس من أجل التمجيد السطحي للذاكرة، بل لممارسة فعل تأويلي يسمح برصد المنعطفات الفرجوية وتحققاتها الجمالية في بيئة يسودها التسامح والاختلاف والاعتراف بالمغايرة، وبحق الآخر في التعبير عن ثقافته الخاصة، وإبراز طاقته التعبيرية بشكل يحقق مزية التواصل البصري، والإدراك العقلي، والتفاعل الوجداني. من جانب آخر عمد المؤلف إلى استحضار أطروحات مجموعة من المفكرين، الذين انشغلوا بمفهوم الحداثة والثقافة، وحاول أن يضيء من خلالها واقع الوعي (الوعي بالذات والآخر) وإشكالية الانحسار الإبداعي في ظل مجتمع استهلاكي، ومن هؤلاء نجد محمد عابد الجابري، طه عبد الرحمان، عبد الكبير الخطيبي، عبد الإله بلقزيز، المهدي المنجرة، إدغار موران، جان بودريار، دافيد لوبروتون.. ليخلص في سياق إحاطته بخصوصية بعض التجارب المسرحية المعاصرة في المغرب إلى أن (القناعة التي نخرج بها في هذا المقام، هي أن كل فهم عقيم لمقومات الحداثة، لا يمكنه أن ينتج سوى أعمال فنية عقيمة، مشدودة إلى سلطة المفكك والموسمي والسطحي، بل المبتذل أحيانا كثيرة. أعمال تكشف خللا في التعاطي السليم والأمثل مع مفهوم الإبداع). وبموجب ذلك يصبح كتاب «المنعطف الفرجوي وسؤال الثقافة» عملا نقديا يسمح برصد سيرورة العرض المسرحي الفرجوي في ضوء رهانات الحداثة، وفي ضوء طاقة الفعل المسرحي وحيويته، وقدرته على توظيف مختلف الإمكانات الدرامية والتاريخية والتخييلية والبصرية.

كاتب مغربي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي