فرانسواز شواب: سيرة متأخّرة لفلاديمير جانكيليفيتش

2023-02-04

إذا كانت "جامعة السوربون" في باريس قد أطلقت، منذ سنوات طويلة، اسم فلاديمير جانكيليفيتش على مكتبتها المخصّصة للفلسفة، فذلك لأنّ الفيلسوف الراحل ترك بصمةً خاصّة في هذه المؤسّسة التعليمية، وهو الذي شغل فيها كرسيّ فلسفة الأخلاق لنحو ثلاثة عقود (1951 ـ 1979)، وساهم في صقل أجيال من المفكّرين الجدد الذين مرّوا بالجامعة الباريسية.

على أن تأثير صاحب كتاب "مفارقة الأخلاق" يمتدّ أبعد بكثير من حرَم هذه الجامعة، ولعلّ أكبر دليل على هذا هو أن أعماله لم تنقطع يوماً عن المكتبات، حيث تُعاد طباعتها بشكل دوريّ، وتجري العودة إليها بشكل دوريّ أيضاً في مناهج تعليم الفلسفة، وفي المؤتمرات العِلمية، وحتى في وسائل الإعلام، خصوصاً وأن جانكيليفيتش عالج في كتاباته عدداً كبيراً من المواضيع التي تهمّ عموم الناس، مثل الصدق، والكذب، والحنين، والتقشّف، والموت، وغيرها.

عن منشورات "ألبان ميشيل" في باريس، صدر حديثاً كتاب "فلاديمير جانكيليفيتش: سِحرُ ما لا يمكن تسميتُه"، للباحثة فرانسواز شواب، إحدى أبرز المختصّين بتجربته، والمسؤولة، منذ سنوات، عن نشر مسوّداته وأعماله التي لم يستطع نشرها في حياته (1903 ــ 1985).

العملُ سيرة للفيلسوف الفرنسي، بل هو، بحسب الناشر والمؤلّفة، أوّل عمل سيَريّ يُكتب عنه، بعد نحو أربعة عقود من رحيله، وكأن حضوره الكبير في الفضاء الفلسفي الفرنسي كان يُغني القرّاء عن معرفة دقائق حياته وتفاصيلها.

تَتّبع المؤلّفة خطّاً زمنياً في وصف تجربة جانكيليفيتش، حيث تنطلق من سنوات الطفولة، واضطرار عائلته إلى مغادرة روسيا نحو فرنسا، التي تعلّم الطفل لغتها سريعاً، دون أن ينقطع عن إرث عائلته وثقافتها، حيث شكّلت قراءاته من الأدب الروسي ــ تولستوي، وليونيد أندرائيف، وغيرهما ــ أساساً في تكوينه.

ويضيء الكتاب على تعلُّم جانكيليفيتش الموسيقى في صغره، وهو الذي سيتحوّل بعد سنوات إلى أبرز الفلاسفة الذين يتناولون الموسيقى في أعمالهم، لتتفرّغ المؤلّفة بعد ذلك لدخول المفكّر عالم الفلسفة من باب معلّمه هنري برغسون، الذي التقاه جانكيليفيتش وهو في العشرين من عمره (1923)، وكتب عنه بعد سنوات أوّل أعماله ("هنري برغسون"، 1931)، متبادلاً معه الرسائل حتى رحيل المعلّم، الذي سيقول قبل أشهر من وفاته إن جانكيليفيتش سيكون "وريثه الفكريّ" من بعده.

وتجعل المؤلّفة من تجربة فلاديمير جانكيليفيتش مدخلاً لفهم عدّة عقود من الحياة الفكرية في فرنسا، إن كان عبر نقاشاته وصداقاته مع عدد من أبرز مُعاصريه، أو من خلال وقوفه إلى جانب الثورة الطلّابية عام 1968 ودعمه للجيل الجديد من المفكّرين الذين ظهروا في ذلك الوقت، أو حتى في دفاعه، إلى جانب جاك دريدا وغيره، عن المحافظة على تدريس الفلسفة في المدارس الثانوية.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي