المدن العربية القديمة مدن رأسمالية كثيرة الحمّامات

العرب
2022-12-06

 أزقة بُنيت بثقافة خاصة

عمّان: تحفل المدن العربية القديمة بتاريخ عريق لم يقع إلى الآن تثمينه أو البناء عليه، ويعود ذلك بالأساس إلى الجهل بماضي هذه المدن وطرق تشكلها الاجتماعية.

وفي إطار التعريف بتاريخ المدن في الحضارة العربية، يرصد عالم الاجتماع مجدالدين خمش في كتابه “سوسيولوجيا المدن في الحضارة العربية الإسلامية: طرق التجارة الصحراوية والعلاقات مع أوروبا” الأدبيات حول المدن في الحضارة العربية الإسلامية، التي تُبرز تركيز الجغرافيين والبلدانيين والمؤرخين العرب والمسلمين في وصفهم المدينة على عنصرَي المساحة والحجم، وكثرة الجماعات والفئات الاجتماعية والمهن، والرخاء المعيشي للسكان، لإضفاء طابع الأهمية على المدينة.

البناء الاجتماعي

المدن في الحضارة العربية الإسلامية

يتأكّد دور الجوانب الاجتماعية والثقافية في بناء المدن العربية القديمة، وهو ما يبرزه يرى الكاتب العراقي صباح ناهي الذي يرى أن المدن العتيقة ليست متساوية الأضلاع أو متناظرة الأشكال، كأن من رسمها معماريون أفذاذ بالمسطرة. موضحا أن المدن العتيقة أعقد من ذلك بكثير في امتداداتها، وتزاحمها وتنويعاتها وضيق شوارعها لكنها بسعة تاريخها الطويل فهي تستطيل حينا وتعرض أحيانا تمشي حيث حياة الأفراد والمجموعات، تسير في طرقاتها نحو امتداد الأنهر وسعة البحار وتناغم الأودية، ولا تعرف التنميط والاعتدال في الشكل والمساحات ولا تبتدئ من حيث انتهى الآخرون، كما تنحو المدن الجديدة المنتظمة في شوارعها وبيوتاتها ومولاتها، ومسارحها وعروضها السينمائية، وتقنيناتها التي خضعت لخرائط دكتاتورية أسيادها المعماريين، ولبّت حاجات مهندسيها المدنيين.

ويتابع ناهي “لم تألف المدن العتيقة، شوارعا واسعة ولم تعتد على الأنفاق المنتظمة بالدورات الكبيرة، وسكانها يكادون يعرفون بعضهم البعض، ولا توجد خصوصية مطلقة لحياة الناس الذين تنصهر قيمهم في الحارات ويتحولون رويدا رويدا إلى أسرة كبيرة يتنادى البعض بأسماء الأمهات ويفخر الأحفاد بأنهم أبناء سيدات صنعن تواريخ الشوارع التي ضمتهم”.

ويوضح خمش في كتابه، الذي صدر مؤخرا في طبعة مزيدة ومنقحة عن دار الصايل للنشر، أن الأدبيات التي تناولت المدينة في ذلك الزمن اهتمت بوجود المسجد الجامع، حيث تقام صلاة الجمعة وصلاة العيدين، ووجود العلماء والقضاة، والسوق التجاري، والتحصينات.

ويعاين الباحث ربطَ ابن خلدون بين نشوء المدن في العالم الإسلامي وترسيخ الحضارة والعمران، حيث تُوفّر المدينة لساكنيها مستوى مناسبًا من رغد العيش والأمن والاستقرار، لتحميهم من المضار والأخطار، وتُيسّر لهم العديد من المنافع الحياتية والروحية.

ويشير خمش إلى تأكيد ألبرت حوراني على الوظيفة التجارية للمدن الإسلامية، بوصفها مراكز توقف للقوافل التجارية، خصوصًا قيامها بدورٍ نشطٍ في استقبال البضائع والسلع ونقلها.

ويوضح أن هناك من ربط بين المدينة والسلطة، والقانون والقضاء، وفرّق بين الأمصار، أي المدن التي أنشأها العرب، مثل البصرة والكوفة (وهما أول مدينتين أنشأهما العرب خارج الجزيرة العربية، إذ أنشئت البصرة عام 15 للهجرة، والكوفة عام 17 للهجرة)، وواسط والفسطاط لدعم الفتوحات العسكرية وإسنادها، والمدن القديمة الرومانية أو اليونانية التي أعاد العرب إنشاءها وتطويرها مثل دمشق وحلب.

 

المدينة العربية كانت توفر لساكنيها رغد العيش والأمن والاستقرار تحميهم من الأخطار وتُيسّر لهم المنافع الحياتية والروحية

ويضيف أن الجغرافيين والبلدانيين والمؤرخين وضحوا عوامل نشوء المدن الإسلامية السياسية والإدارية في حالة بغداد وواسط وسامرّاء؛ والعوامل العسكرية في حالة الأمصار، خصوصًا البصرة والكوفة؛ والعوامل الدينية في حالة النجف وكربلاء والكاظمية. كما ركّزوا على العوامل الجغرافية والموارد الاقتصادية والنشاطات الإنتاجية خصوصًا الزراعة والري، والتجارة، والنشاطات الحرفية كما هي الحال في مدن عديدة في الخليج العربي مثل الجميرا والفجيرة وتوام، ومدن أخرى عديدة مثل حماة وقرطبة وشهرستان، ومدينة العريش في مصر.

ويلفت خمش إلى أن الكتابات القديمة أبرزت كثرة الحمّامات وانتشارها في المدن الإسلامية، مؤكّدة أن المدن الإسلامية مدن أصيلة، مستقرة، تتوافر على المؤسسات المهنية والتجارية والمالية والعلمية والدينية والقضائية والسياسية.

ويرجع هذا إلى النظام الحياتي للعرب ونظامهم الديني في صلواته الخمس وتقديس الطهارة علاوة على أن المدن انعكاس لثقافات أهلها القائمة على الاحتشام وسرية الحياة الخاصة وغيره من التقاليد.

رأسمالية المدن

كتاب يرصد التحوّلات الحضرية في العالم العربي الإسلامي

يتّضح من تحليلات الكتاب أن الحضارات الشرقية (الإسلامية والصينية والهندية والأفريقية) كانت حتى نهايات القرن الثالث عشر للميلاد على الدرجة نفسها من التطور مقارنة بالحضارات الأوروبية، بل إن بعضها كان أكثر تطورًا من الحضارة الأوروبية نفسها خلال الفترة بين القرنين العاشر والرابع عشر للميلاد.

 وبحسب الباحث، تم وصف النشاط الاقتصادي في المدن الإسلامية بعد القرن الثامن للميلاد بأنه كان نشاطًا رأسماليًّا متقدمًا يقوم على عقلانية الإجراءات لتحقيق الأرباح، ويعكس فهمًا عميقًا للسوق ومتطلباته، وحاجاته في مناطق الإسلام المختلفة، خصوصًا في المدن الإسلامية. كما كان لسلسلة الاختراعات الإسلامية التطبيقية دورها الكبير في تسهيل ذلك، فقد أتاح اختراع المسلمين للسفينة ذات الشراع مثلث الشكل، والتطويرات اللاحقة عليه، الإبحارَ لمسافات بعيدة، لاسيما في المحيط الهندي، كما أسهم تطوير الإسطرلاب المرتبط بالتطورات الكبيرة في علم الفلك والرياضيات في تطوير الملاحة التجارية والعسكرية.

ويرصد خمش ما ذكره جون هوبسن في كتابه “الجذور الشرقية للحضارة الغربية” من أن صناعة الورق التي بدأت في نهايات القرن السادس للهجرة/الثاني عشر للميلاد أسهمت في تطوير العلم والتأليف، وأسهمت فيما بعد في نشوء الطباعة في أوروبا التي لعبت دورًا ملموسًا في إحداث النهضة الأوروبية الحديثة.

 ووفقًا لهوبسن شهدت تلك المرحلة تنافسًا شديدًا بين الحضارتين العربية الإسلامية من جهة والحضارة الغربية من جهة أخرى في مجالات تطوير الأسلحة النارية، وتقنيات الملاحة البحرية، والعلوم بمختلف أنواعها، بعد أن قام الأوروبيون بنقل الكثير من المعارف، والتطبيقات التقنية، والكتب العلمية العربية من الأندلس (إسبانيا) إلى بلادهم.

وكان الأوروبيون قبل ذلك قد أرسلوا البعثات إلى الأندلس لتعلم العلوم الطبية، وعلوم الفلك، والكيمياء، وتصنيع التقنيات المادية والعسكرية، ثم عادت هذه البعثات إلى الممالك الأوروبية ونشرت العلوم والتقنيات العربية فيها، لاسيما في المجالات الطبية والعسكرية، ليشكّل ذلك عاملًا أساسيًا في نهضة أوروبا علميًّا وعسكريًّا وصناعيًّا.

يذكر أن الكتاب يتضمن ستة فصول: الأول حول المدن في الحضارة العربية الإسلامية.. تعريفها وخططها، والثاني حول التحوّلات الحضرية في العالم العربي الإسلامي، والثالث حول التنظيم الاجتماعي للمدينة العربية الإسلامية ومكوّناته، والرابع حول تأثير المدن العربية الإسلامية في النهضة الأوروبية الحديثة، والخامس حول تحديث المدن العربية الإسلامية على النمط الأوروبي، والسادس خاتمة الكتاب.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي