بيضاءَ أُريدُها أنْ تعودَ كلُّ رسائلي

2022-11-10

كريستينا كامبو

بَعيدَيْنِ عَن بَعضِنا سَنمُوت، وسَيكونُ كَثيرًا عَليَّ

إنْ أنا أسْنَدتُ إلى كَفِّكَ خَدِّي

في رَأسِ السَّنة، وإنْ أنْتَ في كَفِّي تَأمَّلتَ

آثارَ رَحيلٍ آخَر.

نَزْرٌ ما نَعْرِفُهُ عَنِ الرُّوح.

رُبَّما سَتشْربُ مِن أحْواضِ

لَيالٍ جَوْفاءَ لَمْ تَطأها قَدَم،

سَتحُطُّ أسْفلَ حُقولٍ شاسِعَةٍ

تَنبَثِقُ فيها الصُّخور.

آهٍ يا سَيِّدي ويا أَخي! ونَحْنُ في إِناءٍ مِنَ البَلُّور

رُبَّما أفْواجٌ مِنَ الدَّارِسينَ عَنَّا سَيكْتُبونَ

بَعْدَ ألْفِ شِتاء:

"لَيْسَ ثَمَّةَ ما يَربُطُ بَينَ هَؤلاءِ المَوْتى

في هذا المَدْفَنِ القَفْر".

■ ■ ■

هُناكَ في الأَسْفلِ بَقيَتْ، دافِئةً،

الحَياةُ، والهواءُ الّذي لَهُ لَونُ عَيْنيَّ، والوَقْتُ

تَحرِقُ كلُّها في أَعْماقِ الرِّيح،

أيديًا حيّةً، وَهي تَبْحثُ عَنِّي…

واللَّمْسةُ العَطوفُ بَقيَتْ، لَمْ أَجدْها

سوى بَيْنَ غَفْوتَيْن، وخِبْرتي الأبَديَّةُ المُهشَّمة.

وأنْتِ، أيَّتها الكَلِمة الّتي تُحيلُ الدَّمَ دَمعًا.

لَنْ أحمِلَ مَعي حَتّى وَجْهًا،

وقَدْ آلَ إلى وَجْهٍ آخَرَ

كما انْعكاس وَجْهٍ في كأْسِ نَبيذٍ

وقَدْ نَهشَهُ اتِّقادُ الصَّمت.

سأَعودُ وَحيدَةً

إلى الأَسْفلِ هُناك، ما بَيْنَ غَفْوتيْنِ، أَرَى الزَّيْتونَ

زهْريًّا فوقَ الجِرارِ يَمْلؤها الماءُ والقَمَر

في الشِّتاء الطَّويل. سأعودُ إليْكَ، وأنْتَ تُقاسي الزَّمْهرير،

في غِلالةٍ شفيفةٍ من نار.

■ ■ ■

اسْمُكَ اليَومَ يا حَبيبي

أفْلَتَ مِنْ بيْن شفَتَيَّ

كَما تُفْلِتُ المِرْقاةُ الأَخيرةُ من القَدَم.

ها قدْ تَبدَّدَتِ الآنَ مِياهُ الحَياة

وعليْنا أنْ نبْدَأ مِنْ جَديد

في ارْتِقاء هذا السُّلَّمِ الطَّويلِ.

لقَدْ قايَضْتُكَ يا حَبيبي بالكَلِمات.

عَسَلٌ أسْوَدُ هذا الّذي تَشُمُّ

في جِرارٍ شَفيفَةٍ

تحْتَ ألفٍ وسِتّمائة عامٍ مِنَ الحُمَم.

سأتَعرَّفُ عَليْكَ، يا حَبيبي،

مِنْ صَمتِكَ الأبَديِّ.

■ ■ ■

والآنَ بيْضاءَ أُريدُها أنْ تَعودَ كلُّ رَسائلي

ومَنْسيًّا يعود اسْمي، ومُوصدةً تَعودُ مَحاسِني،

أريدُ أنْ أسْتلْقيَ على زوايا الأيام

وأقودَ حَياتيَ إلى مُنْتصفِ اللَّيْل.

والوادِي الزَّهريُّ بأشْجارِ الزَّيْتون

والمَدينةُ المَنسوجَةُ بقِصَصِ عِشْقي

أُريدُها أنْ تَنْطويَ مِثْلَ كَفٍّ قَصيرة،

كَفِّي الّتي نَقَشَ المَوتى عَليْها آثارَهم.

آهٍ أيُّها الشَّرقُ الأوْسطُ المَمْدودُ في صَوْتِه،

أودُّ أنْ أصْحوَ في الطَّريقِ إلى دِمَشْقَ –

ألّا لا ارْتَفع النَّظرُ إلى سَماءٍ غيْر سمائِه،

حَيْثُ فاضَتْ بَهْجةُ الحَياةِ على الصَّليب.

■ ■ ■

مُخْلِصةً مِثْل غُصْنٍ

أحْنتْهُ ثلوجٌ كَثيرة،

بَهيَّةً مِثل شُعلَةٍ

في تِلالِ النِّسْيان،

وفوْقَ صَفائِحَ حادَّةٍ

في كَنْزةٍ بَيْضاءَ من نَبْتَةِ القُرَّاص

سأُعلِّمُكِ يا رُوحي

خَطْوةَ الوَداعِ هذه.

■ ■ ■

يَتكاثَفُ الهَواء يوْمًا بعْدَ يومٍ مِنْ حولِكَ

ويوْمًا بَعْدَ يومٍ يأْكُلُ أجْفاني.

خَبَّأ الكَوْنُ وَجْهَهُ

والظِّلالُ تَقولُ لي: إنَّهُ الشِّتاء.

أنْتِ في الفَضاء العُذْريِّ حيْثُ في مَهْدِها تَمْكُثُ

جُزُرٌ خامِلة، وأنا في فَزَعِ اللَّيْلَكِ، واليَمامُ في أوْجِ هديلِه،

أسْلُكُ طَريقَ الجُنونِ، السَّاكِن المَأهول.

تَصْطَفُّ كَثيفةً نَبْتات القُنَّبِ، والزَّيْتون

والأسْواقُ والسُّنون... وأنا لا أُخْفضِ جَفْنيَّ.

سَيأتي مُنْتَصفُ اللَّيْل، الصَّرْخةُ الأُولى للصَّمْت،

والتَّهاوي الطَّويل

لِطائِرِ التُّدْرُجِ، ما بَيْنَ جَناحَيْه.

بطاقة

Cristina Campo هو الاسم المُستعار الّذي اتّخذته الشَّاعرة والمترجمة والنّاقدة الإيطاليَّة فيتّوريا غورّيني، واشتُهرت به. ولدتِ الشّاعرة في مدينة بولونيا عام 1923، وتوفّيت في بارما عام 1977، وكان أبوها موسيقيّاً، بينما تنتمي عائلتها إلى الطَّبقة البرجوازيّة في المدينة. عانتْ طوال حياتها القَصيرة من قصور قلبي، منعها من ارتياد المدرسة بنحو طبيعي، ما اضطرها إلى الدّراسة في البيت، وقد أشرف أبوها على تدريسها، إضافة إلى مدرّسين خاصّين. كانتْ تربطها علاقات ودِّيّة مع أدباء عصرها، إيطاليِّين وغير إيطاليِّين، مثل أوجينيو مونتاله، آلدا مريني وعزرا باوند. وفي أواخر سني حياتها ازداد لديها الشُّعور الدّيني، بالذّات بعد وفاة أبوَيها، وأصبحتْ تواظب على حضور القدّاس، وظهر ذلك واضحاً في شعرها وفي مقالاتها. صدر لها العديد من المؤلّفات، ما بين شعر ومقالة ومراسلات، والكثير من التّرجمات في الشِّعر وفي النَّثر.

ترجمة عن الإيطاليّة: كاصد محمد








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي