على خطى تل أبيب.. الهند تقمع المسلمين بالقتل والهدم والفصل العنصري

الأمة برس - متابعات
2022-06-28

المسلمون في مدينة غورغان الهندية يعانون من تناقص أماكن الصلاة (التواصل الاجتماعي)

عبدالرحمن النجار

سيرًا على خطى تل أبيب، فإن سياسة هدم المنازل التي تتبعها الحكومة القومية الهندوسية تدمر مقومات الاستقرار وحتى الحياة للمسلمين الهنود. حول هذا الموضوع أعدت لاديدا فارزانا، الطالبة في الجامعة الملية الإسلامية في الهند، مقالًا لها نشره موقع «ميدل إيست آي».

أوضحت فارزانا، إحدى أبرز الناشطات المناهضين لـ«الهندوتفا»، و«الإسلاموفوبيا» في الهند، أنه بوصفها مسلمة ولدت في مناخ سياسي مضطرب بسبب الهدم غير القانوني لمسجد بابري في عام 1992، فقد ساعدت دراسة هذه الحقائق ومراقبتها في الهند وفي أجزاء أخرى من العالم في تشكيل وعي جيلها السياسي. مؤكدة أن الصور القادمة من فلسطين – استعمار الأراضي والفصل العنصري وهدم المنازل – عمقت معرفتها بالذاتية السياسية الهندوسية التي تتميز بالعنف البنيوي.

أصبحت هذه الصور اليوم جزءًا من الحياة اليومية للمسلمين الهنود. وترى الكاتبة أنه يجب تحليل التطورات الأخيرة في الهند على خلفية الحرب ضد الأقلية المسلمة داخل دولة تنتشر فيها الإسلاموفوبيا.

في محاكاة للنموذج الإسرائيلي، استخدمت الحكومة الهندية القومية الهندوسية اليمينية الجرافات في السنوات الأخيرة أداة للقمع والعقاب الجماعي. غالبًا ما يستهدف هدم الممتلكات، الذي يُعد قانونيًّا، النقاد والمتظاهرين السلميين ويجري تنفيذه بعدوانية دون إشعار مسبق.

في أوتار براديش، هُدِم منزل جاويد محمد، الناشط السياسي في حزب الرفاه الهندي، بعد اعتقاله على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في مدينة الله أباد. جاء إشعار الهدم قبل ليلة واحدة فقط من التنفيذ 11 يونيو (حزيران). واحتُجزت زوجته وابنته لفترة وجيزة، لكن أُطلق سراحهما بعد ذلك.

من مواطنين إلى لاجئين

كشفت فارزانا عن أن المهرجانات والتجمعات الهندوسية باتت مسرحًا لإطلاق العنان لعنف واسع النطاق ضد المسلمين، خاصة في الولايات التي تحكمها طائفة هندوتفا. أثارت المواكب خلال احتفالات رام نافامي وهانومان جايانتي الدينية هذا العام أعمال عنف طائفية حيث مر منظموها بالمساجد والأضرحة الإسلامية.

وقد بلغ تصاعد العنف ضد الأقليات المسلمة ذروته في حملة هدم واسعة النطاق استهدفت منازلهم ومساجدهم وشركاتهم. في فترة زمنية قصيرة، تحول المسلمون إلى لاجئين في قراهم بسبب هذه المذبحة العنيفة التي ترعاها الدولة والقمع المؤسسي.

في الشهر الماضي – تضيف فارزانا – أدلت نوبور شارما، المتحدثة الرسمية باسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، بتصريحات في برنامج تلفزيوني مسيئة للنبي محمد، مما أدى إلى مظاهرات واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد.

ولكن أُجبر حزب بهاراتيا جاناتا على تعليق عضوية شارما في الحزب بسبب غضب الدول العربية، والدعوات لمقاطعة المنتجات الهندية على وسائل التواصل الاجتماعي. ردًّا على هذه الخطوة، شنت قوات الهندوتفا هجمات عنيفة بدعم من جهاز الدولة.

قوبلت المظاهرات بقمع الشرطة والضرب العنيف والاعتقالات الجماعية وقتل الطلاب وهدم الممتلكات، وهو تكتيك أصبح الآن جزءًا لا يتجزأ من إستراتيجية الإبادة الجماعية التي تتبعها طائفة الهندوتفا. كما جرى تلفيق القضايا الجنائية ضد المتظاهرين السلميين الذين حُرموا من الحقوق القانونية وحقوق الإنسان.

من التظاهرات في تشيناي بالهند الجمعة 10 حزيران/يونيو 2022 احتجاجا على تصريحات مسؤولة في الحزب الحاكم في البلاد حول النبي محمد (ا ف ب)

أرض هندوسية مقدسة

وتؤكد فارزانا أنه منذ وصول حكومة ناريندرا مودي إلى السلطة في عام 2014، اكتسب مشروع هندوتفا السياسي العنصري ضد المسلمين زخمًا في الهند.

تتحول الهند بسرعة إلى دولة قومية هندوسية شمولية من خلال عمليات الإعدام خارج نطاق القانون وحملات الكراهية والإجراءات الانتقامية ضد المؤسسة السياسية والاقتصادية الإسلامية. وفي تناقض صارخ مع العملية الديمقراطية القائمة، يكتسب مشروع الإبادة الجماعية استحسان المجتمع من خلال الأغلبية الشعبوية.

باختصار، كل ما تبقى هو الإعلان عن أن الهند رسميًّا دولة هندوسية. تعتقد قوات الهندوتفا وأتباعها أن المسلمين ليس لهم الحق في الوجود في الهند، وأنها أرض هندوسية مقدسة. وجزءًا من عملية بناء الأمة الهندوسية، يتعرض المسلمون للترحيل القسري، أو يظلون مجتمعًا محرومًا من الحقوق، كما تعهد الزعماء الروحيون الهندوس في وقت مبكر.

يقول إم إس جولوالكار، أحد قادة منظمة التطوع الوطنية وهي منظمة يمينية هندية وقومية هندوسية شبه عسكرية، أن «الإقليم لم يكن أمة؛ فالشعب يشكل أمة. من كان هذا الشعب؟ في الحالة الهندية، الهندوس».

وجادل فير سافاركار، الرجل الذي يُنسب إليه الفضل في إنشاء هندوتفا، بأن الحقوق التي يستحق الهندوس التمتع بها كأغلبية في ظل إطار ديمقراطي وقانوني لا يمكن إنكارها أبدًا، وهي الدافع الأساسي للمشروع القومي الهندوسي. وفي سياق تشكيل دولة قومية جديدة تضمن المساواة الدستورية في المواطنة، أعلن سافاركار أن «الأقليات لم تعد بحاجة إلى حقوق خاصة».

في عام 2019، اقترحت الحكومة بقيادة هندوتفا قانون تعديل المواطنة خطوةً عملية نحو تحقيق أمة هندوسية. عندما يتعلق الأمر بـ«الأمة الهندوسية»، فمن الواضح أن المرء يصبح هنديًّا فقط عندما يصبح هندوسيًّا.

أوضاع المسلمين

تقول فارزانا إن جيانيندرا باندي، المفكر السياسي والاجتماعي الهندي البارز، تساءل عما إذا كان بإمكان المسلم أن يصبح هنديًّا. ويشير إلى أن: «كل الهندوس يصبحون بطبيعتهم قوميين لمجرد كونهم هندوسًا، بينما يصبح المسلمون أيضًا شيوعيين بحقيقة [كونهم مسلمين]. لتجنب ذلك، يجب على المسلمين أن يثبتوا باستمرار أنهم قوميون».

كما أشار مفكر اجتماعي وسياسي بارز آخر في الهند، البروفيسور جي الويسيوس، في دراسته «قومية بلا أمة في الهند» إلى أن القومية الهندية تشكلت ردًّا على الاحتلال الاستعماري البريطاني ولحماية مصالح الطبقة العليا من الهندوس في الهند.

ثمة فرضية تاريخية مهمة أخرى بُني عليها قانون تعديل المواطنة بعد تشكيل باكستان في عام 1947. ولم يُمنح المسلمون المتبقون في الهند إلا المواطنة المشبوهة التي تمنع اندماجهم في القومية الهندية. كان المسلمون النظراء العرقيين للقومية الهندية، مما أدى إلى السياسات الحالية التي تجعلهم عديمي الجنسية في بلادهم.

شكل حكم المحكمة العليا في عام 2019 بمنح أرض مسجد بابري لمعبد رام وتبرئة مجرمي هندوتفا الذين هدموا المسجد في عام 1992 ظلمًا قانونيًّا صارخًا يحرم المسلمين من حقوقهم الدينية – واستمرارًا لهجمات الدولة المنهجية على المؤسسات الدينية الإسلامية.

أمر المحكمة لعام 2022 الذي حظر الحجاب بحجة قواعد اللباس في المؤسسات التعليمية في ولاية كارناتاكا كان مدفوعًا أيضًا من قبل هندوتفا. ومن المفارقات، أنه على الرغم من معارضتهم للحجاب لانتهاكه الزي المدرسي، فإن أتباع الهندوتفا يرتدون عادة شالات الزعفران التي لا تعد ضرورة دينية في الهند.

يعد حكم بابري وحظر الحجاب من العلامات الواضحة على إنكار الحقوق الدينية والثقافية للمسلمين. قضت محكمة كارناتاكا العليا بأن الحجاب ليس ممارسة دينية أساسية، معلنة أن المحاكم – وليس السلطات الدينية – هي التي ستقرر مثل هذه الأمور.

أيدت المحكمة العليا هذا الحكم الذي يحرم المسلمين من ارتداء ملابسهم بينما تسمح للأقليات الأخرى مثل السيخ بالحفاظ على عمائمهم في المؤسسات الهندية. على الرغم من وجود العديد من المؤسسات التي يُحظر فيها ارتداء الحجاب باسم الزي الرسمي، كانت هذه هي المرة الأولى التي يفرض فيها أمر من المحكمة حظرًا قانونيًّا.

سياسة العدو

تضيف فارزانا أن الإسلاموفوبيا التي تقود سياسات الهندوتفا لا تقتصر على أقصى اليمين في الهند. طور عالم الأنثروبولوجيا السياسية عرفان أحمد إطار عمل نقدي لفهم السياسة الهندية باستخدام مفهوم راينهارت كوسليك للصراع. ويلاحظ أنه بخلاف الخلافات السطحية، تلتقي جميع الأطراف أيديولوجيًّا حول سياسة «العدو».

يدرس أحمد كيف أن تهميش الإسلام والمسلمين في الهند ليس ظاهرة شعبية فحسب، بل هو أيضًا جزء لا يتجزأ من النفسية السياسية للهند. كما أن الجماعات المناهضة للفاشية والمعارضة، مثل النسويات، ووسائل الإعلام الليبرالية، والدستوريين، والعلمانيين، والليبراليين اليساريين، تروج أيضًا للروايات المعادية للإسلام بطرق مختلفة، فهم ينكرون الهوية الإسلامية ويخشون المنظمات الإسلامية وينزعون إنسانية المسلم المتدين.

على سبيل المثال – تكشف فارزانا – يصور العديد من الحلفاء المناهضين للفاشية في الهند الحجاب على أنه علامة على اضطهاد النساء المسلمات، ومن ثم يشجعونهن على خلع حجابهن في المساحات التقدمية والعلمانية مثل المؤسسات التعليمية. تتجذر النسوية الهندية إلى حد كبير في الأفكار الغربية وتقدم الصور النمطية الاستشراقية عن «المرأة المسلمة المضطهدة» و«الرجل المسلم القمعي».

في العام الماضي، حتى بعد طرح المئات من الناشطات المسلمات للبيع في «المزاد» على الإنترنت، التزمت النسويات السائدة الصمت. على الرغم من أن حماية المرأة هي مبدأ دافع للتيار النسوي السائد في الهند، فإنهن لم يتناولن هذه القضية لأنهن ربما لم يجدن شريرًا مسلمًا.

وبالمثل، فشلت الجماعات المناهضة للهندوتفا في طرح مشروع لإزالة التطرف من أتباع الهندوتفا ثقافيًّا ودينيًّا، على الرغم من أنهم أكبر حشد عنيف في الهند. في مفهومهم، فإن المسلمين فقط هم المتطرفون ويهددون الأمن القومي؛ والعنف الذي ترتكبه قوات هندوتفا له دوافع سياسية. ينتقد المثقفون والعلماء المسلمون هذا النهج على نطاق واسع.

مظاهرة تضامنا مع المحجبات المسلمات ضد منع الحجاب في الهند (التواصل الاجتماعي)

إعلان حرب

تؤكد فارزانا أنه عندما قام مسلمو الهند والجامعات الإسلامية باحتجاجات ضخمة ضد خطة الحكومة لترحيل المسلمين بموجب قانون تعديل المواطنة، تم سجن القادة بموجب قوانين صارمة، بما في ذلك قانون الأمن القومي، وقانون منع الأنشطة غير المشروعة.

على الرغم من أن قوات الهندوتفا لم تتمكن بعد من تطبيق قانون المواطنة عمليًّا، فإن سياسة التجريف الحالية هي إعلان حرب على المسلمين، مما يدمر أسس الاستقرار وحتى الحياة.

كل المفاهيم والأفكار والمؤسسات التي تشكل الدولة القومية الحديثة مثل الديمقراطية والليبرالية والعلمانية وسيادة القانون كانت حبرًا على ورق أمام مشروع الإبادة الجماعية للمسلمين. لكن الدعم من الأفراد والجماعات على الصعيد الدولي كان مصدر إلهام كبير للمسلمين الهنود.

تحت أنقاض منازلهم ومساجدهم التي دمرت بالجرافات، زرع المسلمون في الهند ثقافة المقاومة. سيواصل المسلمون الهنود القتال من أجل وجودهم أثناء كتابة تاريخهم الخاص في النضال ضد الظلم.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي