لماذا يصور الغرب هزيمة روسيا على أنها ضرورية «لإنقاذ البشرية»؟

الأمة برس - متابعات
2022-06-20

دبابة روسية تحترق (ا ف ب)

عبدالرحمن النجار

إن الدعوات لإلحاق هزيمة حاسمة بروسيا في حربها على أوكرانيا مضللة، ولن تمنع بالضرورة بوتين أو غيره من استخدام القوة. هذا ما خلص إليه ستيفن إم. والت – كاتب العمود في «فورين بوليسي» وأستاذ في جامعة هارفارد – في مقال له نشرته المجلة الأمريكية.

وأوضح والت أن الغربيين – مثل الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرج – الذين يفضلون زيادة الدعم لأوكرانيا يشيرون أحيانًا إلى أن إلحاق هزيمة حاسمة بروسيا سيمنع الحروب المستقبلية في أماكن أخرى. فإذا هُزمت روسيا هزيمة نكراء فسيكون الغرب قد أظهر أن العدوان لا يؤتي ثماره. وسيتعلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الدرس، ولن يحاول الإقدام على مثل هذه الأفعال مرة أخرى، فضلًا عن أن قادة العالم الآخرين الذين ربما يفكرون في استخدام القوة – مثل الرئيس الصيني شي جين بينج – سيفكرون مرتين قبل تجربة شيء مماثل.

يذهب بعض المراقبين، مثل فرانسيس فوكوياما، إلى أبعد من ذلك، ويقترحون أن إلحاق هزيمة نكراء بروسيا يمكن أن تنهي الشعور بالضيق الذي عانت منه الليبرالية الغربية في السنوات الأخيرة، وتستعيد «روح عام 1989» المنحسرة.

ومع ذلك فإذا فشلت أوكرانيا والغرب في إلحاق هزيمة ساحقة بالمعتدي الروسي، وإذا أُجبرت كييف في النهاية على التنازل لموسكو، فسيجري الدفاع عن المُثل غير الليبرالية جزئيًا، وسيؤدي ذلك إلى زيادة خطر حدوث عدوان في المستقبل. كما كتب الرئيس الأمريكي جو بايدن في صحيفة نيويورك تايمز: «إذا لم تدفع روسيا ثمنًا باهظًا لأفعالها، فسوف ترسل رسالة إلى المعتدين المحتملين الآخرين بأنهم يستطيعون أيضًا الاستيلاء على الأراضي وإخضاع البلدان الأخرى». والأكثر إثارة للقلق هو أن المؤرخ تيموثي سنايدر يحذر من أن «مصير الديمقراطيات على المحك».

كانت الحجج من هذا النوع عنصرًا أساسيًا في الخطاب المتشدد (وخاصة المحافظين الجدد) لعقود. مثل نظرية الدومينو، التي ترفض الموت بغض النظر عن عدد مرات دحضها، فإن مثل هذه الادعاءات تحول نتيجة صراع واحد إلى صراع من أجل مصير الكوكب بأسره. وبذلك فإن الخيار الذي يقال لنا أن نواجهه يعد ظالمًا، فالخيار بين مسار واحد من اثنين إما أن تسلك مسارًا واحدًا: نظام ليبرالي متجدد يقوده تحالف موحد من الديمقراطيات القوية المحبة للسلام، ومستقبل تندر فيه الحرب ويسود الرخاء، أو: عالم يتزايد فيه الاستبداد، ويقضي على حقوق الإنسان، والمزيد من الحروب. ووفقًا لهذا الرأي يجب أن تحقق أوكرانيا نصرًا عظيمًا، وإلا خسرنا كل شيء.

إن تأطير القضية بهذه الطريقة، بحسب الكاتب، يؤدي إلى تكديس الأمور لصالح المزيد من التوغل ورفض أي نوع من التسوية، ولكن هل الخيار حاسم كما يراه المتشددون؟ هل هزيمة المعتدي تعلم الآخرين حقًا أن يتصرفوا بشكل أفضل؟ سيكون العالم أكثر اعتدالًا إذا كان هذا هو الحال، لكن نظرة سريعة على القرن الماضي أو نحو ذلك تشير إلى العكس.

دروس من الحربين العالميتين

يؤكد والت أنه على الرغم من أن جميع القوى الأوروبية الكبرى لعبت دورًا في اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت ألمانيا القوة الدافعة خلال أزمة يوليو (تموز) عام 1914. فبسبب خوفها الشديد من القوة الروسية الصاعدة، تذرع القادة الألمان باغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، والمواجهة بين النمسا، والمجر، وصربيا، لشن حرب وقائية من أجل الهيمنة على أوروبا. ولكن كانت النتيجة أربع سنوات مروعة من الحرب، وهزيمة ألمانية مدمرة على يد الحلفاء، ونهاية حكم آل هوهنتسولرن وحلفائهم النمساويين، والمجريين، والعثمانيين، وفرض معاهدة سلام مذلة.

ومع ذلك فإن الحقيقة الجلية لهزيمة ألمانيا لم تعلم أدولف هتلر ألا يقوم بمحاولته للهيمنة على أوروبا بعد حوالي 20 عامًا؛ في الواقع ساعدت في ذلك انتشار الأسطورة القائلة بأن ألمانيا قد طُعنت في الظهر، وأن السلام القاسي الذي فُرض في فرساي أدى إلى تأجيج صعود النازية ومهد الطريق لجولة أخرى من الحرب. كما أن مذبحة الحرب العالمية الأولى لم تعلم الإمبراطورية اليابانية أن محاولة بناء إمبراطوريتها في آسيا كانت فكرة سيئة، بحسب الكاتب.

ثم عوقب كبار المعتدين في الحرب العالمية الثانية، وتعرضت اليابان للقصف بالقنابل الحارقة مرارًا وتكرارًا، ودُمرت اثنتان من مدنها بالقنابل الذرية؛ واحتُلَّت ألمانيا ومن ثم تم تقسيمها إلى دولتين منفصلتين؛ ومات هتلر والزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني. وما من إثبات أوضح من ذلك على أن «العدوان لا يجدي نفعًا»، ويمكن الدفع بأن كلًا من ألمانيا واليابان تعلما هذا الدرس جيدًا. لكن هذا الدرس لم يمنع كيم إيل سونج من مهاجمة كوريا الجنوبية عام 1950، أو إقناع العديد من القادة في أماكن أخرى في آسيا أو الشرق الأوسط بأن خوض الحرب قرار غير حكيم.

وبالمثل – يشير والت – ربما يعتقد المرء أن التجارب الفرنسية والأمريكية في فيتنام ستقدم تذكيرًا دائمًا بمخاطر الغطرسة وحدود القوة العسكرية، ناهيك عن عدم جدوى محاولة بناء الأمة في مجتمع شديد الانقسام. ومع ذلك لم تهتم إدارة جورج دبليو بوش بهذا الدرس عندما غزت أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003.

يجب ألا ننسى أن القوى العظمى ليست فقط هي التي تتعلم دروسًا قاسية بعد شن حرب عدوانية. ففي عام 1982 قرر المجلس العسكري الأرجنتيني أن جزر فوكلاند البريطانية ملكهم وقرروا الاستيلاء على الإقليم بالقوة. فأغرقت بريطانيا بارجة البحرية الأرجنتينية واستعادت الجزر بنجاح، وأطاحت الاحتجاجات الشعبية في الأرجنتين الجنرالات من السلطة.

تجربة صدام خير شاهد على عدم جدوى القوة دومًا

كما عانى صدام حسين من نفس المصير حسبما يشير والت. أدى قراره بمهاجمة إيران عام 1980 إلى ما يقرب من ثماني سنوات من الحرب التي فقد فيها مئات الآلاف من العراقيين حياتهم وانهار الاقتصاد العراقي. بعد ذلك بعامين قرر حل المشكلات الاقتصادية التي تسببت فيها الحرب الأولى من خلال الاستيلاء على الكويت المجاورة، لكن تحالفًا قادته الولايات المتحدة طرده بشكل مخز ووضعه تحت عقوبات شديدة من الأمم المتحدة. لم يكن العدوان مجديًا في كلتا الحالتين، لكن فشل صدام لم يمنع بعض البلدان الأخرى – بما في ذلك بعض الديمقراطيات الكبيرة – من شن حروب جديدة.

إذا كانت الهزائم المؤلمة قد أرسلت بالفعل تحذيرات واضحة للآخرين، فإن التجارب السوفيتية والأمريكية في أفغانستان وتجربة الولايات المتحدة في العراق بعد عام 2003 كانت ستعلم بوتين ورفاقه أن غزو أوكرانيا من المرجح أن يؤدي إلى رد فعل قومي قوي ويشجع القوى الخارجية على فعل ما بوسعهم لإحباط أهدافه. بالتأكيد كان يعلم أن الولايات المتحدة ساعدت في هزيمة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان من خلال دعم المجاهدين، تمامًا كما ساعدت كل من سوريا وإيران المقاومين العراقيين على هزيمة الأمريكيين في العراق. يبدو الدرس المستفاد من هذين النزاعين واضحًا للغاية، لكن بوتين أقنع نفسه أنه لا ينطبق على أوكرانيا.

القادة يدفعون ثمن عدوانهم

بالطبع لا تنتهي كل حرب عدوانية بالهزيمة، ولكن يبدو أن الحالات التي تعرض فيها المعتدون لهزيمة مهينة كثيرة بدرجة لا يمكن إغفالها، وأكثر من حالات قليلة دفع فيها الأشخاص الذين بدأوا الحرب ثمنًا شخصيٍّا باهظًا مقابل حماقتهم، بحسب والت. ومع ذلك فإن الدرس القائل بأن العدوان لا يجدي نفعًا يجري تجاهله أو نسيانه عادةً. ويتساءل والت عن السبب في ذلك.

أحد الأسباب هو أن الدروس المستفادة من أي حرب ليست واضحة دائمًا، ويمكن للأشخاص العقلاء استخلاص استنتاجات مختلفة من الهزيمة. هل كان شن الحرب فكرة سيئة من البداية، أم كانت الهزيمة بسبب سوء التنفيذ أم هو مجرد سوء الحظ؟ سيتم أيضًا تجاهل الدروس المستفادة من الحرب الفاشلة إذا اعتقد صانعو السياسة أن هذه المرة مختلفة، وأن المعرفة أو التكنولوجيا أو إستراتيجية جديدة ذكية أو مجموعة مواتية بشكل فريد من الظروف السياسية ستحقق النجاح هذه المرة، بحسب والت.

المشكلة الثانية – التي أبرزها عمل الباحث الراحل روبرت جيرفيس – هي أن البشر يميلون إلى إعطاء وزن أكبر لتجاربهم الخاصة أكثر من تجارب الآخرين. وقد يكون القادة في بلد ما على دراية وثيقة بتاريخهم الوطني، لكنهم سيعرفون ويهتمون بدرجة أقل بما حدث للدول الأخرى في ظروف مماثلة.

من لقاء سابق بين بايدن وبوتين (د ب أ)

ومن السهل رفض فشل دولة أخرى من خلال الادعاء بأن قضيتهم لم تكن عادلة، أو أن عزيمتهم لم تكن شديدة بما يكفي، أو أن جيشهم ليس مؤهلًا مثل جيشنا. ونظرًا لأن قرارات الحرب تعكس عادةً تقييمًا معقدًا للتهديدات والفرص والتكاليف المتوقعة والبدائل، فإن ما حدث لدولة أخرى في صراع مختلف تمامًا قد لا يلوح في حساباتهم.

يرى والت أن القادة الذين يشنون الحروب غالبا ما يدركون أن هناك مخاطر تنطوي عليها، وأن احتمالات النصر قد تكون ضئيلة. ومع ذلك فإنهم سوف يخاطرون إذا كانوا يعتقدون أن البديل أسوأ. لنأخذ مثالًا واضحًا على ذلك، فقد أدرك قادة اليابان في عام 1941 أن الولايات المتحدة كانت أقوى إلى حد كبير، وأن مهاجمة بيرل هاربور كانت مقامرة ضخمة من المحتمل أن تفشل. ومع ذلك فقد اعتقدوا أن البديل هو الانصياع للضغط الأمريكي والتخلي عن سعيهم للحصول على مكانة القوة العظمى والهيمنة الآسيوية – وهي النتيجة التي اعتبروها أسوأ بكثير.

خلاصة القول، بحسب والت، هي إنه لا ينبغي لصناع السياسة الأمريكيين أن يبنوا أفعالهم اليوم على الاعتقاد بأن النصر في أوكرانيا (أو اليمن، أو إثيوبيا، أو ليبيا) سوف يميل إلى المسارات التي يفضلونها. ولن يكون لنتائج صراعات اليوم تأثير كبير على كيفية تفكير قادة المستقبل عندما يقررون ما إذا كانوا سيشنون حربًا أم لا.

هناك أسباب وجيهة لدعم جهود أوكرانيا لمقاومة روسيا، لكن مستقبل الديمقراطية لا يتوقف. وبدلًا عن رؤية هذه الحرب كفرصة لتعليم روسيا درسًا، يجب على صانعي السياسة التركيز على تحديد المصالح والقضايا المعنية المُعرضة للخطر في الوقت الحالي ومحاولة ابتكار تسوية سلمية يمكن أن تمنح الجميع ما يكفي مما يريدون بدون جولة أخرى من القتال.

إن اكتشاف كيفية القيام بذلك أمر صعب، دون خداع أنفسنا للاعتقاد بأن مصير البشرية يعتمد على النتيجة، حسبما يختم والت.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي