اضطراب النظام العالمي ..أوقات صعبة في القرن الحادي والعشرين

متابعات الأمة برس
2022-06-10

غلاف الكتابهيلين تومسون
ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

واجهت المجتمعات الديمقراطية الغربية في العقدين الأخيرين أزمات متداخلة، تسببت بفرض صدمات عالمية زعزعت استقرار العديد من الدول. تناقش مؤلفة هذا العمل الأزمات من خلال الجغرافيا السياسية، والاقتصاد العالمي، والديمقراطيات، وتبيّن كيف حدث هذا الاضطراب في سنوات الفوضى السياسية العامة التي سبقت الوباء.

تشير المؤلفة هيلين تومسون إلى أن جائحة كورونا اندلعت بعد عقد من الاضطراب السياسي والاقتصادي القاسي، وتستذكر ضمن صورة شاملة شكل الاضطرابات التي حدثت قائلة: «مع تحول عام 2019 إلى 2020، كان الشعور بالهشاشة الديمقراطية منتشراً تقريباً في أمريكا الشمالية وأوروبا. اتهم مجلس النواب دونالد ترامب بالتماس تدخل من الرئيس الأوكراني لتشويه سمعة خصمه في الانتخابات المقبلة. في بريطانيا، انتهت المنافسة السياسية التي استمرت ثلاث سنوات ونصف حول استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بانتصار حاسم للمحافظين في الانتخابات العامة الشتوية، لكن حكومة بوريس جونسون الجديدة بدأت العام الجديد في مواجهة قضية انفصالية مع حجة مفادها بأن اسكتلندا أجبرت على الخروج من الاتحاد الأوروبي رغماً عنها. في ولاية تورينغن الألمانية، انضم الديمقراطيون المسيحيون الإقليميون مؤقتاً إلى الحزب اليميني المتطرف «البديل من أجل ألمانيا» لانتخاب حكومة جديدة، وهو حدث وصفته المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل بأنه (لا يغتفر) و(يوم سيئ للديمقراطية)».
وتشير تومسون إلى أنه من الناحية الجيوسياسية، ظهر الاضطراب بشكل كبير، «ففي يناير/كانون الثاني 2020، كانت الحكومتان الأمريكية والصينية تنهيان الحرب التجارية التي استمرت قرابة عامين. لكن الاحتجاجات الجماهيرية في هونغ كونغ والتشريع الذي أقره الكونغرس الأمريكي بشأن المدينة زاد من التوترات الصينية الأمريكية. في غضون ذلك، من سوريا في الشمال إلى اليمن في الجنوب، كان الشرق الأوسط يعج بالصراعات. كما كشف البعض عن خلافات طويلة الأمد داخل الناتو. ففي خريف عام 2019، حاول ترامب للمرة الثانية، سحب القوات الأمريكية من سوريا، والسماح للجنود الأتراك بالتقدم إلى شمال البلاد، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن ما نتوقعه حالياً هو الموت الدماغي لحلف شمال الأطلسي، لكن سرعان ما نأت ميركل بنفسها، مؤكدة أن الناتو من وجهة نظر ألمانيا هو تحالفنا الأمني. في 3 يناير/كانون الثاني 2020، أمر ترامب من جانب واحد باغتيال قاسم سليماني رداً على هجوم شنته الميليشيات العراقية المدعومة من إيران على السفارة الأمريكية في بغداد. وضع جونسون وماكرون وميركل الخلافات جانباً بشأن رحيل بريطانيا الوشيك عن الاتحاد الأوروبي، وأصدروا بياناً مشتركاً قالوا فيه إن هناك حاجة ملحة إلى وقف التصعيد. تساءل المعلقون السياسيون والإعلاميون عما إذا كانت الحرب العالمية الثالثة على وشك البدء».

أزمات مالية

أما على الصعيد الاقتصادي، تذكر تومسون أنه «في كل مكان تقريباً خلال شتاء 2019-2020، كانت آفاق النمو تزداد سوءاً. بعد ثلاث سنوات من المحاولات، تخلى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) عن إعادة السياسة إلى أي شيء يقترب من عودة السياسة النقدية إلى طبيعتها. في سبتمبر/أيلول 2019، تجمدت أسواق المال بين عشية وضحاها؛ حيث اقترضت البنوك من بعضها، كما حدث لأول مرة في أغسطس/آب 2007 في بداية الانهيار المالي 2007-2008. ودون الاعتراف تماماً بأنه كان يفعل ذلك، عاد بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى ممارسة تكوين الأموال لشراء الأصول وهو ما يعرف بالتيسير الكمي. بعد شهرين، استأنف البنك المركزي الأوروبي برنامج التيسير الكمي بينما لا يزال ينتظر قراراً من المحكمة الدستورية الألمانية بشأن شرعية السياسة في ألمانيا. حتى الصين، التي فعلت الكثير لدفع الاقتصاد العالمي لعقد من الزمان، كانت تشهد نمواً أبطأ بشكل ملحوظ.

وتتوقف تومسون على مجال الطاقة أيضاً؛ حيث ترى أن العالم وصل إلى نقطة تحول، معلقة على ذلك: «لأول مرة منذ عام 2009، انخفض الإنتاج العالمي السنوي للنفط. وصلت الفجوة بين النفط المستهلك والنفط المنتج إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007، عندما كانت الأسعار تتجه نحو الذروة النهائية البالغة 150 دولاراً للبرميل. أدت ظروف الائتمان التي أعقبت انهيار 2007-2008 إلى تدفق رأس المال إلى قطاع النفط الصخري الأمريكي. ولكن الآن، مع تسارع الضغط من أجل اتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ، كان المستثمرون يهجرون شركات النفط الأمريكية والأوروبية. ما كان يُنظر إليه، قبل عقد من الزمن، على أنه كارثة متوسطة المدى للنفط، كان يُنظر إليه الآن على أنه دليل واعد على أن العالم كان على طريق يبعد ثلاثة إلى أربعة عقود عن الوقود الأحفوري إلى الطاقة الخضراء».

اهتزاز خطوط الصدع في الجائحة

في ظل هذا الاضطراب الواسع الذي أوضحته المؤلفة هيلين تومسون انتشرت جائحة كورونا، وعلى الرغم من أنها فرضت تأثيراً استثنائياً، لكنها أصبحت أيضاً نافذة مطلة على عقد الاضطراب الذي سبقها، وتقول عن ذلك: «على مدار عام 2020، اهتزت مرة أخرى العديد من خطوط الصدع التي فعلت الكثير لتشكيل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لا يوجد تفسير واحد للاضطراب، لكن مع ذلك، فإن عدداً كبيراً من أسبابه كان متفاعلاً في آثاره. خذ على سبيل المثال «بريكست» الذي كان له تاريخ خاص في السياسات الديمقراطية البريطانية، وغياب بريطانيا عن منطقة اليورو، والنظام الدستوري للاتحاد الأوروبي الذي يتمايل، لكنها كانت أيضاً نتاجاً لتغييرات أوسع. عندما ارتفعت أسعار النفط في عام 2011، لم يستجب بنك الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا. في المقابل، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين. بينما واصل الاقتصاد البريطاني انتعاشه، انغمست منطقة اليورو مرة أخرى في الركود. على مدى سنوات قليلة تالية، أصبحت بريطانيا ملجأ للأعضاء الجنوبيين في منطقة اليورو، بينما كان البنك المركزي الأوروبي، تحت قيادة ماريو دراجي، يسعى لإيجاد وسيلة لإدارة برنامج شراء الأصول الذي قد تتحمله المحكمة الدستورية الألمانية. بحلول الوقت الذي أقنع فيه دراجي ميركل بأن لديه حل، كان ديفيد كاميرون على الأقل في منتصف الطريق لاستنتاج أنه يجب أن يعد الناخبين البريطانيين بفرصة التصويت على مغادرة الاتحاد الأوروبي.

وترى أنه على غرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان للتمرد الانتخابي الناجح لدونالد ترامب في عام 2016 تاريخ خاص، وهذه المرة في المشاحنات طويلة الأمد في الجمهورية الأمريكية. لكنه حدث أيضاً في سياق جيوبوليتيكي يربط عودة ظهور الولايات المتحدة كأكبر منتج للنفط والغاز في العالم باستراتيجية الصين التجريبية الصناعية لما بعد عام 2015 لعودة روسيا إلى الشرق الأوسط. جزئياً، انتصر ترامب في الانتخابات من خلال التأكيد للناخبين الأمريكيين أنه حيثما كانت الولايات المتحدة قوية، لم يتم استخدام قوتها، وحيثما كانت ضعيفة، كانت محاصرة. ثم كانت رئاسة ترامب بمثابة القوة المزعزعة للاستقرار. انطلاقاً من الفرضية القائلة بأن بكين كانت سياستها استراتيجية، فقد جعلت العلاقة الاقتصادية الصينية الأمريكية مسألة منافسة جيوسياسية فورية، مع تداعيات حادة على أوروبا وحلف شمال الأطلسي. لكن في حين أعطت إدارة ترامب الأولوية للتهديد التكنولوجي الصيني أكثر من التهديد العسكري الروسي في الشرق الأوسط، فقد استخدمت أيضاً طفرة الصخر الزيتي الأمريكي لمواجهة صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا بشكل أكثر عدوانية من سابقاتها.

وتذكر أنه مع انتعاش الاضطرابات الجيوسياسية، أصبح انتخاب ترامب أمراً ممكناً، وهذا فرض بتأثيره على السياسات الديمقراطية الأمريكية. حتى قبل أن تبدأ، كانت شرعية رئاسته موضع نزاع: كان بعض خصومه مقتنعين بأنه نتاج الجغرافيا السياسية. اتهمته هيلاري كلينتون أنه دمية فلاديمير بوتين، ما شكل بعدها أساس تحقيق مولر بشأن مزاعم تدخل روسيا في انتخابات 2016. لكن الشرعية المتنازع عليها لرئاسة ترامب تجاوزت إلى حد بعيد إسقاط القوة الروسية المتجددة في البيت الأبيض، أو تجاهل ترامب الفظ للثقل الحقيقي والرمزي للمنصب. لقد عكس الأمر حقيقة أن عدداً كبيراً من الأمريكيين لم يكن مستعداً لقبول أن انتخابات عام 2016 قد حددت هوية الرئيس لمدة أربع سنوات. وفي شكل أكثر خطورة، عادت نفس المشكلة إلى الظهور خلال انتخابات 2020، وبلغت ذروتها في مطالبة ترامب لنائبه بإبطال مصادقة الكونغرس على نتائج الهيئة الانتخابية وهجوم العصابات العنيف على الكونغرس الأمريكي في 6 يناير/كانون الثاني 2021. ما هو مفقود حالياً في انتخابات الجمهورية الأمريكية هو ما لا يمكن لأي ديمقراطية أن تعمل بدونه: موافقة الخاسرين».

صدمات جيوسياسية متعددة

عزا الكثيرون الاضطراب الذي حدث في العقد الماضي في الغالب إلى النزعة القومية الشعبوية، وعلاقتها بالانهيار الاقتصادي في 2007-2008، وسقوط النظام الدولي الليبرالي المزعوم، لكن على المستوى المنهجي، ترى المؤلفة أنه لا يزال هناك الكثير من الأمور غير المبررة، لأسباب ليس أقلها الطاقة. تقول عن ذلك: «دائماً ما تؤدي التغييرات الهيكلية المتعلقة بالطاقة والتمويل إلى عواقب جيوسياسية مضطربة. كان النظام النقدي الذي أنشئ في فترة ما بعد الحرب في بريتون وودز راسخاً بالدولار وصممه الأمريكيون كمصدر للقوة الأمريكية. وتوافق ذلك مع حقيقة أن الولايات المتحدة كانت أكبر منتج للنفط في العالم، ويمكن أن تحدد كيف تمكنت دول أوروبا الغربية من إدارة اعتمادها على النفط في الشرق الأوسط. نظراً لأن الاقتصاد الأمريكي أصبح يعتمد أيضاً على واردات النفط الأجنبية، قام الرئيس ريتشارد نيكسون من جانب واحد بتمزيق نظام سعر الصرف بالكامل في بريتون وودز خلال عطلة نهاية الأسبوع في كامب ديفيد. الآن، نعيش في عالم جيوسياسي شكله تحول نقدي وطاقي آخر في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولا تزال عواقبه تظهر بعد عقد من الزمان مع بداية ثورة الطاقة الخضراء».

في البحث عن تفسير شامل لاضطراب العقد الماضي، ينطلق هذا الكتاب (الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد في 24 مارس 2022 بالإنجليزية ضمن 384 صفحة) من فرضية أن العديد من التواريخ المختلفة ضرورية لتحديد القوى السببية في العمل والاقتناع بأن هذه التواريخ يجب أن تتداخل. وتشير الكاتبة إلى أنه «بالتأكيد، هناك عوامل محددة تفسر التأثير المميز لهذا الاضطراب على الديمقراطيات الفردية، وخاصة بالنسبة للجمهورية الأمريكية. ومع ذلك، يمكن فهم الاضطراب الحالي على أنه نشأ في مجموعة هيكلية، وبتأثير صدمات، انتقلت آثارها من مكان إلى آخر وبين المجالات السياسية والجيوسياسية والاقتصادية والمحلية. هناك عدد من التحولات واسعة النطاق خلال العقد الماضي تفسر التفاعل السببي، وعلى أساسها تتم إعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية والسياسية في العالم. منذ ثمانينيات القرن الماضي، أدى التصنيع في آسيا وتكنولوجيا الكمبيوتر إلى خلق مساحة اقتصادية تربط أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية بالأجزاء الأكثر ازدهاراً في آسيا. لكن التحول المتزامن للبنية التحتية الصينية نحو أوراسيا والمنافسة التكنولوجية مع الولايات المتحدة قلل من ذلك الفضاء الاقتصادي».

وترى المؤلفة أن ضعف الاقتصاد العالمي الأوسع بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، شكّل صدمة لأقوى دولة في العالم. فقد أصبحت الولايات المتحدة أيضاً في الوقت نفسه أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وشهدت محاولة إعادة تحويل الشرق الأوسط الغني بالطاقة إلى مجال نفوذ أمريكي ينهار. تسببت القوة الأمريكية والضعف الأمريكي في زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتركيا، ما جعل أوروبا أكثر عرضة سياسياً للأحداث في جوارها الجنوبي الشرقي. تعلق على ذلك: «من خلال زعزعة توازن القوى السياسية داخل بلد ما، سيكون للاضطرابات الجيوسياسية تأثير دائم على السياسة الداخلية الأمريكية. في أوروبا، لهذه الديناميكية عواقب فريدة؛ حيث إن مسألة المكان الذي يجب أن تكمن فيه السلطة السياسية للرد على مثل هذا التغيير لا تزال خاضعة لخلاف سياسي شرس. الاتحاد الأوروبي هو اتحاد للديمقراطيات المنظمة وطنياً التي تعتمد على قوة خارجية للأمن الخارجي ولإضفاء الشرعية على نفسها جزئياً تؤكد فكرة أن الدولة القومية قد عفا عليها الزمن. هذه التبعية الخارجية وقابلية التغيير الداخلي تجعل كلاً من الاتحاد الأوروبي نفسه والدول الأعضاء المكونة له منفتحين للغاية على الاضطرابات الناجمة عن التغيير الجيوسياسي. وفي الوقت نفسه، فإن البيئة النقدية لما بعد عام 2008 تعاني ضعفاً في امتصاص الصدمات وهذا بدوره مصدر إضافي لعدم الاستقرار».


*هيلين تومسون : أستاذة الاقتصاد السياسي بجامعة كامبريدج. لها عدد من المؤلفات منها: «النفط والأزمة الاقتصادية الغربية» (2017). «الصين والرهن العقاري في أمريكا» (2010)، وتنشر مقالاتها في العديد من الصحف والمجلات البارزة.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي