هكذا تكلمت زينب النفزاوية

2022-06-01

مصطفى لغتيري

« لن أتزوج إلا رجلا يحكم المغرب بأكمله»

ماذا دهاني؟ ما الذي جعلني أطلق هذه العبارة بكل هذه البساطة، دون أن أراعي أنني ألامس منطقة خطرة لا أدري عواقبها، هكذا بكل سلاسة ويسر أطلقتها.. حرة تدحرجت من لسان تدرب على صوغ الكلمات، واستقبلتها الأسماع بذهول، فما لبثت أن سار بذكرها الركبان.. لا أدري كيف طاوعت نفسها تلكم العبارة النزقة، وخرجت حروفها هكذا مثيرة قوية ومختالة، دون أن يكبلها خوف أو خجل، وأي لغة تلك، التي أسعفتني في قولها، فأصبحت قيدا يكبلني، لا أستطيع أن أتراجع عنه قيد أنملة، خرجت من فمي كأفعى طردها القيظ من مكمنها، فانسابت في دنيا الله، حاملة سمومها في أنيابها، تبثها هنا وهناك، دون أن تتخلص من ملمسها الناعم المخادع. لقد ذاعت تلك العبارة وشاعت، حتى أصبح الناس يتندرون بها في مجالسهم الخاصة والعامة، منهم من اعتبرني مغرورة مدعية حمقاء، لا أعي ما أقول، ومنهم من ذهب أبعد من ذلك فرماني بالسحر والكهانة والشعوذة.. ومنهم من برر طموحي بالنظر إلى الجمال الذي حباني الله به، والغنى الفاحش الذي أتمتع به، فالجميع يعرف ما أستحوذ عليه من ثروة، خيالية كانت أو حقيقية، فيكفي أن يرتبط اسم أبي بالتاجر، ليعتقد الجميع بأن ثروتنا طائلة، لا تقدر بمقدار ولا يحصرها عد.

حينما كانت أذناي تتلقفان كل ما يشيع بين الناس ويتداولونه عني، كنت فقط أبتسم في داخلي ابتسامة خفرة، تخفي أكثر مما تبدي، ابتسامة الظافر، الذي يشعر بالزهو في داخله دون ان يقوى على إعلان ذلك في العلن. أفعل ذلك بتحفظ كلما كنت وسط مجموعة من الفتيات، وحينما أتخلص من مرافقاتي، وأصبح وحدي أقهقه قهقهة انتشاء ملء الفؤاد، وأنا أتخيل مدى الأثر الذي خلفته كلمات عفوية، لم أفكر فيها كثيرا حين تلفظت بها، بل ألقيتها عفو الخاطر في تجمع نسائي، كانت المباهاة والمنافسة الشرسة العملتين الرائجتين فيما بينهن.. كل امرأة تشحذ ذهنها ولسانها لتأتي بما لذ لها من خيال، هدفها أن تعلق الأبصار بها، وتغيظ الأنفس وتتعب القلوب، وتجعل الأذهان تكد في الفهم وما هي بقادرة على ذلك، حتى لو شاءت، فما كل ما يريده المرء يناله، فهذه تدعي أن مهرها قافلة من الجمال يعجز الرائي عن رؤية آخرها، وتلك تزعم أن زوجها اتاها بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وثالثة أهداها أبوها بمناسبة زواجها أرضا بغلالها، لا تحدها إلا الإبل حيثما توقفت عن الرعي.

فكل أرض تدخلها الأنعام ويلذ لها عشبها فهي لها.. كنت أستمع لهن وأنا أبتسم في أعماقي، متأكدة من خفة عقولهن ومن بساطة تفكيرهن، كن جميعا يركزن على أمور يحسبنها ذات بال، وهن لا يدرين أنهن تعلقن بسفاسف الأمور، فما كان مني إلا أن أطلق عبارتي الشهيرة تلك، التي استغربنها بادئ الأمر، بل اضحكت بعضهن، لكن تأثيرها في ما بعد كان قويا، توقف تنفس فتيات منهن عند سماعها، فيما عجزت عقول الأخريات عن استيعاب ما تلفظت به. وظلت أخريات كالبلهاوات يتبادلن النظر فيما بينهن غير مستوعبات ولا مصدقات ما تلقفته أسماعهن، وكأن على رؤوسهن الطير، وما درين أبداً أن ما أقول من قول يسنده الفعل، الذي لا يدرين عنه شيئا، والسبب في ذلك أنني كنت دوما قريبة من الرجال، خاصة أولئك الذين ثقفتهم السياسة ودربتهم على أن يتفننوا في ضروب الخداع وأصنافه، كنت مستمعة جيدة، لا أتسرع في قول، ولا أبث متعجلة في أمر، وإنما أبيت الفكرة في ذهني، وهناك أدعها تختمر تدريجيا إلى حين، في انتظار أن تينع ويحين قطافها، هناك أحصنها، أحميها وأسقيها بما يصلني من أخبار من هنا ومن هناك. لقد علمني أبي أن حفظ السر نصف نجاح أي مهمة، لذا حين أتيحت لي الفرصة لأكون في بيت الملك، فأكثر ما نال إعجابه مني هو قدرتي على المحافظة على الأسرار، لا أبوح بأي كلام، عكس بنات جنسي اللواتي يتفنن في إذاعة الأسرار، وكأنك حين توصي إحداهن بحفظ السر، تطلب منها راغبا بأن تنشره على الناس قدر ما تستطيع، وصدق من قال «إذا أردت إذاعة سر قله لامرأة».. لذا كنت اعتبر نفسي بعيدة عن جنس النساء، أنتمي إليهن خلقيا، بل أتفوق عليهن جمالا وأنوثة، لكن أخلاقي هي أخلاق الرجال، كدت أقول أخلاق الملوك.

حين وثق الملك في قدراتي لم يعد يخطو خطوة واحدة دون ان يستشيرني، فكنت له عونا وخير ناصح ومستشارة، كنت أعلم أن قوتي من قوته، وكلما تقوى ملكه وتدعمت سلطته، انعكس ذلك عليّ، وامتدت سلطتي أنا كذلك وتقوت بما تشتهي نفسي التواقة للحكم. كنت دائما أحسن المشورة، لكن ذلك لا يأتي أبداً اعتباطيا، بل كنت أشتغل على ذلك بكثير من الدقة والصبر، أصبح لي جيش من الفتيات أطلقهن هنا وهناك، وحين يجتمعن بي فرادى طبعا، كن يزودنني بالأخبار التي تساعدني على أخذ القرار المناسب. تعلمت باكراً من أبي التاجر أن المعلومة سر النجاح، لقد نجح في تجارته في القيروان بسبب الأخبار التي كان يجمعها، فيحسن اختيار السلعة المناسبة والوقت المناسب لاقتنائها أو بيعها. وحين انتقل إلى فاس ومنها إلى مراكش، كان كل شيء معد لما سيحدث لاحقا، كان يعد ابنته للملك، وأي ملك؟ ملك يمتد من الأندلس حتى تومبوكتو، ومن بحر الظلمات حتى تخوم قرطاج.

من حكاياتي الطريفة التي شغلت الناس، أن كثيرا منهم يظنون أن الملك قد استغنى عني حين طلقني وتوجه جنوبا لتوسيع المملكة أو الحفاظ عليها، فتزوجني ملك غيره، ذك الذي تنازل له الملك زوجي عن الحكم، ما أغباهم، لقد استسلموا إلى ما أوصلته لهم عقولهم الكسلى، فكيف لامرأة قوية مثلي أن يكون ذاك مصيرها، لقد كان كل ذلك من تدبيري، لقد اتجه الملك جنوبا في الصحراء الواسعة، وكنت أنا الذي خلفته في الحكم، لكن من وراء حجاب، فلم يكن الملك يطمئن لغيري، لذا اقترحت عليه خطتي حتى نطمئن للملك الجديد. وهذا ما حدث بالفعل وكان الجميع تواطأ من أجل تحقيق رغبتي التي عبرت عنها في عبارتي الشهيرة، وحارت في فهمها وتصديقها الأذهان، الآن بعد هذا العمر الطويل يمكن أن أقول إنني فقط كنت أتسلى، أو إنني مقامرة من نوع خاص.. كل ذلك لا يهم الآن، لكن ما أذهلني حقا أنه حتى العقلاء من مدوني التاريخ انطلت عليهم قولتي هذه، كدت أقول حيلتي، فانشغلوا بها، بل ودونوها في أسفارهم، التي لا شك سيتناقلها الناس جيلا بعد جيل، وسيتذكرونني بها إلى أبد الآبدين.

قاص مغربي







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي