هل تُشكِّل روسيا تهديدًا حقيقيًّا لحلف الناتو؟

الأمة برس - متابعات
2022-05-23

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال خطاب تلفزيوني في موسكو (ا ف ب)

على الرغم من إخفاقاته، لا يزال الجيش الروسي قوة لا يُستهان بها، وفقّا لما يخلُص إليه مقال كتبه كل من كاثلين ماكينيس، زميلة بارزة في برنامج الأمن الدولي، ودانييل فاتا، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق ومستشار غير مقيم في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.

يلفت الكاتبان في مطلع المقال الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية إلى أن الأحداث الأخيرة في أوكرانيا أثبتت مرةً أخرى أن التقارير عن موت حلف شمال الأطلسي (الناتو) لا تعدو ضربًا من المبالغات، وذلك في ضوء الاستجابة السريعة لعديد من قادة الحلف على الغزو الروسي لأوكرانيا من خلال مساعدة العاصمة الأوكرانية كييف، أو زيادة ميزانيات الدفاع في بلادهم، أو كليهما. ولكن مع استمرار الحرب ونشوء الواقع الجيوسياسي للعلاقة العدائية مع روسيا، يتعين على الناتو مرةً أخرى أن يفكر مليًّا في ما قد يحدث مستقبلًا إزاء ما يعنيه كل هذا للأمن عبر الأطلسي والأمن العالمي.

المنتظر في قمة مدريد

وأشار الكاتبان إلى أن قادة الناتو سيجتمعون على نحو متوافق في أقل من شهرين – يوليو (تموز) 2022 – في مدريد لتأييد الإستراتيجية الجديدة للحلف. لذلك، فإن السؤال الرئيس المطروح هو: هل تغتنم الدول الأعضاء الفرصة السانحة لإعادة صياغة سبب وجود الناتو من أجل مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية، على وجه الخصوص، من خلال التعامل مع روسيا بوصفها تهديدًا للحلف نفسه؟ وبالنظر إلى تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا على النظام الأوروبي والعالمي، نجد أن المخاطر ستكون هائلة.

ويقول الكاتبان: يرى بعض المعلِّقين أن مدريد يجب أن تمثل إعادة ترتيب أولويات جهود الولايات المتحدة بعيدًا عن أوروبا والعودة نحو آسيا. ويقول منطقهم إن الإنفاق الدفاعي الأوروبي لا يتزايد فحسب، بل أظهرت روسيا أيضًا عدم الكفاءة في متابعة حربها في أوكرانيا. وهذا يعني أيضًا تراجع الحاجة الطويلة المدى لقوات أمريكية كبيرة في أوروبا. وبعد كل شيء، الصين هي التهديد الآنيُّ لتخطيط وزارة الدفاع.

والواقع أن العكس هو الصحيح، وفقًا لرأي الكاتبين، فبادئ ذي بدء، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واضحًا تمامًا عندما قال إنه ينظر إلى الناتو على أنه تهديد إستراتيجي. وتشير الأحداث الأخيرة إلى أننا يجب أن نأخذ هذه التصريحات كما هي على ظاهرها. وفي الفترة التي سبقت الحرب الحالية، قدَّم بعض المحللين أسبابًا منطقية مفصَّلة لدعم حجَّتهم في أن حشد القوات الروسية على الحدود الأوكرانية لا يعني أن الغزو قادم، مثل تعزيز الموقف التفاوضي تجاه الاتجاهات السياسية المستقبلية لأوكرانيا. وكان من الواضح أن غزوًا روسيًّا آخرَ لأوكرانيا سيأتي بنتائج عكسية من الناحية الإستراتيجية لدرجة تدفع لافتراض وجود سبب آخر للحشد العسكري. وفي هذه الحالة، لم يكن هناك سبب آخر.

ضرورة عدم الاستهانة بقوة روسيا

ويتابع الكاتبان: وفي حين بدَت عدم الكفاءة العسكرية الروسية أمرًا مذهلًا، لا ينبغي للمخططين القفز إلى الاستنتاجات. وصحيحٌ أن القوات الروسية لم تتمكن من الاستيلاء على كييف، لكنها تمكَّنت من الاستيلاء على عشرات الآلاف من الأميال المربعة من الأراضي على طول الحدود الشرقية لأوكرانيا، على الأقل في الوقت الحالي. وتبلغ مساحة إستونيا، العضو في الناتو من دول البلطيق والمتاخمة لروسيا، أقل من 20 ألف ميل مربع. ويمكن للجيوش أيضًا علاج قصورها، خاصة بعد الكارثة، كما فعل الجيش الأوكراني بعد إخفاقاته في عام 2014.

وأوضح المقال أن لدى الولايات المتحدة أسبابًا وجيهة لرغبتها في إبقاء الناتو نابضًا بالحياة: الفوائد الإستراتيجية للقيادة الأمريكية متعددة؛ ذلك أن القيادة الأمريكية في الناتو لا توفر مسارات لتنظيم الائتلافات العسكرية فحسب، بل تمنح أيضًا الولايات المتحدة مكانة مميزة في الشراكات التجارية والوصول إلى القواعد. وإذا حقق بوتين هدفه المتمثل في إضعاف الثقة بالناتو، فقد يؤدي ذلك إلى عجز إستراتيجي عبر الأطلسي، وهو وضع يكون فيه الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم الأمنية، ومن ثم الحفاظ على مستويات معيشة مواتية لشعوبهم.

الناتو: تسمية مُلحة

ويستطرد كاتبا المقال قائلَيْن: وهذا هو ما يعيدنا إلى مدريد، ذلك أن آخر مرة وافق فيها الناتو على مفهوم إستراتيجي كانت في عام 2010. وهي وثيقة حددت، من بين أمور أخرى، أن الدفاع عن أراضي الحلفاء لا يزال مهمة حاسمة للحلف، لكن الوثيقة لاذت بالصمت حيال تسمية تهديدات دولة قومية لحلف الناتو. ونظرًا إلى مجموعة متنوعة من الأسباب السياسية المحلية والدولية، يمثِّل التوصُّل إلى إجماع رسمي حول التهديدات بين 30 دولة متحالفة تحديًا كبيرًا. والواقع أن وثيقة عام 2010 تنظر إلى روسيا على أنها شريك طموح لحلف الناتو عندما يتعلق الأمر بالأمن الأوروبي، على الرغم من علامة التحذير التي أومضها الغزو الروسي لجورجيا عام 2008.

وفي السنوات اللاحقة منذ ذلك الحين، شنَّت روسيا حملات تضليل مزعزعة للاستقرار في دول الناتو وهاجمت أوكرانيا مرتين. وبينما أدان قادة الناتو العدوان الروسي، كان الخطاب لا يرقى إلى مستوى إعلان روسيا رسميًّا على أنها تهديد إستراتيجي طويل الأمد.

وينوِّه المقال إلى أن توافق الآراء الدائم يتطلب وضوحًا، إذ إن إعداد الناتو لمواجهة هذا التهديد على المدى الطويل يستلزم اعترافًا صريحًا بالحقائق الإستراتيجية التي تشكِّلها روسيا في المفهوم الإستراتيجي الجديد للحلف، وذلك من أجل تبنِّي هذا الاعتراف في قمة مدريد. ومن الناحية العملية، سيُلزم هذا أعضاء الناتو بأخذ الميزانيات وتخطيط القوة والاستحواذ وإعادة تمركز القوات المحتملة على محمل الجد، وتضمين ذلك بوضوح في الإعلان. وهذا ضروري لمخططي الناتو لتحديد، على سبيل المثال، هل إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع كافٍ لمواجهة التحديات التي تواجه الحلف أم غير كافٍ.

لكن القيمة الحقيقية للوثيقة هي ما يعيد الأعضاء جميعًا تأكيده فيما يتعلق بما يواصل الناتو الدفاع عنه، وما يسميه التهديدات لأراضي الأعضاء، وما ينوي القيام به للتصدي لهذه التهديدات وردعها، وحتى الدفاع عنها إذا لزم الأمر. ومن خلال التصريح مباشرةً بأن روسيا تشكِّل تهديدًا رسميًّا، ستجد الدول الأعضاء، والتحالف ككل، صعوبة أكبر في التراجع عن تماسكها الحالي. ومن الأهمية بمكان ضمان ديمومة توافق الآراء في الناتو، ذلك أن إغراء تخفيف الدعم لأوكرانيا سيتصاعد بلا شك، في ضوء استمرار الحرب وبدء الجمهور في الشعور بالآثار الاقتصادية للصراع والعقوبات على روسيا. ناهيك عن أن وصف روسيا على أنها تهديد للناتو سيرسل رسالة مهمة إلى بوتين: لن يرتدع الناتو.

ويشدد الكاتبان في الختام على أهمية دلالة الكلمات، لافتَيْن إلى أن الوقت قد حان لقادة الناتو لإقرار الواقع رسميًّا: بوتين يمثل تهديدًا للحلف وأعضائه، ولذلك، يجب عليهم إعلان ذلك في المفهوم الإستراتيجي. والحقيقة أن عدم إعلان روسيا تهديدًا رسميًّا لأراضي الناتو من شأنه أن يضر بمصداقية الناتو وسيمنح بوتين تصريحًا للفظائع والانتهاكات التي ارتكبها في أوكرانيا. ولا يمكن لحلف الناتو ولا الولايات المتحدة السماح بحدوث ذلك.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي