كولومبيا أول الغيث.. كيف تنتقم روسيا من الدول التي عارضت حربها على أوكرانيا؟

الأمة برس - متابعات
2022-04-21

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ ف ب)

نشرت مجلة «فورين بوليسي» تقريرًا أعدَّه كولام لينتش، الكاتب بالمجلة الأمريكية، يستعرض فيه حيثيات اتخاذ موسكو إجراءاتٍ انتقامية ضد البلدان التي تعارض سياساتها. وخلُص الكاتب إلى أن روسيا تسعى إلى أن تنتقم من البلدان التي أدانت غزوها لأوكرانيا انتقامًا دبلوماسيًّا في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل.

توبيخ لاذع

يستهل الكاتب تقريرها بالقول: يرى إيفان دوكي ماركيز، الرئيس الكولومبي المنتهية ولايته، أن الخطاب الذي أدلى به هذا الشهر أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أتاح له فرصة للترويج للإنجازات التي حقَّقها خلال السنوات الأربع التي قضاها في منصبه أمام جمهور متجاوب عادةً ما يتعامل مع رؤساء الدول الزائرين باحترام شديد.

وبدلًا من ذلك، تلقَّى دوكي توبيخًا لاذعًا من فاسيلي نيبينزيا، سفير روسيا لدى الأمم المتحدة، الذي عدَّد قائمة طويلة لأوجه قصور إدارة دوكي في تنفيذ اتفاق سلام مع المتمردين المُسلَّحين في البلاد، والحدِّ من تهريب المخدرات وتحقيق مصالحة وطنية.

وقال نيبينزيا: «سيدي الرئيس، نحن نثق أن المتحدثين سيوجهون إليك اليوم كثيرًا من الكلمات الطيبة أثناء محاولتهم تجنُّب القضايا المثيرة للجدل». وأضاف: «لكن نقول في روسيا إذا كنتَ صديقًا لشخص ما، فعليك إخباره بالحقيقة. ولهذا السبب لن نحاول أن نتظاهر بأننا لا نشعر بالقلق إزاء مستقبل عملية السلام في كولومبيا».

ووفقًا للتقرير، جاء الرد بعد أيام من تحذير روسيا للدول الأعضاء في الأمم المتحدة من أنها (الدول الأعضاء) قد تضطر إلى مواجهة تداعيات دبلوماسية بسبب معارضتها لموسكو في الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، حيث دأبت كولومبيا على التصويت بإدانة العدوان الروسي في أوكرانيا. كما صوَّتت كولومبيا لصالح قرار يقضي بتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

يأتي هذا السجال الدبلوماسي في الوقت الذي أصدرت فيه روسيا تحذيرًا رسميًّا لواشنطن ينص على أن إقدام الولايات المتحدة على إمداد أوكرانيا بأنظمة أسلحة حسَّاسة قد يؤدي إلى «تداعيات لا يمكن التنبؤ بها»، وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست»، التي حصلت على نسخة من المذكرة الدبلوماسية الروسية. وجاء في المذكرة ما يلي: «ندعو الولايات المتحدة وحلفاءَها إلى وقف التسليح غير المسؤول لأوكرانيا، وهو ما ينطوي على تداعياتٍ لا يمكن التنبؤ بها على الأمن الإقليمي والدولي».

تحذيرات مستترة

ووفقًا للتقرير، أرسلت روسيا على مدى أسابيع تحذيرات مستترة من أن البلدان التي تعارض روسيا في الأمم المتحدة قد تواجه انتقامًا، بما في ذلك فشل هذه البلدان في دعم موسكو في محاولتها التي ترنو إلى منع حظرها من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وحذَّرت روسيا في خطاب أرسلته إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هذا الشهر من أن البلدان التي امتنعت عن التصويت أو لم تحضر للتصويت سيُتعامَل معها كما لو أنها أسهمت في «تحقيق [هدف] الولايات المتحدة، وستنظر موسكو في هذا الأمر وفقًا لذلك».

وتمثل كولومبيا تذكيرًا مبكرًا لما قد تقدم عليه روسيا، إذ منعت موسكو هذا الأسبوع اعتماد بيان صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يرحِّب بمشاركة دوكي في الجلسة التي يعقدها المجلس ويقدم «دعمها الكامل والجماعي لعملية السلام في كولومبيا».

ويضيف التقرير، وبصفتها أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تتمتع روسيا بصلاحيات كبيرة لإعاقة الجهود الدبلوماسية الدولية في الأمم المتحدة. وعلى الرغم من ارتفاع وتيرة التوترات مع الغرب بشأن شبه جزيرة القِرْم وليبيا وسوريا، اكتشفت موسكو بصورة عامة طرقًا للتعاون مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في مجموعة متنوعة من القضايا، بداية من جهود الحد من تطوير أسلحة نووية في إيران وكوريا الشمالية ووصولًا إلى الإشراف على مبادرات السلام في أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.

بيد أن هذه العلاقة لم تكن أكثر توتُّرًا في حقبة ما بعد الحرب الباردة مما هي عليه اليوم. ومنذ أن غزَت روسيا أوكرانيا في 24 فبراير (شباط)، ما أسفر عن فرار ملايين الأشخاص من منازلهم وارتكاب أعمال وحشية جماعية في حقِّ السكان المدنيين والتسبب في دمار المدن الأوكرانية على نطاق واسع، سعَت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب إلى عزل روسيا على الصعيد الدولي، ما أدَّى إلى النظر إلى روسيا، إحدى أكبر القوى في العالم، بوصفها دولة منبوذة. وفي محاولة للحفاظ على ماء الوجه، نشر دبلوماسيون روس مزيجًا من التهديدات والمظالم والعراقيل الإجرائية التي يترتب عليها خسائر.

خلافات غامضة

ويلمح التقرير إلى أن عِدَّة حروب دبلوماسية تمثَّلت في خلافات غامضة تتعلق ببروتوكول الأمم المتحدة. وبعد التقارير التي أفادت ارتكاب روسيا أعمالًا وحشية في مدينة بوتشا الأوكرانية، دعَت البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة مجلس الأمن التابع لها إلى عقد جلسة عاجلة، في محاولة لتوجيه اللوم لأوكرانيا في قضية إعدام المدنيين الأوكرانيين، ولكنَّ الجلسة لم تنعقد.

وأرسلت روسيا خطابًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة تشكو فيه من أن بريطانيا، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لشهر أبريل (نيسان)، رفضت الطلب الذي قدمته موسكو لعقد جلسة، ولكنَّ باربرا وودوارد، السفيرة البريطانية لدى الأمم المتحدة، عارضت هذا الاتهام موضِّحةً أنها طلبت ببساطة من روسيا ضم الجلسة التي تطلب انعقادها مع جلسة أخرى يعقدها مجلس الأمن حول أوكرانيا، أو تحديد موعد للجلسة التي طلبت موسكو عقدها بعد تلك الجلسة. وكتبت باربرا وودوارد إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، قائلة: «إن رئاسة مجلس الأمن لم تمنع الطلب الروسي».

وفي الوقت ذاته، بحسب التقرير، احتجَّت روسيا على ما وصفته بأنه «انتهاك خطير» لبروتوكول مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: إذ سمح البريطانيون للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ببث مقطع فيديو عن الأعمال الوحشية التي ارتكبتها روسيا.

وكتب نيبينزيا، المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، في خطاب أرسله بتاريخ 5 أبريل إلى جوتيريش قائلًا: «تقوِّض هذه الممارسات أساس عمل مجلس الأمن الدولي وروحه». وأضاف: «وتُعد المشاركة والدبلوماسية والمفاوضات الشخصية هي المبادئ الأساسية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ودائرته. ويقلِّل عرض مقاطع فيديو وصور على الشاشة من دور جميع أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ويحط من شأنه».

وأضاف نيبينزيا: «وهذه البداية لرئاسة المملكة المتحدة لمجلس الأمن قد يكون لها تداعيات على عملنا في المستقبل وعلى الأجواء السائدة في المجلس بصورة عامة».

اعتراض روسي

ويؤكد الكاتب أن وودوارد أبدى اعتراضه على السماح لزيلينسكي بالحديث افتراضيًّا أمام المجلس بسبب عدم قدرته على السفر إلى مدينة نيويورك من جرَّاء الغزو الروسي لبلاده، مشيرًا إلى أن روسيا أُتيحَت لها فرصة للاعتراض على بثِّ الفيديو أثناء الجلسة ولكنها فشلت في ذلك.

وفي هذا الشهر، تحدث دميتري بوليانسكي، نائب ممثل روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، في مأدبة غداء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مع الأمين العام للأمم المتحدة في جزيرة لونج آيلاند ليثير المخاوف المتعلقة بمعاملة روسيا في الأمم المتحدة. كما أوضح بوليانسكي أنه لن يشارك في مناقشة غير رسمية مع المجلس بشأن البيانات وحل النزاعات.

ونقل التقرير تصريح دبلوماسي مقيم في الأمم المتحدة على دراية بالبورصة، إذ قال: «لن تكون هناك أعمال تجارية كالمعتاد». فيما أكَّد بعض الدبلوماسيين فشل كثير من المناورات التي نفذتها روسيا.

وبالإضافة إلى إخفاقات روسيا في الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة، خسرت موسكو انتخابات لجنة الأمم المتحدة المعنية بالمنظمات غير الحكومية والمجالس التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومنتدى الأمم المتحدة الدائم لقضايا الشعوب الأصلية. وتفاخرت بعثة المملكة المتحدة بهذه الخسارة على «تويتر» قائلة: «تنافست روسيا في أربعة انتخابات لجان في الأمم المتحدة اليوم، ولكنها خسرت في جميعها».

وقال أحد الدبلوماسيين في الأمم المتحدة إن «هدفنا يتمثَّل في عزل الروس دبلوماسيًّا، ولكنهم يحققون نجاحًا في عزل أنفسهم». وقلب الرئيس الكولومبي إيفان دوكي الطاولة على نيبينزيا، وقدَّم إدانة غير مجهَّزة للغزو الروسي ووصفه بأنه يمثِّل «إبادة جماعية».

واختتم الكاتب تقريره مستشهدًا بما قاله دوكي: «أعتقد أنه من المهم ألا يُلقي الأشخاص الذين يُضرِّون بإحدى البلدان مواعظَ عن إحلال السلام في العالم في وقتٍ يرتكبون فيه جريمة إبادة جماعية، وهو ما نرفضه جميعًا».







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي