الروائي السوداني طارق الطيب: لا أتمتع بـ«عالمية»… ولكنني أعرف القليل عن العالم

2022-03-11

حوار: هشام أزكيض

يؤكد الروائي السوداني طارق الطيب، أن رحلته من مصر التي ولد فيها سنة 1959 إلى فيينا سنة 1984 لم تكن مجرد انتقال عادي من مكان إلى آخر، إنما لإنهاء دراسته للدكتوراه في فلسفة الاقتصاد عام 1997 في كلية الاقتصاد بجامعة فيينا، هذه المدينة التي أسهمت في تشييد المعالم الإبداعية التي تشغل الطيب بين الرواية والقصة القصيرة والشعر، حيث كانت نتاجاته فيها كثيرة، وذات طابع عالمي فتحت له باب المشاركة في العديد من المعارض الأدبية، والندوات، والحصول على العديد من الجوائز، منها .. جائزة إلياس كانِتي الكبرى في فيينا ،2005، الجائزة الكبرى للشعر في رومانيا 2007. كما تم تعيينه سفيرا للنمسا لعام الحوار الثقافي الأوروبي سنة 2008. من رواياته: «بعنا الأرض وفرحنا بالغبار» (2010)، «نهارات فيينا» (2016)، و»أطوف عارياً» (2018). عن هذه الرحلة وأثرها كان معه هذا الحوار ..

للغربة والحنين موقع لا يمكن إغفاله في كتاباتك، فهل تتفق مع هذا الرأي؟

أتفق معك تماما في أن الغربة والحنين، لهما خاصيّة مؤثرة في ما أكتب، فأنا موجود هنا في مكان جديد، في النمسا، لكنها دولة لم تعد غريبة لي أو عني، بعد هذه الإقامة الطويلة لأكثر من 36 سنة. وباعتبار أن الأديب أو الفنان هو ابن بيئته؛ فأنا ابن البيئة التي ولِدت ونشأت فيها، وأيضا التي أقمت فيها وعشت. أردد دائما أن الحنين عندي إيجابي، وليس حنينا سلبياً يتكئ على بكائيات وكآبة ولوعة وحزن، بل هو حنين ملهم مفيد.

وإلى أي مدى أسهمت الحياة الجديدة في فيينا في تشكيل رؤيتك الإبداعية؟

القرار بالخروج من مصر والذهاب إلى فيينا كان الحل الوحيد، بعد أن سُدّت كل السبل في وجهي، من استكمال دراستي للماجستير، أو الحصول على عمل مناسب. أثّرت المعاناة عليّ في أعوامي الأولى وصاغتني من جديد، ودفعتني لتحصين حالي بالفن والأدب. فيينا هذه المدينة الصغيرة هي عالم هائل عميق، ومصدر إلهام لا ينضب، فيه فيض من الفن والجمال لا يُضاهَى، استطعت أن أنهل من عالمها، ومن تراثها العظيم، حتى قولبتني كما تشاء.

ما هي المدن التي قصدتها في روايتك «مدن بلا نخيل»؟ وما الرسائل التي حمّلتَها فيها؟ ولمن؟

يمكن تأويل «مدن بلا نخيل» في أكثر من معنى واتجاه. أنا أرى أنّ مدننا العربية هي التي صارت بلا نخيل، وأنها دفعت بالكثيرين لمغادرة تَمْر أوطانهم تماماً مثلما يجوز وصف مدن الغرب، أو وسط أوروبا تحديدا – حيث أعيش – بأنها تفتقر للنخيل ومعناه وسحر حضوره، ولها تَمْرٌ معنوي آخر، لكنني في النهاية لا أغلق باب التأويل وأدعه لرأي وحس الناقد والقارئ.

تحمل كتاباتك نواة مشروع روائي. ما محور هذا المشروع؟

أظن أن كل روائي مهما تعددت ثيمات رواياته فهي تصب في لون يميزه كما للرسام بصمته. في اختصار حاولت أن أبيّن نقطتين مهمتين من خلال «حرفين» أظنُّ أن لهما السطوة على معظم نصوصي هما: (بين) و(في). كيف يتعامل الشخص المغترب مع وجوده الحياتي (بين) ثقافتَين: حيرته من جهة ونزاعه الروحي والوجداني من جهة ثانية. وأيضاً كيف يتعامل الشخص المُغترب نفسه وهو موجود فعلا (في) ثقافتين. هنا السؤال الأهم في صيرورة الاغتراب: أين هو؟ وماذا يفعل؟ ولماذا؟

يسيطر السيرذاتي في روايتك «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، فما هي أبرز المحطات التي يمكن الوقوف عندها في هذا العمل؟

هذا العمل الروائي يحكي عن رحلة توجد بالفعل بهذا الرقم797 حتى الآن بين القاهرة وفيينا. أما الرحلة الروائية فهي رحلة خروج عن تقليد غائر كالوشم؛ خروج بشرط الصدق في المحبة والثقة في الحبيب وإعمال العقل. قصة حب مستحيلة لكنها نجحت رغم كل الصعوبات. على المستوى الفعلي للرواية، لاقت تعسفا ومنعا في الدخول لمعارض بعض الدول العربية من قبل بعض الرقباء، بسبب قراءة تفتيشية بعيدة عن السياق الأدبي، لكن الرواية نجحت نقديا، وأتمنى أن تنجح كفيلم أيضاً قيد العمل.

إبداعاتك تتوزع بين الرواية والشعر والمسرح. ما نسبة حضور الشعر في كتاباتك الأدبية. وماذا عن الملتقيات الشعرية في فيينا، التي يتم الاحتفاء بها؟

صحيح، تلتقي كتاباتي في هذه الأنواع أو تتنوع لكنها لا تتعدد ولا تتشظَّى. نسبة حضور الشعري عندي أوروبيا أو في أمريكا الوسطى واللاتينية أو حتى في الصين أوسع كثيرا من حضوره في العالم العربي. توجد لقاءات شعرية كثيرة في فيينا، أو في النمسا عموما، سواء ملتقيات محلية أو عالمية. التقدير والاحترام للأديب والشاعر هنا عظيم. ورغم صعوبات الإنفاق على التكلفة المعيشية من المقابل المادي للشعر والأدب، إلا أن حقوق أعمال الكُتّاب محفوظة ودعوتهم دائمة ومنتظمة للقراءات والمشاركات بمقابل مادي مناسب، ولعل المِنَح الأدبية التي تقدمها النمسا سنويا، هي أكبر في عددها وقيمتها المالية من كل ما تقدمه الدول العربية مجتمعة، لاحترامهم الحقيقي لكون الأدب عملا وإنتاجا وإنجازا يستحق التقدير. الناس هنا يقرؤون أكثر ويقتنون الكتاب ولديهم مكتبات في بيوتهم. يدفعون ثمن الكتاب ولا ينتظرون الهدية المجانية، والمؤسسات الرسمية لا تحاصر الكُتّاب بالتفتيش في أعمالهم أو ضمائرهم أو بالتضييق عليهم بمصادرة آرائهم وأفكارهم. يخجل النمساويون في حضورهم إلى اللقاءات الأدبية أو التوقيعات من الحصول على نسخ مجانية من الكاتب، بل يدفعون دائما قيمتها باعتبارها سلعة ذات قيمة.

هل تعتبر كتاباتك عالمية؟ وهل يعود ذلك إلى المؤسسات القائمة على الشؤون الثقافية في النمسا، أم إلى الجوائز التي نلتها؟ أم إلى أمر آخر؟

الهوية موضوع معقد، يفهمه الناس بتباينات كثيرة، فالبعض يُرجع الهوية إلى الدين أو إلى الوطنية أو للحالة الثقافية أو الاجتماعية، إلخ، لكنها مقاييس غير صائبة للركون إليها والتعويل عليها، لأن الهوية متغيرة على الدوام، تستوعب العديد من الثقافات وتطورها بعد أن تهضمها. الهوية كائن حي! لا أظن أنني أتمتع بعالمية، لكنني جُبت على المستوى الشخصي عبر نصوصي أكثر من خمس وثلاثين دولة حول العالم. لا أظن أن هذا قد جعلني عالميا، لكنه جعلني أعرف القليل عن العالم، وأدرك اختلافات الثقافات واللغات والعادات والتقاليد والأيديولوجيات وأحترمها، وجعلني أعيش متعة الكتابات الطازجة مع المعاصرين الأحياء، من خلال المشاركات الحية معها ومعهم. في ما يتعلق بالنمسا فقد كرمتني أدبيا مرات كثيرة، وجعلتني أمثّلها في العديد من دول العالم، وموّلَت طريقي الأدبي، دون أن تفحص أو تفتش في ضميري، أو فيما أكتب. وكمثال فقد منحتني وسام الجمهورية في عام 2008 ثم قلدتني منصبا فخريا كسفير للثقافة الأدبية النمساوية في العام نفسه.

وما موقع الترجمة في الإبداعات الأدبية المعاصرة؟ وهل المؤلفات الأدبية المترجمة إلى العربية تسمح للقارئ العربي أن تكون لديه رؤية تجاه ما يُنشر في الغرب؟

الترجمة تساهم إلى حد كبير في إلقاء الضوء على العالم البعيد عنا فعليا والقريب منا افتراضيا، فالترجمة مثلاً من الجانبين، العربي والألماني، ليست هي المرآة الصادقة لأسباب كثيرة، فهي ترجمات قليلة جدا لما يقرب من 120 مليونا، من متحدثي اللغة الألمانية كلغة أُمّ أو كلغة ثانية، ومن أكثر من 300 مليون من متحدثي العربية. المترجَم من الجانبين ضئيل للغاية وشحيح مقارنةً باللغات الأخرى كالإسبانية مثلا، ويحتاج لجهود وتطوير واستثمار ثقافي أوسع، وإلى تمويل أكبر، ويستلزم من قبل ومن بعد نزاهة الاختيار في ما يستحق الترجمة.

كيف تنظر إلى مستقبل الأدب في المهجر زمن الرقمنة، وهل يمكن أن نتحدث عن ثورة ما للأدب المهجري، بحكم إقامتك الطويلة في أوروبا؟

أظن أن الوضع سيسير إلى الأفضل في ما يتعلق بمستقبل الأدب في المهجر؛ فأنا أعوّل على الجيل الثاني والثالث، الذي نشأ هنا في المجتمعات الغربية وأدرَك الثقافة وتشبَّع بها من جذورها، كما أنه جيل يجيد ناصية اللغة الألمانية وثقافتها العريضة، وهذا رافد عظيم ومهم في الإبداع والفن والعلم. المشكلة الآن ومنذ زمن بعيد في انعدام الاستقطاب الحقيقي لهذه الكفاءات الفنية والأدبية من الجانب العربي، فهم في دولنا العربية ما زالوا يفضلون الأجنبي الغربي «الأصلي» من وجهة نظرهم، وهو ما يؤدي هذه الحالة إلى إهدار هذه الثروة البشرية المشتركة لمصلحة الغرب، الذي يضيفها لثقافته وتراثه ويطورها باعتبارها جزءا حقيقيا من تكوينه.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي