واقعية النص الكلاسيكي في المجموعة القصصية «سوء تفاهم»

2022-03-06

كمال القاضي

ليس التكثيف الدرامي وحده هو ما يميز القصة القصيرة، وإنما ثمة خصوصيات كثيرة تنفرد بها الكتابة القصصية عن سائر الكتابات الأخرى، ولأن فن كتابة القصة، يُترجم مهارات المؤلف وثقافته وتمكنه من اللغة وسخريته في بعض الأحيان، فإن ما ينتج من إبداع يكون عادة مُحصلة لكل هذه المزايا إذا توافرت مُعطيات الموهبة لدى الكاتب.

«سوء تفاهم» هو عنوان مجموعة قصصية صدرت حديثاً عن الهيئة العامة للكتاب للقاص فهمي عبد السلام، وهي ليست التجربة الوحيدة له، وإنما سبقها تجارب أخرى تمثلت في مجموعته الأولى «حجرة الفئران» والمجموعة الثانية «صاحبي الذي ضل ـ صاحبي الذي غوى» وفي الواقع أن ما يكتبه فهمي مُغر بالقراءة، فهو لم يختلق حدثاً درامياً، ولم يذهب في تصوراته إلى التهويم والسباحة في خيال بعيد عن المنطق، وخارج دائرة التذوق الطبيعي للإبداع القصصي، بل إنه يربط جماليات الفن الأدبي الرفيع بالحدث الواقعي، ويُكسبه طعماً خاصاً حسبما تحتمله القصة، فتارة يكون الطعم قابضاً لاذعاً، وتارة أخرى يكون مُستساغاً حلو المذاق يميل إلى الفكاهة، وفي الحالتين لا تخلو قصة من قصص فهمي عبد السلام من تلك السخرية المعهودة في صوره وكتاباته، ذلك أنه يؤمن بفاعلية فن الكاريكاتير وأهميته في الإشارة إلى المفارقات الحياتية والاجتماعية التي يعيشها أبطال قصصه، وقد يرى البعض في هذه النوعية من التعبير الساخر قسوة ما يُمارسها الكاتب على الشخصيات التي أوقعها القدر في طريقة، بيد أن البعض الآخر يرى في السخرية علاجاً للظواهر السلبية، حيث التركيز عليها يجعلها أكثر وضوحاً، وبالتالي يُمكن تلاشيها وتجنبها، غير أن الكتابة الساخرة بطبيعتها هي مرادف للنكتة، والنكتة كما هو معروف تندرج وظيفتها تحت بند النقد.

ولأنه لا يعتد بأي كتابات إبداعية خارج نطاق السخرية والتهكم، فقد جاءت مجموعته القصصية الأخيرة «سوء تفاهم» عزفاً على الأوتار ذاتها التي طالما صدرت عنها أصوات تشي بطبيعته وذوقه الأدبي، وميله الذاتي إلى الإلماح والإسقاط واستدعاء المواقف والشخصيات الحقيقية من الذاكرة، والخروج بها إلى المحيط الواقعي، مُجدداً قبل أن يطويها النسيان وتصير عدماً، فربما ما تتميز به كتابة فهمي عبد السلام هو ذلك الاسترجاع الدقيق للحكايات القديمة بتفاصيلها الصغيرة، مقرونة بالتواريخ والأزمنة والأحداث، مع التضمين اللائق لجماليات القصة وزخرفها، كي تتوافر لها شروط التأثير، فتُصبح كما يريد كاتبها نافذة صائبة.

ومن الأمثلة الدالة على ضلوع الكاتب في التهكم، واتباعه أسلوب المُبالغة في الوصف والتصوير كمنهج إبداعي، قصة «المُفكر والخرتي» تلك التي يعري فيها دور المُثقف الذي يدخل حيز الشبهة، بعلاقة غير طبيعية مع صديق له، تشي بانحراف سلوكه الشخصي، ويأسف عبد السلام لحال الصديقين، ويسوق عبارة أوفيليا في مسرحية هاملت «لهفي على عقل كبير قد هوى» كإشارة لتأسيه الشديد لحال من يمتلك فكراً نابهاً ورغبات مريضة، تجعله رخيصاً ومتدنياً، ولا شك في أن هناك نوعاً من الإدانة للسلوكيات المشينة، وهو ما قصده صاحب المجموعة وصرّح برفضه له عبر صياغة مُحكمة وغمز ولمز، ولعله المراد الأساسي من ورود القصة في متن المجموعة، بين مثيلاتها من القصص الأخرى، التي تحمل مفاهيم ومعاني لها الأهمية ذاتها من العرض والتجسيد الكاريكاتيري المُضحك.

وتحت عنوان مباشر وصريح تأتي القصة الأخرى «حادث تافه في شارع الجلاء» لتؤكد على امتزاج الحدث الدرامي البسيط بالمعنى الشمولي للحالة الاجتماعية المقصودة، فالقصة تدور حول عملية سرقة مُتكررة من جانب لص صغير لعدد من مرايا السيارات الواقفة جانب الرصيف في شارع الجلاء وسط العاصمة، حيث تنتهي المسألة بالقبض على اللص وتسليم المرايا المسروقة لأصحابها، لكن الخط الإبداعي للقصة لم ينته عند هذا الحد، بل امتد إلى ما هو أبعد من جريمة السرقة ذاتها، ليُصبح الحادث التافه، بوصف الكاتب، مجرد خيط رفيع يربط بين السرقة وتبعاتها من أشكال الحيرة والضجر والذهاب إلى قسم الشرطة وسراي النيابة، ومُطالعة الوجوه المُحتجزة على ذمة قضايا، ومحاضر التحقيق، والمساءلات القانونية اللازمة للحصول على المرآة بعد التوقيع وإثبات الهوية الشخصية وإغلاق المحضر برقم معين في ساعته وتاريخه، وفق الإجراءات المعمول بها قانوناً في الجهات الرسمية. ناهيك من الحالة النفسية للمُضار من حادث السرقة، كل هذه مستويات استغرق فيها الكاتب فهمي عبد السلام ليُجبر القارئ على المعايشة والاندماج والإحساس بوطأة الظرف القاسي، رغم تفاهته، وهي إمكانية تُحسب بالقطع لمن صاغ القصة البسيطة وحولها من مجرد حادث عارض إلى حكاية مأساوية لها بداية ونهاية ووسط.

أما قصة «سوء تفاهم» التي تُشير إلى عنوان المجموعة القصصية، فهي أيضاً من وحي ما يفرزه الشارع المصري من إبداعات خاصة، لا يحق لكاتب مهتم بتفاصيل حياة البسطاء أن يتجاهلها، لاسيما إذا كان من الذين يقضون ساعات من يومهم في رصد التفاعلات الإنسانية، ويرقب عن كثب سلوكيات العامة من الكادحين والمقهورين اجتماعياً، فالقصة مبنية على مجرد صورة عابرة يلتقطها الكاتب لامرأة بائسة تعيش حياتها على الرصيف، وتحمي نفسها بالمظهر الخشن والسلوك العدواني، لتُرهب من تسول له نفسه الاعتداء عليها، ولأنها تقطن الشارع وتتخذ من الرصيف موطناً دائماً، فهي مُدربة على الاشتباك والمُبادرة بالعدوان، آخذاً بقاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع.. والكاتب في هذه القصة يكشف تفاصيل الحياة التي تفرض نفسها على الباعة الجائلين والمتسولين والمُتسكعين، ويرينا من آيات القسوة ما يغير وجهة النظر في ما نتصور أنه الحق أو اليقين، حيث المرأة التي ظننا في بداية القصة أنها من أرباب السوابق، وجدناها في نهاية القصة ضحية ومغلوبة على أمرها. وكذا الرجل الذي اشتبكت معه ولم يجد بُدا من ضربها وإسقاطها على الأرض، هو الآخر كان مُرغما على هذا الفعل العدواني تجاهها، فالأمر كله لا يعدو كونه سوء تفاهم أو سوء حظ يدفع بالرجل والمرأة البائسين إلى الحرب طوال اليوم لحماية أنفسهما بالعراك وأخذ حقوقهما بالقوة قدر استطاعتهما.

وهكذا تلخص القصة الواقع المرير للهامشيين من البشر على نحو يُثير الشفقة بلا أحكام مُسبقة أو تزييف للصورة الحقيقية، ومن دواعي التأثير في المُعالجة القصصية للكاتب فهمي عبد السلام أنه يُدخل الراوي طرفاً في الصراع مع الأبطال فيُزيد من الإحساس بواقعية الحالة الدرامية وصدقها.

كاتب مصري








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي