حقيقة الفن

2022-01-17

عزيز الحدادي

«الفن العظيم لا يكون مقيدا بمذهب لأنه ينشق دائما ويبدأ من جديد» هايدغر

لم يعد الفن العظيم وحده يثير فضول الفيلسوف، كما كان عليه الحال مع هايدغر، بل الفن بوصفه لعبا وفيضا من الابتهاج، كالرقص والموسيقى المرحة والسينما الكوميدية. فالفن يجلب معه عالمه الخاص «يطالب بحقه علينا» وبلغة جادامير الفن ينبغي عدم فهمه على أنه مملكة سحرية خالية، يمكن أن نهرب منها، ينبغي أن نواجه الفن بالحركة، كما نفعل أثناء الرقص، فبأي معنى يصبح الفن لعبا؟ وهل سيفقد هويته الميتافيزيقية، أي الصرامة والجد؟ وما العلاقة بين الفن العظيم ولعب الفن؟

والحال أن الفن تجربة في العالم كما الإنسان، وبانتهاء هذه التجربة سينتهي الفن، ولذلك كلما طالب بحقه، استمر في الوجود، ولا يعني ذلك أنه سيتحول إلى مجرد تسلية، أو فاصل من اللهو، بل خبرة معيشية. ومن أجل فتح حوار حول الفن لا بد من اكتساب هذه الخبرة، وهذا أمر يختلف من شخص إلى آخر حسب العمق الفكري والأفق المعرفي، ويبدو ذلك واضحا في مشاهدة الأفلام وتنوع الأذواق.

من الممكن استثمار المفاهيم الأساسية في الفينومينولوجية، ودمجها في الهيرمونيطيقا، من أجل بناء استيطيقا خاصة بالسينما، لأنه لا مجال للشك في أن الفينومينولوجيا حسب هايدغر، قد ساهمت في توسيع دائرة الفن، أي فن الشعر والرسم، وجعلهما في قمة الفنون، ولذلك فإن تجاوز علم الجمال يعني من ضمن ما يعنيه تشييد أصل العمل الفني على مفهوم الفن العظيم، ويبدو أن هايدغر ظل ينتقد هيغل في صمت، لأنه عندما يقول «فعلم الجمال قد بدأ مع أفلاطون في الوقت نفسه الذي كان فيه الفن العظيم بجانب الفلسفة العظيمة التي ازدهرت معه، يبلغ نهايته، فالفن يتمثل المطلق، أي في تأسيس المطلق على النحو المحدد الذي يكون عليه في مملكة الإنسان التاريخي». فالفن لم يعد شيئا من الماضي، كما قال هيغل، بل أضحى الحضور الدائم للحاضر .

من المحتمل أن يكون هايدغر قد رفض أطروحة هيغل القائلة بموت الفن، على الرغم من أنه لم يعلن عن ذلك، ومعنى الفن العظيم ليس سوى الشعر والرسم، هولدرلين وفان غوغ، فهايدغر ظل معتزا بشعر هولدرلين ولوحات فان غوغ، كما ظل معتزا بالفلسفة الألمانية، التي حقق كمالها هيغل ومجدها كانط ونيتشه، وهذه هي أخلاق الفلاسفة، وليس أشباه الفلاسفة الذين لم يتجاوزوا مرحلة مدخل إلى الفلسفة .

الفن العظيم لا يكون إلا في العصور العظيمة التي ازدهر فيها الفن والفلسفة والسينما، حيث البداية كانت مع التراجيدية اليونانية، ثم فن عصر النهضة والحداثة وما بعد الحداثة، وكلها لحظات استوعبت فيها الاستيطيقا الطابع الاحتفالي للحقيقة. ومادام أن الفلسفة لن تصبح شيئا من الماضي، فإن الإنسان لن ينزلق في الاغتراب، فالمفهوم الهايدغري للفن، باعتباره أصلا تاريخيا للحقيقة وحفظا للفيض، قد تحول مع جادامير إلى تواصل يتعلق بزمانية العمل الفني، فالتواصل يحفظ العمل الفني ويقربه من الوعي التاريخي .قد يكون الاختلاف واضحا بين تاريخ الروح عند هيغل وتاريخ الوجود عند هايدغر، ولكن موقفهما من الفن ظل غامضا ومتشذرا. هكذا تدخل جادامر ليرفع اللبس ويفتت الغموض عندما اقترح القراءة الهرمونطيقية التي تمزق الحجاب عن الاغتراب، ليظهر الوجه الحقيقي للوعي التاريخي. ومع ذلك يلح الفيلسوف على أن التحدي يمكن أن يكون عن طريق الماضي لنقترب من الحاضر، الفيلسوف قادر على أن يظهر لنا التعريف الجمالي للفن، والفنان في ثورة مستمرة على التراث، من أجل التجاوز .

لم يكن موقف كانط واضحا في نقد ملكة الحكم، لأن الانتقال من العبقرية إلى الذوق الخالص، لا يوضح وظيفة العبقرية ولا وظيفة الذوق، بل إن جادامير يقول بأن تأسيس «كانط لعلم الجمال وفقا لمفهوم الذوق لم يكن مرضيا تماما، لأن تجاوز مفهوم الذوق لصالح مفهوم العبقرية جعل الاستيطيقا لم تعد استيطيقا» ولكن مجرد فن للزخرفة .

يبدو أن النقد الكانطي للفن، أسس جسرا على الهاوية، لأنه قام بنقل مفاهيم الميتافيزيقا إلى الاستيطيقا، ولذلك يجد القارئ صعوبة في التمييز بين نقد ملكة الحكم، ونقد العقل الخالص، إلى درجة أن دريدا اعتبر هذا العمل ضربا من العنف الماكر، أو تواطؤا بين كانط والعقل على الفن، فملكة الحكم هي مجرد قنطرة «فوق الحافة» حسب دريدا، بل إن كانط يعتقل الاستيطيقا في المفاهيم المنطقية السكولائية» حين يعتبر أن الذوق الخالص هو بمثابة ملكة للحكم على الجميل ولذلك ينبغي أن لا نحكم على الجميل إلا متى ارتقينا إلى الذوق الخالص».

كاتب مغربي







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي