في قراءة التراث النقدي

2022-01-07

منصف الوهايبي

إلى روح جابر عصفور

يقول جابر عصفور الذي رحل عن عالمنا مفتتح هذا العام، في مصنفه «قراءة التراث النقدي، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر ط1 /1991» «التجاوب والتداخل بين المستوى الفكري والإبداعي من الحداثة أدى إلى تأسيس ما يمكن أن نسميه «النقد المحدث» في مقابل «النقد القديم». ويضيف «وإذا كان اللغويون والنقليون من أهل السنة يمثلون النقد القديم، فإن المعتزلة والفلاسفة هم الذين صاغوا أصول النقد الحديث». ومرد الصعوبة في الإقرار بهذا الرأي إلى أن النقد العربي القديم كله يبدأ وينتهي بالقياس على الماضي، وهو نقد نقلي عقلي في آن، وإن على تفاوت بين ناقد وآخر.

وقراءة جابر شأنها شأن قراءة الأسلاف، تنبني على سجال بين الأنموذجين: القديم والمحدث، ومواجهة هذا بذاك، أو قياس الحاضر على الماضي؛ وما ذاك إلا لأن طريق القياس والتشبيه هو من أسهل الطرق وأيسرها إلى ما لا ينفذ إليه في المحدث معنى وصورة ـ فقد حجب مسلكهم هذا على ما يسميه المعاصرون تأثير «الرقابة اللاشعورية « وفسح المجال وسيعا لـ»عودة المكبوت» الأمر الذي وسم قراءتهم وجعلها تفصح في جوانب منها غير يسيرة، عن رؤية ذاتية أكثر منها عن حقيقة المحدث الموضوعية.

وخير مثال لذلك، الاستعارة التي عالجوها من حيث هي صورة من صور التشبيه، وذهبوا إلى أن العلاقة المسوغة لها إنما هي علاقة المشابهة. وفي مواقفهم من «ماء الملام» في بيت أبي تمام، الشهير، أن هذه الاستعارة المكنية التخييلية إنما أشكلت على طائفة منهم، لأنها زاوجت بين أمرين متمانعين بالذات، أو بين نقيضين (ماء + ملام) لا يمكن اجتماعهما بوجه واحد، كالإيجاب للأول (الماء) والسلب للثاني (الملام). وارتضتها طائفة أخرى، ولم تر فيها ما يعيب أبا تمام، بل إن الآمدي يجدها قريبة المأخذ، لوضوح علاقة المشابهة فيها. على حين أن ابن الأثير يجدها قريبة من وجه، بعيدة من وجه. والسؤال الذي ينشأ هو كيف تبنى المشابهة في الاستعارة؟ وما الذي يجعلها ظاهرة جلية عند بعض، مضمرة خفية عند بعض؟ أما الآمدي فقد ذهب إلى أن أبا تمام جعل للملام ماء على الاستعارة، إذ جرى مجرى العادة أن يقول القائل: أغلطت لفلان القول، وجرعته منه كأسا مرة، وسقيته منه أمرَّ من العلقم؛ فالملام مما يستعمل فيه التجرع على الاستعارة. ويتضح من كلامه أن أبا تمام تأتى الصورة مما هو جار في أعراف اللغة واستعمالاتها، فتكون بنية المشابهة من المألوف المعتاد عند المخاطب، إذ هي ترجع إلى ملابسة قوية بين الأصل والفرع. على أن الأصل الذي تنبني عليه المشابهة، يمكن ان يكون هو نفسه مجازا أو استعارة. والسؤال هو إن كان هذا الأصل يستحق في هذه الحالة أن يوصف بالاستعاري أم لا؟

والآمدي لا يفصح عن رأيه، ويفهم من ظاهر كلامه أن الاستعارة في «ماء الملام» لا تعدو نقل اللفظ عن الأصل اللغوي، وأن هذا النقل كان من أجل شبه بين ما نقل إليه وما نقل عنه. لكن تعقيبه على البيت، وقد أجازه؛ يدل على أن الأصل يمكن أن يكون من المجاز، أو التشبيه الذي «يشيع ويتسع ويذكر ويشهر» بعبارة عبد القاهر الجرجاني «حتى يخرج إلى حد المبتذل وإلى المشترك في أصله، وحتى يجري مع دقة تفصيل فيه مجرى المجمل الذي تقوله الوليدة الصغيرة والعجوز الورهاء». وفي هذا ما يؤكد أن الحقيقة عندهم حقائق، وأنها ليست في كل الأحوال، ما لا يتصرف فيه عند الاستعمال؛ فقد اعتبروا المجازات التي جرت مجرى المجمل في عداد الحقائق المشتركة، و»الحقيقة» عندهم: عقلية تتفرع إلى أربعة أقسام (ما يطابق الاعتقاد وما لا يطابقه وما يطابق الواقع دون الاعتقاد وما لا يطابق شيئا منهما) وحقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، وحقيقة اصطلاحية عامة، وحقيقة اصطلاحية خاصة.

ولا يفوتنا أن نذكّر بأن ابن سنان يرد على الآمدي قوله، ويرى أن المجاز لا يقاس عليه وأن الاستعارة إذا بنيت على استعارة فسدت، وأدى ذلك إلى الاستحالة والفساد. ولعله قصد بهذا النوع ما سماه اللاحقون عليه بـ»الاستعارة المرشحة» أو الترشيحية في سياق تقسيمهم الاستعارة، باعتبار ما يتصل بها من الملائمات وعدم اتصالها. و»المرشحة» عندهم هي التي يقرن فيها اللفظ المستعار بملائم المستعار منه (أي المشبه به). ومثالهم الأثير الآية «أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم» (البقرة 16). على حين يجد ابن سنان «ماء الملام» بعيدة يتعذر الوصول إلى مراد الشاعر منها، إن اعتبر فيها القرب. ولعل وصفه أن يكون أكثر دقة، ذلك أن بنية المشابهة تخفى في الاستعارة المرشحة، إن لم تكن معدومة بالجملة. والترشيح في عرف البلاغيين اللاحقين على ابن سنان أبلغ من التجريد والإطلاق، لاشتماله على تحقيق المبالغة بتناسي التشبيه، وادعاء أن المستعار له هو المستعار منه نفسه، وليس شيئا شبيها به؛ حتى لكأن الاستعارة نفسها غير موجودة. والحق أننا نتردد في وسم «ماء الملام» بالاستعارة المرشحة، أو الترشيحية الخالصة؛ والأقرب إلى الظن أنها مكنية مرشحة قرنت بما يلائم المستعار (المشبه) لا المستعار منه (المشبه به).

فإذا انتقلنا إلى ابن الأثير وقفنا على قراءة تلوح من الطريف النادر، فقد حاول صاحبها أن ينفذ إلى بنية المشابهة في الصورة من زاوية «تجاوب الحواس». ذلك أن الملام قول يختص بالسمع فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق، فكأن «لا تسقني ماء الملام» «لا تذقني الملام». ولو تهيأ للشاعر أن يستبدل «لا تسقني» بـ»لا تذقني» واستقام له الوزن، لكانت الصورة في نظر ابن الأثير، تشبيها حسنا. ومهما يكن فإن بنية المشابهة قامت، عند ابن الأثير، على تجاوب بين حاسة السمع وحاسة الذوق، سائغ مقبول. وهذا سبب قرب الصورة أو «التشبيه» بعبارته أي «تشبيه معنى بصورة» أو تشبيه صورة متوهمة بصورة محسوسة بعبارتنا نحن، إذ «السمع يتجرع الملام… كتجرع الحلق للماء» فصار هذا كأنه شبيه ذاك.

إذن من أين يتأتى البعد في بنية المشابهة؟

مصدر هذا البعد في نظره هو لفظ الماء، وهو في «متخيل» العرب القدامى مستلذ مشتهى؛ وهو نقيض كل ما هو مستكره قبيح، ولذا وجب أن يقترن بما يلائمه ويناسبه، لا بما يخالفه ويناقضه. واللذة عندهم إنما هي إدراك الملائم من حيث إنه ملائم مرغوب فيه. ونشير ها هنا إلى رأي ابن سينا في أن «اللذة حركة للنفس وتهيؤ يكون بغتة بالحس للأمر الطبيعي الملائم… والأمور الملايمة منها ما يلايم بالطبيعة، ومنها ما يلايم بالعادة…» ومن هنا انتقضت الصورة على قارئها وبعدت وحط الماء من درجتها شيئا. ومن المفيد أن ندرك أن مقولتي القرب والبعد محفوفتان بجملة من المعاني غير البلاغية، فلا الأولى مقصورة على مجرد العلاقة القريبة بين طرفي الاستعارة، ولا الثانية على مجرد العلاقة البعيدة بينهما. إنما يفيد جذر (ق.ر.ب) وسائر مشتقاته، أكثر ما يفيد معاني الدنو والكلام الحسن وترك الغلو وقصد السداد والصدق وصلة الرحم… فيما يقترن جذر (ب.ع.د) وسائر مشتقاته بمعاني الموت والهلاك والبين والفراق وما إليها. ولا نخال هذه المعاني الحافة إلا ذات أثر في نعتهم الاستعارة بالقريبة المختارة أو البعيدة المطرحة. لكن ليس لنا أن ننساق إلى استنتاج متعجل كأن نقرر أنهما مقولتان متخالفتان متدافعتان، كما نجد عند جابر عصفور، أو أن ندعي أن القرب في قلة الحاجة إلى البعد والغنى عن فضل النظر والرأي ـ وهذا من معاني البعد لغة واصطلاحا ـ إنما حاصل قولهم وما يؤول إليه أن القريب من الشعر والكلام أو «الملخص» بعبارة عبد القاهر (من لخص الكلام أي اختصره أو بينه وقربه) هو ما لا يستطاع الوقوف عليه، حتى يوصل ببعيد ويقرن بغريب، أو هو الداني المتناهي في القرب والشاسع الشديد من البعد في آن؛ أي الذي يذكي حرص القارئ «على طلبه بمنع جانبه وببعض الإدلال عليـ(ـه) وإعطائـ(ـه) الوصل بعد الصد، والقرب بعد البعد» حتى ليمكن القول إنه ليس ثمة إلا البعيد الغريب الذي يرد إلى المألوف القريب أو ينبغي أن يرد، وما عداه إنما هو «المعقد» بعبارة عبد القاهر أي الكلام الذي «لم يذم لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر على الجملة بل لأن صاحبه يعثر فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه، بل ربما قسم فكرك، وشعب ظنك حتى لا تدري من أين تتوصل وكيف تطلب». وكلما تعقد المعنى وتراد عن مجراه، انضمرت الصورة وذهبت مائيتها.

كاتب وشاعر تونسي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي