صعاليك هيرابوليس لمحمّد سعيد: لعبة اللاوعي والواقع

2021-12-26

نبيل مملوك

بلغة توافقيّة تناسب كل مستويات تلقي النص وبمعجم سلس قريب من اللغة الواقعيّة الراهنة، قدّم #محمد سعيد روايته "#صعاليك هيرابوليس" (الصادرة عن دار هاشيت أنطوان-نوفل/ طبعة أولى 2019) لتكون تأشيرة إبداعيّة جديدة تضاف إلى التأشيرات التي تأخذنا الى ساحة الحرب السورية وما بعدها من شتات داخليّ اجتماعي ونفسيّ وداخلي، إضافة الى اتجاه الكاتب نحو التوثيق التاريخي والسياسي لانحدار السلم الأهلي في سوريا بدءاً من انطلاقة الثورة وصولاً الى آخر أيام تنظيم داعش، لكن المفارقة أن سعيد اتجه في رؤيته الروائية نحو اللاوعي الذيألبسه للشخصيّة الساردة أولاً فجسدّها بالراوي العليم من خلال ضمير المتكلم والرؤية السرديّة المصاحبة، وباقي الشخصيات التي تحدث الكاتب عن لاوعيها ليكون النص بذلك مساحة للعبة اللاوعي وطبقاته من جهة والواقع من جهة ثانية.

السارد واللاوعي الإنساني

الرواية التي تتوزع أحداثها على سبعةٍ وخمسين فصلاً مكثفًا أراد كاتبها أن يكون السارد جزءاً من عمليّة تكوين بنيتها النصّيّة، أو بعنى أوضح وأدق، جزءاً من الشخصيات الأساسية التي تعرضت خلال الأحداث المأساوية في سورية بدءاً من انطلاقة الثورة حتى دخول داعش إضافة الى "فلاش باك" طويل يبدأ بوفاة والد السارد أو الشخصيّة المتكلمة الذي- أي الوالد- يعكس ملامح الشيوعي الذي هزمه الترهيب والموت وأهداه التعذيب الجسدي والنفسي "والدي الذي كره السياسة والعمل بها بعد اعتقاله من قبل سلطة الإنقلاب وانكسار أحلامه القوميّة...(ص.10)".

انطلاقاً من هذا العامل الذي شكل بداية تراجيدية للرواية، استطاع سعيد من خلال الراوي العليم اتخاذ هذا الحدث ليكون منطلقاً للاوعي واقعيّ مشبّع بالخوف والرغبة والقلق وذلك عبر تقنية الاسترجاع التي ساق المتلقي من خلالها من الحاضر المتمثل بقبوعه في زنزانةِ الاعتقالِ التي قضت على أبسط حقوقه وهو البوح "في هذا المكان الضيّق حتى الصراخ سيجردونك منه" (ص.12).

وتنطلق بعدها رحلة اللّاوعي الجريئة، متمثلةً أولاً بالحسرة على كل كتاب أحرق وكان بمثابة نيشان لذاكرة حافلة بالمعرفة والتغني بالعقيدة والاعتقاد الفكريّ، وقد انعكست هذه الحسرة على طول النص من خلال الاستشهاد بالعديد من الافكار والأقوال والأحداث الثقافية التي شكلت ذهنية السارد "هكذا جئت الى هذه الدنيا بعد خروج والدي من السجن ...لأجد نفسي محاصرًا بأغاني الثورة والحريّة ومحوطًا بصور غيفارا وكاسترو والمنجل" (ص.46)، وفي مقلب آخر تجلّى اللاوعي من خلال خطّ الأحلام التي تضج بالرغبات الملحقة بالتوتر والقلق والخوف وكانت هذه الرغبات في كثير من الأحيان جنسيّة بحتة تجسّد علاقة السارد بماريّا الصحفية الألمانية التي كتب لها أن تؤدي دورها الانساني والرومانسيّ الصامت دون أن يكون لها تأثير جانبي أو فعلي على مجرى الأحداث أو التحولات الفكريّة والذاتية لدى الشخصية الأساس رغم تصوير الكاتب للشخصية أنها الأحوج للتعبير الجسدي عن العواطف والتواصل العاطفي "لم يكن لديّ رغبة في التورط بحديث جنسي يؤجّج مشاعري تجاهها أكثر مما أنا عليه الآن" (ص.137). ثم ينتقل السارد إلى الحوار الداخليّ الذي يشكّل ما كتبه اللاوعي من شحنات سلبية تجاه ما يعتريه من تنكيل اجتماعي ترافق مع تزعزع البنية الاجتماعية والنفسية في سوريا"، وسبق ذلك تحولٌّ من مرحلة المناجاة اللاواعية الى مرحلة التوثيق السياسي والأمني "انسحبت كل الأجهزة الأمنية مفسحة المجال لدخول الجيش الحر" (ص.115).

إذن، كان لاوعي السارد بمثابة مروحة تطال كل الفئات الحسيّة وجاعلة من إدراك الشخصية مرآة تعكس التبدلات السياسية والاجتماعية والفكريّة والانسانية التي طالت بدورها باقي الشخصيات لا سيما جمعة الحميماتي.

"جمعة الحميماتي" واللاوعي الجماعي

لعلّ الشخصيّة المؤثرة في الرواية بعد السارد العالم بكل المسار النصّي والمشارك في تفاصيله هو جمعة الحميماتي، جمعة الذي باع الدنيا ومسؤولياته فيها مقابل ترفيه الذات بعد موجة من الاضطهاد الطفوليّ "كان زوج عمته يضربه بقسوة ولم يكن في حاجة الى سبب ليفعل ذلك" (ص.32). ربما هذا الحدث يعتبر عابراً ومألوفاً لدى أغلبنا، لكن جمعة الحميماتي الذي نشأ على فقدان والده وكان هذا بمثابة جرح نرجسي في جهازه النفسي حيث الهو المليئة بالرغبات تشعر بالرغبة نتيجة أي تصدع في جهاز الأبوّة رغم قسوة الأب عليه، فجعل هذا الحدث من ذاكرته وإرادته لوحاً يسجل بشكل لاواعٍ هدفاً أو تحوّلاً ظهر فيما بعد تحديداً بعد دخوله في العقد الرابع "بعد وفاة والده، كانت الثورة هي الحدث الثاني الذي سيغيّر مجرى حياة جمعة الحميماتي ويقلبها رأساً على عقب" (ص.101).

هذا التحول الجذريّ والثوريّ لدى جمعة، والذي شكّلت له الثورة منبراً لينتقم من كل ماضيه، ويتغلب بذلك على شخصيته المنفصلة عن شجاعته الحاضرة واندفاعه نحو مواجهة الموت، تدرّج نموه في أرض خصبة هي الساحة أو الميدان السوري المشتعل بالغضب وردات الفعل تجاه القهر "بعد رؤية تماثيل الديكتاتور تتحطم في المدن الثائرة على الهواء مباشرة، وما يعينه هذا التحطيم من كسر وتخط لكل حواجز الخوف والقهر  والذل المتراكمة في ذاكرة الأهالي " (ص.101). هذا التدرج أو التصاعد في العنف الذي قدّمه الكاتب كان تمهيداً مضمراً لإعلان جمعة الحميماتي شخصية قابلة لأن تكون معروفة لدى اللاوعي السوري الجماعي، أي أن هذا المشهد يمكن أن يأوَّل على شاكلة أن ديكتاتور الشام هو الصورة الأخرى للأب القاهر لجمعة في طفولته وزوج العمة المنكل بشخصيته "يا جاري أنا لا أفهم هذا الكلام.... دعنا نمت بشرف أفضل من هذه الحياة البائسة" (ص.106)، هو الشعار الذي هيأ جمعة أكثر ليكون شخصية لامعة في اللاوعي الجماعي أو في الذاكرة الجماعية للسورين الذين باتوا أخبر بكل حقول الحرب ومعاجمها، وأمسى جمعة الذي قاتل قبل الحرب السورية في العراق الشخصية المنتحرة في سبيل الحق والراغبة بالنصر ولو كلف هذا حياته.

هذه العوامل مجتمعة، جعلت جمعة "سوبرمان"  الثورة السورية، أو الشخصية الخارقة التي ينتظرها الوعي الطفولي لدى الجماعة بفعل شجاعتها وانضوائها تحت نيران الموت دون رفة جفن، فعزفت الجماهير بلاوعيها عن تذويب جمعة الحميماتي كما ذوبت درويش المتنسك والسارد الذي اكتفى بالتوثيق الميداني، ولفظت عروة الشخصية التي التهت بجروحها وحاولت التعبير عن ذلك من خلال لاوعي انساني يتجسد عبر الابداع والرسم تحديداً، ومن ثم العمل الانساني المتمثل بإنقاذ الجرحى، فالموت تحت نيران القذائف والبراميل المتفجرة. تحوّل الجمهور من محتضن معاكس لجمعة الحميماتي إلى منظومة جماعية لاواعية تساند وتتابع أخبار هذا البطل الذي واجه شبح الموت "بقي مصير جمعة الحميماتي معلّقًا ولم يعرف أحد حقيقة ما جرى معه" (ص.169).

وكثرت التأويلات حول مصيره، من استشهاد الى أسر، ليُكتب له الأسر مما يفسر أن الكاتب لا يريد لشخصية مبللة لا تخاف المطر الموتَ بأرخص الأسباب .

الحرب في رواية سعيد منصة لرؤية اجتماعية تمثلت بتحول جمعة إلى جزء من جمهور كسول هارب من واقعه إلى بطل واقعي مؤثر على ذهنية الجيل اللاحق الذي كُتب عليه النضال من أجل الحريّة والبقاء.

إن أردنا مقاربة النص من خلال الزاوية الاجتماعية والسياسية والفكرية، ستكون رواية "صعاليك هيرابوليس" شريطًا ومستندًا أدبيّاً يجول على كافة المراحل الانسانية التي تبدلت بفعل تبدل الأحداث وتأرجح الدفة بين ثورة تريد إسقاط نظام قمعي ووحشي يرفض الحوار بيد من حديد وبين تنظيم يدّعي تعمقه بالدين ويتوخى تحويل المعمورة إلى خلافة تصل إلى روما. هي رحلة الصعاليك اللاواعية المتمثلة بالسارد الذي اختار دور المراقب أو المنكفىء رغم التعذيب الملتصق به، وجمعة الذي انكب على الموت ليرتاح من ماضيه الوهن، والدرويش الذي ينتظر معجزة فطار كصديقه الشيخ وعروة الذي استسلم بدموعه لموت ظنه حياة لم تحدث... هي رواية اللاوعي والرغبة والبوح الداخلي قبل أن تكون وثيقة ايديولوجيّة متممة لروايات كثيرة.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي