آخذُ شجرة سِدر إلى بحر صبراتة صباحاً

2021-12-08

عاشور الطويبي

أُفكّرُ في كتابة قصيدة، عن زوارق الصيّادين في البحر، لا يُرى في العتمة الكثيفة إلا أنوارها.

عن تلك البقع البرّاقة، تصطفّ في خطّ أفقيّ واحدٍ، وعن كيف تهتزّ، مثل حبّات درّاق أصفر في هاجرة. أهكذا يكون شكل الموت للأسماك، أم هذا تابوت العتمة الكثيفة يصعد بها إلى...؟

أُفكّرُ أيضاً، كيف تختلف موسيقى الرمل، عن موسيقى الثلج!

هل، في وقع سنابك الخيل، تركض، صاعدة التلّ؟

هل، في أجنحة طيور كثيرة، تلمسُ ريش بعضها، لمساً خفيفاً؟

أو لعلّه، في ضربات قطرات الماء، للحوض، تتبعها،

أنفاسٌ هشّةٌ، كراتُ عرَقٍ، تتحرّك، خفيّة، ثقيلة؟

ليت لي شراهة الرياح، كنتُ عرفت!

تمهّل قليلاً يا رجل! اطرحْ عن قدميك إيقاع الجندب.

آن تصل قدم الجبل، اجمعْ، ما تستطيع من حطب طلحٍ وسدرٍ.

هنا، الليل طويلٌ، وصيحات الوحش حزينة!

نتوء صخري، عليه تتكسّر، موجات البحر.

مرّة، كأنّها قارب سكران،

ومرّة، كأنها غريقٌ يخبط بيديه وجه الماء.

من شرفتي، أرى الأفق خطّاً مستقيماً، كلّما اقتربتُ ابتعد.

لم تأتِ اليوم، بومةُ الحقول الشهباء، كذلك، غاب الهدهد.

حسبها، نسماتٌ باردة، والاستماع إلى علي الرياحي، يغنّي: العالم يضحك!

قبالة الشمس، تجلس جارتي، بومةُ الحقول الشهباء، على سورها.

قبالة بحر صبراتة، أجلس، أنا، صيّاد الكلمات، في شرفتي، بيني وبينها، شجيرات عكاز سيدي موسى، كيزانُ ورداتها الصفراء، تقطر عسلاً.

أمدّ عنقي قليلاً، لأرى وقفتها الشامخة!

لم أرَ الأسماك الصغيرة، تسبح في البحر، رأيت دوائر ضوء تتّسع وتضيق.

كان النورس الرمادي، يسفّ، فوق خطّ الماء، وأنا أركض، أتبع أثر السلطعون بين شقف البحر.

من إذاً، يقبض على صوت القصيدة؟

الطائرُ الأسود، الذي لمحته، يغادر الاحتفال بالذكرى السبعين، للإنزال الكبير في النورماندي، هل هو، ذات الطائر، الذي لمحته، في أكاكوس، الصحراء الكبرى؟

هل تعلم، ما الكثيب؟

رملٌ متراكم كالأحزان

جسدٌ عارٍ، غارقٌ في الشهوات

كلماتُ ريح رقراقة في الفلوات

صلواتٌ تطوي في وحشتها صلوات

سرابٌ تتبعه القافلة التائهة و...

مهٍ! وأنا الذي كنتُ، أعلم، ما الكتيب!

لو لم تكن الشجرة، تحدّث نفسها، ما كانت قادرة على:

مدّ أصابعها إلى قلب الأرض

خلق يخضور الكون، كلّ نهار

الإزهار، الإثمار، وإسقاط الأوراق.

لو لم تكن تحدّث نفسها،

ما كان لها أن تكون الشجرة، الشجرة!

البحر صامت هذا الصباح، لقد مدّ جسده شمالاً.

حطّ الزرزور على شجرة التين، انثنت ورقة التين قليلاً.

السلطعونات من حفرها، تتلصّص على الجالسين على الرمل.

ها قد سكن البحرُ، رجع القاربُ الذي لا أستطيع رؤية وجه صاحبه.

طيور الخطّيف تحلّق قريباً من هيكل ماركوس أوريليوس، وأنا في شرفتي، أُنصتُ إلى زياد غرسة وهو يحاول إخفاء بحّته الناعمة.

ثمّ ماذا؟

لقد رحلت النوارس، وصارت صخرةُ الصيّادين عارية موحشة!

وهي تذهب غرباً، تضع الشمس يدها، على الشجيرات تحت السور. حياة عميقة جدّاً!

لا شيء يمضي إلى غياب، بل إلى حضور آخر.

طرفا القوس يتّجهان إلى الداخل، كيْ لا يهرب الضوءُ ويتجاوز الظلّ حدّ الكلام.

يمكن للقصيدة أن تكون، غناء جنادب واقفة على التلّ. يمكن لها أن تكون، زورقاً يمرُّ به عابرٌ غريب، أو، جبلاً يرفع على أكتافه سماءً بأثقالها. لكنّها أبداً، شهقة، تذوب كقطعة سُكّر.

يا شاعر، نفخة النار في المصباح واحدة. فقط الشفاه ما يتبدّل ورعشة الأيدي.

هاتِ القصيدة فكّ عنها القيد. أخرجها من حوض الألم. افتح لها شرفة البيت.

ستجد أنّ، القصيدة بلدانٌ وقرى.

جاز بلا ساكسفون، كعود قرفة ملقى في الصحراء.

تدخل الإوزة الماء، تمدّ عنقها، تحني رأسها إلى أسفل، تمسّ الماء بصدرها، حتى تكاد تسمع خفق قلبها، ثم تلتفت يميناً وشمالاً وتمضي قُدماً.

هذا ما يفعل الشاعرُ!

ها أنذا أعودُ إلى مقطوعات شوبان على البيانو، عزف آرثر روبنشتاين، أربعينيات القرن الماضي. مثل كلّ مرّةٍ أجِدُني واقفاً أمام سلّمٍ عالٍ، لا مساند له، تحتي فجّ عميقٌ. لا أقدرُ على التقدّم، ولا أقدرُ على العودة، إلى الوراء. أشعرُ، بدبيبٍ كدبيب المارتيني، يسري ما بين وقتٍ غابر وآخرَ جديد!

أعيدوا إليّ، اليعاسيب التي رحلتْ. أعيدوا إليّ، تلويحةَ المطمئنّ. أعيدوا إليّ، وقتا هشاً، كوقت الأنبياء. ما كنتم تفعلون، لو أخدتُ نتفة من صباحكم، وكحلتُ بها بحركم؟

ما كنتم تفعلون، لو أخذت ما تساقط من صهيل خيلكم، وعلقتها أوسمة، على صدور المحاربين القتلى؟ ما كنتم تفعلون، لو أخذتُ دفء نسيانكم، وضعتُه قبلةً طويلة، على شفاه الحكايات؟

ما كنتم تفعلون، لو أخذتُ غدكم، أخفيتُه في بطن حوت، كي تصنعوا غداً، يليق بكم؟

قال لي الليل:

إن تصدّع حجر، تلك شهقة الخائف

إن رأيت العشب يهتز في السهل، تلك رجفة الجوع

إن سمعت دفوف النار، ذلك حفيف الشجن

هنا القصيدة موحشة

هنا البراري امتلأت بالمرتزقة

والمدنُ أطلقت صرختها في بوق القيامة

امض إلى حيث شئت

لن تجد بيتك في الطرقات!

سبع سلالم إلى حيث يقف الطائر أحمر- صدير، سبع أغنيات لدخول المساء.

بقايا مطر البارحة، على الأعشاب البرية الصغيرة، التي أخرجت أزهارها الرهيفة البنفسجية، في الفناء الخلفي. الريح شمالية شرقية، خفيفة. لا أرغب في مشاهدة برامج التليفزيون، ولا سماع الراديو. سأكتفي بجرعات من شاي بئر التنين. أقلّبُ الكلمات، وأحدّق في حيرتها تسيل بين أصابعي، خضراء، صفراء، بيضاء، وزرقاء. أقفل النافذة المطلّة على البحر، لا نوارس تحوّم في الفضاء اليوم. فقط، بقايا مطر البارحة على الأعشاب البرية الصغيرة!

هناك دائما طفل يقود التائهين إلى سَمنو.

السحب في سماء صبراتة ممزّقة، كأنّ نبالاً خفيّةً اخترقت جسدها، تهرب سريعاً إلى بحر قريب.

هذا الصباح قرأتُ قصيدة لشمس الرحمن البنغالي، عن قميصٍ بلون زهرة الخشخاش، بحمرة الشمس الغاربة. قميص يخفق في سماء زرقاء صافية، خاطته أخواته بوتر القلب، ونشرته أمُّه في الفناء المشبع بضوء الشمس. قميص أحمر يخفق في الشوارع والساحات، في الفرح والحزن، في الحضور والغياب.

هذا الصباح قرأتُ قصيدة لسيو جيؤنغ جو الكوري، عن أبيه الخادم، الذي خرج من البيت، وجدّته الواقفة عند الباب تنتظر. عن أمّه الحامل، تشتهي حبّة مشمش خضراء. عن هو الواقف بين جدران طينية متهالكة بأصابعه السوداء. عن جدّته الذي أخذ منها لون شعره واتّساع عينيه. عن جدّته التي أبحرت ولم تعد. هذا الصباح ما يزال في أوّله، وكلّ هذا الحزن الملقى في الأرض المغطّاة بأكياس البلاستيك، تخفق في الريح مع قميص أحمر وطفلٍ ينتظر جدّته التي أبحرت...

هذه الطيور التي تتقافز تحت الشجرة، أوراق شجر يابس طوّحت بها الريح الموحشة.

هذه المحارات الملقاة على رمل الشاطئ، زفرات الشعراء الغرقى.

اليد التي ترمي حجراً في الماء، لا تقطع صلتها بالحجر، تجعله يتدحرج على السطح الناعم قليلاً، ثم تغوص معه إلى بيت الحجارة والأصداف.

العين التي تحدّق في الحجر الساقط في الماء، لا تقطع صلتها بالحجر، تدلي بكلمة تشبهه، ثم تنتظر صعوده إلى أعلى وأعلى.

الحجرُ يفردُ جناحين يأخذانه إلى مطر هطّال وآنية مرمر وطريقٍ مشجّر وعتبة وباب.

شاعر من ليبيا







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي