قمة بايدن من أجل الديمقراطية لن تجعل أمريكا أكثر أمانا

د ب أ – الأمة برس
2021-12-06 | منذ 2 شهر

الرئيس بايدن (ا ف ب)

واشنطن: دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن أكثر من 100 دولة إلى المشاركة، افتراضيا، في "قمة من أجل الديمقراطية"، المقررة يوم الخميس المقبل، بهدف العمل من أجل تعزيز الديمقراطية في شتى بقاع العالم، ووقف ما تشهده من تدهور.

ويصف بايدن رؤيته للسياسة الخارجية لبلاده بأنها منافسة بين الديمقراطيات في العالم، بقيادة الولايات المتحدة، وبين النظم الاستبدادية، بقيادة الصين وروسيا.

ويقول ساشا جلايسر، الخبير والباحث المشارك بمركز الأبحاث الأمريكي "ديفينس برايورتيز"، والذي يركز على استراتيجية الولايات المتحدة الكبرى، والأمن الدولي، والعلاقات عبر الأطلسي، إن من شأن هذه القمة أن تجعل النخبة في واشنطن تشعر بأن لها الأفضلية الأخلاقية، ولكن وضع العلاقات الدولية في هذا الإطار أمر يتسم بالسذاجة والخطورة.

ويضيف جلايسر في تحليل نشرته مجلة "ناشونال إنتريست" الأمريكية، أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة يجب أن تخدم مصالح الشعب الأمريكي، على أكمل وجه- ويتطلب ذلك أحيانا العمل مع أنظمة أقل مستوى، فالقضايا العالمية مثل منع انتشار الأسلحة النووية، ومكافحة الإرهاب العابر للحدود، ومواجهة الأوبئة ، وتخفيف حدة تداعيات التغير المناخي ، وتعزيز التجارة النزيهة، تتطلب أن تتعاون الدول، دون النظر إلى هياكل السياسة الداخلية لدى كل منها.

ويرى جلايسر أن قرار الرئيس بايدن، بصياغة السياسة الخارجية لبلاده على أساس إيديولوجية " نحن في مقابل هم " بدلا من السعي وراء المصالح الجوهرية للبلاد، سوف يكون مصيره أن يقود الشعب الأمريكي إلى طريق أقل أمانا وأقل رخاء.

ولسوء الحظ، فإن بايدن هو مجرد أحدث رئيس أمريكي يُعلي من قيمة الإيديولوجية على حساب المصالح. لقد أغفلت الولايات المتحدة بعد خروجها منتصرة من الحرب الباردة، السبب الذي ساعدها في تحقيق النصر- ألا وهو تبني سياسة خارجية تستند إلى المصالح. وبدلا من ذلك، وفي ظل عدم وجود خصم في الأفق قادر على تحدي الهيمنة الأمريكية، اندفعت الولايات المتحدة في حملة لإعادة تشكيل العالم على صورتها.

وقد اعتقد صناع السياسة الأمريكية، من الحزبين الرئيسيين، الجمهورية والديمقراطي، على غير صواب أن استخدام القوة العسكرية هو كل ما يحتاجونه لتحويل دول مثل أفغانستان والعراق وليبيا إلى ديمقراطيات ليبرالية. ولم يكن من قبيل المفاجأة فشل جهود هندسة الأمم الأخرى اجتماعيا، مما أدى إلى الفوضى، وتراجع أمن أمريكا، وازدهارها ومكانتها في العالم.

ويعتقد جلايسر أن عمليات التدخل العسكري الأمريكي في دول لا تتمتع بقيمة استراتيجية كبيرة، قد صرف واشنطن عن قضايا أكثر إلحاحا- وبصفة خاصة الصعود المذهل للصين، فقد أدت عقود من السياسة الخارجية الأمريكية التي هدفت إلى نشر الديمقراطية والقيم الليبرالية بين شعوب ليس لها تاريخ أو اهتمام بهذه الطريقة للحياة، إلى تآكل قوة أمريكا النسبية في مواجهة الصين.

ففي الوقت الذي أهدرت فيه الولايات المتحدة الدماء والأموال في الشرق الأوسطـ، كانت الصين تنمو على نحو فاحش الثراء. وقد اتجهت النخبة الأمريكية بقوة نحو تطبيع العلاقات التجارية مع الصين ودمجها في المؤسسات الاقتصادية العالمية مثل منظمة التجارة العالمية، استنادا إلى اعتقاد بأن ذلك من شأنه أن يحول الصين إلى الديمقراطية وأن يجعل منها قوة عالمية مؤثرة ومسؤولة. ولكن أمريكا، بدلا من ذلك، ساعدت في تمكين عملاق يقوم حاليا بتحويل قوته الاقتصادية الضخمة إلى قوة عسكرية، ويسعى إلى تحدي الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ.

وتتمتع الصين بإمكانية أن تصبح أكبر عدو تواجهه الولايات المتحدة في تاريخها، بإجمالي سكان أكثر من 4ر1 مليار نسمة، واقتصاد يتجه إلى تجاوز أمريكا ليصبح الأكبر في العالم.

ويرى جلايسر أنه من أجل أن تظل أمريكا الدولة الأكثر قوة في العالم، ومن ثم الأكثر أمانا ، يتعين عليها تبني سياسة خارجية تركز على المصلحة ، وتعكس الواقع الجيوسياسي لعام 2021 ، وليس لعام 2001.

ويوصي جلايسر بايدن بأن يتعلم من التاريخ، ويقول إنه خلال أربعينيات القرن الماضي تحالفت أمريكا مع الاتحاد السوفيتي، السابق، والذي لم يكن بالطبع حصنا للديمقراطية الليبرالية- وذلك من أجل هزيمة ألمانيا النازية. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، ظل الاتحاد السوفيتي القوة الوحيدة في العالم التي تستطيع أن تهدد الولايات المتحدة. ومن أجل إدارة هذه المنافسة، تعاونت أمريكا مع نظم عديدة غير ليبرالية، بينها الصين الشيوعية، عندما استغلت بحكمة الانقسام بين السوفيت والصين.

أما اليوم، فالصين هي الدولة الوحيدة التي تمتلك إمكانية تحدي الهيمنة الأمريكية. وكما فعلت في الماضي، يتعين على أمريكا تبني نهج واقعي، بما يعني تنحية التحيزات الأيديولوجية جانبا والتعاون مع الدول غير الديمقراطية في آسيا، والتي لها مصلحة في تحقيق التوازن ضد الصين، مثل فيتنام وتايلاند وسنغافورة والفلبين، وحتى روسيا.

وأشار جلايسر إلى أنه لن يكون من قبيل الحكمة بالنسبة لأمريكا أن تقيد نفسها بالتعاون فقط مع الدول التي تشاركها نفس القيم ونظام الحكمة الرشيد. وبصورة أوضح، تظل الديمقراطية الليبرالية أعظم شكل من أشكال الحكم التي توصلت إليها البشرية، ورغم ذلك، أظهرت العقود الثلاثة الماضية أن محاولة نشر هذا النموذج في الخارج بالقوة من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية، وسيكون مصيره الفشل. وعوضا عن ذلك، يتعين على واشنطن أن تقدم القدوة في الداخل الأمريكي، بالحفاظ على أمن الأمريكيين من خلال اتباع حكيم لمصالحها الاستراتيجية في الخارج، بمنأى عن الإيديولوجية.

وقد لخص رجل الدولة البريطاني الشهير لورد بالمرستون، في إيجاز سبب ما اتسمت به السياسة الخارجية للإمبراطورية البريطانية من فعالية خلال القرن التاسع عشر، بقوله: "ليس لنا حلفاء دائمون ، أو أعداء دائمون. مصالحنا فقط هي التي لا تتغير، وإلى الأبد ، ومن واجبنا الالتزام بها".

ويقول جلايسر في ختام تحليله إن صناع السياسة في أمريكا تجاهلوا تماما هذه الحكمة خلال العقود الثلاثة الماضية، ولا يبدو أن لدى الرئيس بايدن أي خطط لتبني هذا المنظور. ويؤكد جلايسر أن مصلحة الشعب الأمريكي تكمن في وجود سياسة خارجية تركز على المصالح الجوهرية لبلادهم. ويرى أن "قمة من أجل الديمقراطية" تعقد عبر تطبيق زووم لن تؤدي إلى تغيير كبير في هذا الصدد.







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي