الناقد عبد العظيم السلطاني: قصيدة النثر.. هي قصيدة الشعر الحر الحقيقي

2021-11-03 | منذ 2 شهر

الدكتور عبدالعظيم السلطاني

عبد الأمير خليل مراد

الناقد الأستاذ الدكتور عبدالعظيم السلطاني واحد من الأسماء الثقافية النقدية التي تزاوج بين الحضور الأكاديمي والمشاركة في التعبير عن الهم الثقافي اليومي.

وقد بث تصوراته وإسهاماته من خلال مؤلفاته: «مقاربات في تنظير نقد النقد الأدبي»، و«نازك الملائكة بين الكتابية وتأنيث القصيدة»، و«ثقافات منحنية»، و«خطاب الآخر»، و«فسحة النص»، و«خطاب الرفض».. فضلاً عن مقالاته وأبحاثه التي نشرها في مختلف الصحف والمجلات العراقية ومجلات الوطن العربي.

وقد عبر عن تميزه في الأداء الأكاديمي من خلال اجتراح موضوعات ومحاور درس جديدة تلامس نبض الحداثة في تبدياتها، وأيضا من خلال مناقشاته القائمة على تخطي الموضوعات التقليدية، ونزوعه إلى تجديد الدرس النقدي عبر ممارساته الثقافية العملية في قاعات الدرس الأكاديمي وفي الفعاليات الثقافية الاجتماعية خارج أسوار الجامعة.

التقيناه فكان لنا معه هذا الحوار:

هل استطاع النقد مواكبة الشعر عموماً سواء في النقد الأكاديمي أم غير الأكاديمي؟

في واقعنا الثقافي المعاصر (في العراق نموذجاً) لم تعد هنالك أي شروط رقابية فنية أو محددات للنشر سواء أكانت عرفية فنية أم تعليمات نقابية أو جهة رقابية.. فالآن يمكن لأي إنسان أن ينشر نصوصاً بين دفتي كتاب ويكتب على الغلاف «مجموعة شعرية»، أو «شعر». وبفعل هذا الاستسهال مع وفرة مادية في إمكانية النشر، فضلا عما توفره وسائل التواصل الالكترونية؛ أصبح لدينا طوفان من المجاميع الشعرية ومئات من الشعراء والمتشاعرين. حتى صارت مواكبة النقد لهذا الطوفان غاية في الصعوبة.

وهذا ليس معناه أن النقد ليس مقصرًا في المواكبة والتتبع والكتابة عما ينُشر من شعر وفي فرز الشعر عن غير الشعر. فالنقد غير الأكاديمي قليل في الواقع، حين لا نعد نقداً تلك المقالات الصحافية العابرة الخالية من التحليل التي تتناول مجموعة شعرية معينة.

والنقد الأكاديمي، الآن، هو الأكثر من حيث الكم. بفعل كثرة أعداد طلبة الدراسات العليا المشتغلين في الدرس الأدبي.

وعلى الرغم من هشاشة كثير من هذا النقد فهو - بالإضافة إلى هذا الداء - مبتلى بداء المجاملة والانسياق وراء الدعايات الزائفة التي ينجح بتسويقها بعض الشعراء لأنفسهم ولشعرهم، مستثمرين وسائل التواصل الاجتماعي. وانطلاء لعبة الدعاية على النقد الأكاديمي أو استسهال البحث في نصوص شعرية معينة، أو موضوعات معينة، يكشف بوضوح تدني مستوى القاعدة المعرفية لنسبة لا يستهان بها من الأكاديميين. ونظرة سريعة في خريطة الموضوعات التي تكُتب في جامعاتنا تكشف مقداراً من تكرار الدرس لأشعار شعراء معينين من غير مسوغات نقدية أو أسئلة بحث حقيقية.

خذ على سبيل المثال كثرة الدراسات النقدية المنصبة على شعر أحمد مطر بسبب استسهال الطلبة الباحثين لذلك الشعر وانكشاف آلياته الشعرية.

هل يقترح مصطلح تأنيث القصيدة محاولة لتفسير ريادة الشعر الحر في العراق.. ما معالم هذا الطرح الفكري؟

كتاب «نازك الملائكة بين الكتابية وتأنيث القصيدة» يتضمن طرحاً طموحاً وجديداً، يحاول أن يفسر تفسيراً ثقافياً طبيعة العوامل التي دفعت نازك الملائكة لكتابة شعر التفعيلة ولتكون رائدة في هذا المجال، ثم يحاول – وبالطريقة الثقافية ذاتها في الدرس- تفسير موقفها السلبي في وقت لاحق من قصيدة النثر.

والكتاب يعزو كتابة نازك لقصيدة التفعيلة إلى تمدد نسق الثقافة الكتابية – وليس الكتابة - لديها، في مرحلة من عقد الأربعينيات من القرن العشرين.

وهذا كان بفعل عوامل نفسية فرضت عليها شيئا من العزلة والانطواء الذاتي، تفاعلت مع طبيعة المرحلة الحضارية وطبيعة حياتها الأسرية الخاصة بها وبأسرتها، حيث الحياة المدنية والهدوء في التعامل، فضلا عن اطلاعها على الشعر الغربي ومنجزه الخاص بشعر التفعيلة.. الخ.

فكل هذا دفع بنسق الثقافة الشفاهية لديها إلى التراجع والسماح بتمدد نسق ثقافي كتابي فيه تنوع، لا يحتفل كثيراً بما هو حماسي وإيقاعي حاد ومتماثل التشكيل والطرق الإيقاعي، كالذي تتسم به القصيدة العمودية التقليدية وطبيعة أبياتها المتطابقة بعضها مع بعض.

وهذا النسق الثقافي الجديد أدى إلى إنتاج شكل شعري مدني ابن الثقافة الكتابية، وهو «قصيدة التفعيلة». وأنا لا أميل إلى تسميته بالشعر الحر، فهو ليس حرا، إنما هو مقيد بصيغ تفعيلات معينة. وقصيدة النثر هي الشعر الحر الحقيقي.

 لكن نازك الملائكة – للأسف الشديد- أصبح لديها تحول ثقافي نسقي، حيث عاد النسق الثقافي الشفاهي مرة أخرى ليفرض حضوره القوي في ذاتها، في الخمسينيات بفعل انتمائها القومي الناصري، وما يقتضيه هذا الانتماء من احتفاء بالتراثي والإيقاعي والحماسي.

وهذا يفسر سبب عدم استمرار نازك في مشروع حرية الشكل الشعري، ووقوفها ضد قصيدة النثر. بل عودتها في حقبة لاحقة إلى كتابة القصيدة العمودية.

 

ما العلامة الفارقة في كتابك «خطاب الآخر»؟ وهل كان للدكتور علي جواد الطاهر بصمة واضحة في هذا المجال؟

كتابي «خطاب الآخر- خطاب نقد التأليف الأدبي الحديث أنموذجاً»، يضطلع بمهمة توسيع مصطلح الآخر، ليكون كل ما هو غيري يقابل الذات في علاقة ثنائية، وليس بالضرورة الآخر الغربي المواجه للشرقي، فالناقد هو آخر بالنسبة للمؤلف.

وهذا الكتاب محاولة لرصد الجهود النقدية التي قدمها النقد العربي لواقع التأليف في مجال الدراسات الأدبية.

ولأن الدراسة الأدبية يفترض أن تكون محكومة بنظام تأليفي معين بدءاً من اختيار العنوان مرورا بخطة الكتاب ثم التعامل مع المصادر ثم طريقة التفكير والكتابة وصولاً إلى النتائج؛ لذا فهي بحاجة إلى نقد التأليف الأدبي.

ولأن الدراسة الأدبية تتضمن نقداً أدبياً لذا فهي بحاجة إلى نقد النقد الذي يسُائل ذلك النقد الأدبي، فيفحص الواقع المنهجي لذلك النقد. فهل اعتمد ذلك النقد على منهج معين من مناهج النقد الأدبي أم إنه وظف أكثر من منهج؟ أم كان نقداً انطباعياً لا يستند إلى منهج بعينه؟.

 وما طبيعة اللغة النقدية التي تناولت ذلك الأدب؟... الخ من أسئلة ومهام يضطلع بها نقد النقد، حين يكون ذلك النقد حاضراً بوضوح في الدراسة الأدبية.

 فإحدى العلامات الفارقة في هذا الكتاب أنه يرصد محطات أساسية من محطات منجز نقد التأليف الأدبي (ومنه نقد النقد) العربي خلال القرن العشرين والربع الأخير من القرن التاسع عشر.

وفي الكتاب محاولة لتفسير منجز نقد التأليف من خلال النظر في السياق الثقافي التاريخي لذلك المنجز. أي إنه لا ينظر إلى منجز نقد التأليف بوصفه مجموعة من نصوص نقدت دراسات أدبية، بل بوصفه خطاباً له حيثياته وسياقه الثقافي والاجتماعي الموجِه. وهذه هي العلامة الفارقة الثانية في هذا الكتاب.

أما الشق الثاني من السؤال فالإجابة عنه: نعم. فالدكتور الطاهر كان راصداً للدراسات الأدبية.

 فتتبع بالنقد لغة تلك الدراسات وما وقع فيها من سهو في اللغة أو النحو أو ما سُطر فيها من أسلوب ركيك. مثلما أبدى الدكتور الطاهر ملاحظاته النقدية على مستوى الدراسات التي نقدها، وما تضمنته من أفكار ومعلومات، فضلاً عن ملاحظاته المتعلقة بطبيعة مناهج التأليف فيها.

وعلى الرغم من كون الدكتور الطاهر لم يكن كثير الكلام عن المناهج النقدية التي وظفها أولئك الدارسون النقاد، فإن نقده كان تعبيراً عن حرص الناقد الراصد المراقب لحركة التأليف، وهذا ما نفتقر إليه الآن، فعشرات الكتب تصدر ولا نجد حركة مراقبة تترصد تلك المؤلفات وتتفحص مستواها وتكتب عنها بشكل جاد وبوعي مراقب مسؤول.

كيف ترى تأثير «كورونا» في واقع الثقافة؟

أرى أن لحظة مواجهة الإنسان لفيروس كورونا تشبه اللحظة الوجودية الأولى التي واجه بها الإنسان قوى الطبيعة الخارقة ببروقها ورعودها وأعاصيرها، فهرع إلى قواه الجسدية في تدبير أمره وإلى قدراته التخيلية لتفسير ما يحصل حوله.

 واليوم يهرع إلى علمه في مواجهة قوى الطبيعة الممثلة بهذا الفيروس، فتدابيره الوقائية وعقاقيره المعالجة ولقاحاته المضادة كلها من نتاج عقله العلمي.

لقد أثر فيروس كورونا الصغير في ثقافة عالمنا الكبير، وعرَّى زيف الأوهام والتخيلات، وشرح بشكل عملي أن العلم هو المخلص والمعوَّل عليه.

وشرح للناس ببساطة أهمية ثقافة التشارك الكوني في مصير الإنسان والعالم. ورسخ في الإنسان الفرد ثقافة الاهتمام بالمكان، ومنحه فرصة الاختلاء بالذات والمراجعة، ونمَّا ثقافة الاهتمام بالجسد.  

 

 







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي