وثائقي مقترح عن فيلم "ريش": بورتريه الخيال والبلاهة

2021-10-29

من فيلم "ريش" للمخرج عمر الزهيري

محمد هديب

قد يفكّر صانعو فيلم "ريش" المصري أو المعجبون به، في عمل فيلم وثائقي، على غرار ما جرى بعد عشر سنوات من الفيلم البرازيلي "مدينة الرب" (2002)، و "انفصال" الإيراني (2011). هنا منطقة عربية أفريقية، جاء منها مخرج وقطف الجائزة الكبرى للنقّاد في مهرجان "كان" السينمائي الدولي. ليس كل فيلم روائي يفوز بجائزة في مهرجان كبير يحثّ على إنجاز عمل وثائقي عنه. في العادة يفرح صنّاعه بما حققوه، ويمضون في طريقهم إلى فيلم جديد.

لكنّها أول جائزة للمخرج عمر الزهيري، وهذه فكرة أولية تصلح لنشاط إعلامي، من تقارير واستضافات تلفزيونية. أما وجود دميانة نصّار، الأميّة من الصعيد القُح، ورفاقها الذين لم يمثلوا من قبل فهو الرافعة المغرية لسيناريو وثائقي.

فإذا أضفتَ الضجيج الموثّق على "يوتيوب"، والذي رافق عرض "ريش" في مهرجان الجونة، أضمن لك فيلماً جيداً، يفيد البشرية سواء في ما يسمى "العالم المتقدم"، أو النامي، حيث ما زالت الدول التي تصنِّف أو التي يقع عليها التصنيف، من سيئ إلى أسوأ في خدمة "نظام التفاهة" الذي فصّله آلان دونو. من يفكر في فيلم عن فيلم، ستكون أمامه مقاطع موثّقة أو سردية، يتحدث فيها المخرج والممثلة دميانة نصار، عن تلقينها دورها شفوياً، لتحفظه عن ظهر قلب. فالسيدة التي ينادونها في الصعيد "أم ماريو" كانت تتمنى لو أنها تعرف القراءة حتى توفر المشقّة على المخرج.

ويتبقى للتسلية والمرح إحضار فيديوهات الفنانين والمذيعين الذين نكّلوا بالفيلم، بوصفه "مسيئاً لسمعة مصر"، الأمر الذي ووجه بحملة سخرية من غالبية لم تشاهد الفيلم. لكن مجرّد اعتبار حضور الفقر في فيلم إساءة للسمعة، كان محط التهكم، حتى لو كان المرء ضعيف العقل، لا يمكنه سوى الضحك أو التأسي، أيهما أسبق. خرجَت عن حفلة التهكم التي طاولت هؤلاء الغيارى على سمعة مصر تدوينة للروائي المصري عزت القمحاوي قائلاً "شريف منير ليس فرداً، بل فكرة مخيفة. لم يصبح موجوداً إلا بعد أن خان الفن. لقد نجح".

أين ما يخيف هنا؟ سألجأ إلى فصل من كتاب آلان دونو بعنوان "بورتريه للفنان بوصفه عاملاً اجتماعياً"، حيث يقع العار في دولة متقدمة، ومعقدة النظم، وحيث الاستغلال ووحشية رأس المال في أماكن مضاءة جيداً، ومكاتبها لمّاعة، والجشعون بربطات عنق، وأظفار صقيلة.

يموت 47 شخصاً عام 2013 في انفجار قطار مليء بالنفط فاجأ المساكين من سكان بلدة "لاك  ميغانتيك" في كيبيك. وبدل المضي في محاسبة شركة القطارات التي لجشعها لم تستثمر في سلامة القطارات، استدعت السلطات فنانين لصرف الأنظار عن الجريمة، والغناء والعزف لأهالي الضحايا.

هذه المواساة وهذا التربيت على الأكتاف الحزينة، والتي يضطلع بها فنانون، لا تمرّ على مفكّرين، وحتى متأملين هواة، ينتبهون إلى أن المال يدير بعقل بارد سيطرته وتغلغله في أنظمة الدولة. ولدى وقوع الجريمة لا يهتز النظام، فمن الفوائض المالية يمكن دفع التعويضات، واستدعاء المربّتين.

لا توجد لدينا في الوطن العربي دول ذات أنظمة معقدة يتسلل منها فاسدون. وبالطبع لا يوجد ترف التربيت على أكتاف ذليلة. هنا دول الخوف التي يظهر فيها من هم على شاكلة "شريف منير" ليقيموا فعالية بلاهة وطنية. هم يعرفون أنهم كاذبون، لكنهم يرفعون عقيرتهم، بما يعتقدون أنه يرضي توقّعات السلطة.

وسط هذا الغبار الوطني، صار من الصعب قراءة الفيلم بهدوء، قبل الرد على فنانين مستغربين من نيله جائزة النقاد، وهي بالمناسبة، توصف بالصعبة، لأنها تختار عملاً فائزاً لخصوصيته الإبداعية الجديدة. ومع ذلك، لا أحد يهددنا بسيف الجائزة، وبمهرجانات كبرى. كل ما لدينا هو أن نشاهد، ونبدي حقّنا في الخروج من السينما بعد ربع ساعة، أو أن ننام ويوقظنا بعد انتهاء الفيلم رجل طيب، وظيفته ألا ينام وأن يشعل الأضوية، ويقفل دار السينما، ويعود إلى بيته، ويواصل تمثيل دوره في الحياة.

خطر في بالي، وأنا أتابع فعالية البلاهة من فنانين ومذيعين، امتعضوا وانمغصوا من مشاهدة الفقر، مع أن فقر الخيال أشد بؤساً من فقر الحال. خطر لي الفيلم الهندي "النمر الأبيض"، للمخرج الأميركي الإيراني رامين بحراني، وكان مرشحاً لأوسكار 2021 عن فئة  أفضل سيناريو مقتبس، وهو مأخوذ عن رواية بذات الاسم، للروائي الهندي أرافيند أديغا (بوكر 2008).

لنتخيّل أنه فيلم مصري، وقامت فكرته الأساس على وجوب أن يقتل الخادم سيّده، إذا ما أراد نيل حريته. في نهاية الفيلم ينادي الخادم -الذي قتل سيّده وصار رجل أعمال- جميع موظفيه ويقول لهم بالمصرية: "ماذا يحدث في فيلم مصري تقليدي؟ الفقير يقتل غنياً، ثم تطارده الكوابيس. شبح الميت يطارده صارخاً: يا للعار. لكن هذه ليس ما يحدث دائماً. الكابوس الحقيقي هو أنكم لم تفعلوا ذلك، وأنكم لم تقتلوا سيّدكم، وأنكم شعرتم بالخوف. ولا تزالون خدماً لناس آخرين".

لو وقع هذا، لا سمح الله، لذهب كل من اسمه عمر وراء الشمس، حتى لو كان حائزاً على حديقة حيوانات، من "الدب الذهبي" في برلين، و "الأسد الذهبي" في البندقية، وشرفياً "القط الذهبي" في إزمير، و "البجعة الذهبية" في مهرجان كابورغ الفرنسي، و"النسر الذهبي" في موسكو.

لكن الذي جرى، أن الفيلم لم يضايق السلطة، وأتى بجائزة كبيرة، وترك للطامعين في رضاها أن يشعلوا فعاليتهم، وهم ضامنون أن القانون لا يحاسب على تلوّث الضوضاء. بعد مشاهدة المستعجِلين، نسخة مزورة على الإنترنت، وهم ممن خدمهم شريف منير ورفاقه خدمة لا يُشكرون عليها، قد ينتبهون إلى أنهم أمام قطعة فنية تحيل إلى أعمال أو أفكار سابقة.

وفي حالة السينما، قد تكون تجارب أخرى سينمائية، أو في التشكيل والشعر مؤثرة، ومع ذلك يبقى لكل منجز لافت هويته. لربما شاهد المخرج عمر الزهيري "ثلاثية العيش" للسويدي روي أندرسون، وتحديداً الفيلم الأول "أغنيات من الطابق الثاني" لم لا؟

ثمة مشهد لساحر، في الفقرة الشهيرة، حين يتمدّد شخص في صندوق ورأسه بارز من طرف وساقاه من الطرف الثاني، ويبدأ الساحر بمنشاره الحاد ينشر الصندوق من المنتصف. لكن، لخلل ما في السحر، وبعد أن يتوغل المنشار في الخشب، يواصل الساحر النشر حتى يتوغل في بطن الشخص المسكين الذي انفجر عويله، مثلما انفجرت دماؤه.

لمُشاهد أن يلتفت إلى المشهد المفتاحي في فيلم "ريش". يتحوّل رب العائلة على يد ساحر من الحارة، استدعاه لحفلة عيد ميلاد ابنه. وفي فقرة مشوّقة، يدخل الأب صندوقاً ثم يقفله الساحر، ثم يفتحه بعد ثوانٍ حاملاً بين يديه دجاجة. من المفترض أن تنتهي الفقرة عند خروج الرجل من الصندوق، لكنه يختفي، وتبدأ حياة الزوجة الصامتة دائماً، مع زوجها الذي أصبح دجاجة، ومجتمع في الخارج تقاوم غطرسته الأبوية.

ومع أن مشهداً، أو مجرّد لمعة تضيء، يخطفها المبدع أو تخطفه، إلا أن الأمر فوق هذا، هو تأثر بلغة سينمائية. افتتان بزاوية رؤية بين تجارب سينمائية يطلق عليها اسم الفانتازيا، أو الواقعية السحرية، أو العبث، أو ما شئت من مصطلحات لا يحفل بها من يشعل حريقه بيديه.

موسيقى مرحة مثل "طير وفرقع يا بوشار"، وأغنيات حب لفايزة أحمد وغيرها، ترافق مَشاهد الفيلم التي تدور في بيئة مسحوقة، يتوقع أن يعزف فيها الناي على مقام الصبا. إلا أن التنافر كان مقبولاً، منذ أن وافق المشاهد على شروط اللعبة: عالم خيالي على أرض محطمة.

أحسن المخرج في استخراج طاقات ممثلين لم يمثلوا سابقاً. بذل جهداً مقدّراً في اختيارهم. مشروعه واضح والبحث الحثيث هو عن ناس يدخلون فيلماً كما يدخلون الدار.

إن عمارة الفيلم تحتاج إلى ممثلين يريدون قول ما في داخلهم، بمرافقة كاميرا ليست غريبة عنهم. من يصدّق أن دميانة نصّار تمثل؟ هي في الحقيقة تشبه نفسها، ولا مسافة بين ما تقول في سيناريو، وما تعيشه في حارة من حارات المنيا.

قيل عن الفيلم إنه ليس من فئة أفلام التذاكر. لكن من يشاهده لن ينسى السيارة الخضراء المهترئة. لكم مرت سيارات في السينما المصرية، بيد أن المخرج نجح في جعل حتى الأشياء الجامدة تنطق بروحنا الطيبة والشريرة. أليست هذه هي السينما؟







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي