فرجينيا وولف تحتفي بأمواج الحياة

2021-10-28 | منذ 1 شهر

غلاف الكتاب

سلمان زين الدين*

في عام 1931 صدر كتاب «الأمواج» باللغة الإنكليزية للكاتبة البريطانية فرجينيا وولف (1882 ـ 1941). وفي عام 2009 صدر بالعربية في طبعة أولى عن «المؤسّسة العربية للدراسات والنشر» ترجمة عطا عبد الوهاب.

 وفي عام 2020، صدر في طبعة ثانية عن الدار نفسها، وبذلك، يكون الفاصل ثمانية وسبعين عاماً بين الطبعتين الإنكليزية والعربية، واثني عشر عاماً بين الطبعتين العربيّتين. ورغم مرور قرابة قرن على صدوره لا يزال الكتاب جديراً بالقراءة.

إشكالية النوع الأدبي

لعلّ الاشكالية الأولى التي يطرحها الكتاب هي، إشكالية النوع الأدبي، فهل «الأمواج» قصيدة أم مسرحية أم رواية؟ وفي الإجابة عن السؤال، نُسارع إلى القول إنّ فيه شيئاً من كلِّ هذه الأنواع، وهو لا ينتمي إلى أيٍّ منها بشكلٍ صافٍ، في الوقت نفسه.

 ذلك أنّ لكلٍّ من الأنواع الثلاثة تمظهراته في الكتاب، لكنّ أياًّ منها لا يستطيع اعتباره ملكية حصرية له. ومع هذا، هو إلى الرواية أقرب منه إلى النوعَيْن الآخرَيْن. فكيف يتمظهر كلُّ من الأنواع الثلاثة في الكتاب؟

ثمّة سلكان اثنان ينتظمان «الأمواج»؛ الأوّل وصفي أدبي، يرويه راوٍ عليم، يتألف من تسع وحدات وصفية قصيرة، يتراوح طول الواحدة منها بين صفحتين اثنتين، في الحدّ الأدنى، وثلاث صفحات، في الحدّ الأقصى.

وفيه تقوم الكاتبة بوصف الطبيعة وعناصرها بلغة أدبية جميلة، تزخر بالصور الجديدة والتشابيه المبتكرة، وترقى إلى مستوى الشعر في تراكيب كثيرة.

وفي هذا السلك، تتمظهر القصيدة، على وجه التحديد، دون أن يعني ذلك خلوّ السلك الآخر منها. والمفارق أنّ جميع الوحدات الوصفية تبدأ بوصف «الشمس» وتنتقل منها إلى عناصر طبيعية أخرى.

السلك الثاني سردي، يرويه راوٍ عليم أيضاً غير أنّ دوره لا يتعدّى دور غلالة رقيقة تغطي الرواة الفعليين المشاركين الذين يتعاقبون تباعاً على عملية الروي، كتعاقب الأمواج في البحر، ما يجعل العنوان مناسباً للمتن الروائي.

يتألف هذا السلك من تسع وحدات سردية طويلة، يتراوح طول الواحدة منها بين ثلاث عشرة صفحة، في الحدّ الأدنى، وثلاثٍ وخمسين صفحة، في الحدّ الأقصى. وفيه تستخدم الكاتبة لغة سردية، تزاوج بين المستويين، النثري والشعري، حيث تتمظهر القصيدة ثانية في هذا الأخير.

بينما تتمظهر المسرحية في هذا التناوب على الروي بين الشخوص، فيقوم كلٌّ منهم بالإدلاء بدلوه كمن يؤدّي دوراً على خشبة المسرح، في نوع من المونولوج الداخلي الذي يتمحور حول الذات ولواعجها، دون أن يُغض النظر عن الخارج ومشاغله.

على أن التمظهر الأساسي في هذا السلك هو للرواية بطبيعة الحال. وإذا كانت العلاقة بين السلكين تقوم على التناوب والتعاقب، في الشكل، فإن وحدات الأوّل القصيرة تشكّل استراحات وصفية جميلة لوحدات الثاني السردية الطويلة، في المضمون. والرواية، في نهاية المطاف، هي هذا التجادل بين السلكين، الوصفي والسردي.

الواقعية والغرائبية

على الرّغم من واقعية الفضاءين، المكاني والزماني في الرواية؛ بحيث يتوزّع الأوّل على لندن المدينة وإلفيدون القرية، ويمتدّ الثاني بين أواخر المراهقة وبدايات الشيخوخة، فإنّ الأحداث التي تجري في هذين الفضاءين تزاوج بين الواقعية والغرائبية، ما يعبّر عنه قول أبرز أبطال الرواية: «هذا هو عالمنا، فضاء بأهلّة، وبنجوم من نور؛ والتويجات الكبيرة نصف الشفّافة تسدّ الفتحات كنوافذ أرجوانية. كلّ شيء غريب، الأشياء ضخمة جداًّ وصغيرة جداًّ.

سيقان الأزهار كثيفة كأشجار البلوط. الأوراق عالية كقباب كاتدرائيات فسيحة. إننا عمالقة، نستلقي هنا، وبوسعنا أن نجعل الغابات ترتجف».

تزامن وتماكن

في هذا العالم الروائي، ينخرط كلٌّ من برنارد ولويس ونيفيل وسوزان وجيني ورودا، بدءاً من دراستهم في المدرسة الثانوية نفسها، مروراً بتفاعلهم في ما بينهم طيلة العام الدراسي، ولقاءاتهم المتفرّقة بعده، وصولاُ إلى تفرّق سُبُلهم في مراحل لاحقة، وخلال التماكن والتزامن والتفاعل بين الأصدقاء الستة، يُفضي كلٌّ منهم بمكنوناته، وفق وتيرة معيّنة، ويروي ما يعتمل في صدره من أفكار، وما تقع عليه حواسّه من أشياء، وما تولّده فيه المحسوسات من انطباعات، وما يعقده مع أصدقائه من مقارنات، دون أن يتوخّى المرويُّ الموضوعية بالضرورة.

وكثيراً ما تتمحور المَرويّات المتعدّدة حول موضوع واحد، يمكن بنتيجتها تركيب المشهد الروائي من زوايا نظر مختلفة؛ ويُشكّل: اليوم الأول من العام الدراسي، سير العمل خلاله، اليوم الأخير منه، موت رفيق الدراسة النجم الرياضي بيرسيفال، العودة إلى ذويهم بالقطار، واللقاء الأخير في هامبتون كورت، أبرز الموضوعات التي تتمحور حولها المرويات المختلفة.

ومن خلال هذه العملية، يمكن التعرّف إلى شخوص الرواية في وضعياتها الأولى، والتحوّلات التي تطرأ عليها، والمسارات التي تسلكها، والمصائر التي تؤول إليها.

قواسم وفوارق

يجمع بين الشخوص الستّة: عدم تكيّفها مع الواقع الجديد، الاغتراب عنه على درجات متفاوتة، طرح سؤال الهوية، الضيق بالحاضر، والتطلّع إلى المستقبل. وتفرّق بينهم: أساليب مواجهة الواقع، آليات التكيف معه، زوايا النظر إلى الأمور، وتصوّرات الشخوص للمستقبل:

ـ فبرنار الذي تخصّه الكاتبة بروي الفصل التاسع والأخير من السلك السردي دون سواه، بينما يتناوب مع الآخرين على روي الفصول الثمانية الأخرى.

يواجه الواقع المستجد بالسخرية منه، وتخزين الملاحظات عنه، وتأليف الحكايات حوله، وحكيها على مسامع الآخرين، ما يعكس اجتماعيّته وإيثاره التواصل وخوفه من الوحدة. وتأتي خطوبته لتشكّل تحوّلاً في حياته، فيشعر بالسعادة والاسترخاء، ويتخلّى عن الرغبة في الاقتناء.

وإذ يدرك في مرحلة عمرية متأخّرة تناقص الزمن وحتمية الزوال، يقرّر عدم الاستسلام، ومواجهة الموت بالقول: «إني أهمز المهاميز في جوادي. وضدّك سأرمي بنفسي، غير مهزومٍ وغير مستسلم، يا موت».

– ولويس الذي ينوء بتشوّهات، جسدية ونفسية، ويحسّ بالاختلاف عن الآخرين، ويطوي النفس على البغضاء والشقاق، يحاول مواجهة الواقع بالاجتهاد في الدرس، وبالانخراط في العمل لاحقاً، ما يحدث تحوّلاً في حياته، ويصبح رجل أعمالٍ ناجحاً، ما يُحرّره من تشوّهاته القديمة، ويصالحه مع الذات والواقع.

ـ ونيفيل الذي يتهيّب المدرسة، ويضيق باللعب، ويحسد اللاعبين، ويستشعر قسوة الناس ولامبالاتهم، ويطرح سؤال الهوية، لا يفقد الثقة في تحقيق أحلامه، وينزع إلى الصمت، ويأنس إلى الأحادية، ما يحدث تحوّلاً في شخصيته، يتحرّر بموجبه من مشاعر الحسد والكيد والحقد.

ـ وسوزان التي تتحدّر من أصول ريفية، تصطدم بالمدينة والمدرسة، وتغار وتكره وتحب بقوّة، تواجه الواقع المستجد بتمزيق أوراق النهارات الثقيلة من التقويم، وتحلم بالطبيعة والأرض والأمومة، حتى إذا ما عادت إلى ريفها، تحسّ بالانتماء بعد الاغتراب، وتنخرط في الزراعة والأمومة، وتعرف طعم السعادة، وتعبّر عن ذلك بالقول: «أنا من أهل بين هذا العالم. فيه مخاطرتي، وفيه مغامرتي».

ـ وجيني التي تستغرب المدرسة، وتشعر بالإخفاق، وتفتقر إلى الاستقرار، وتعاني عقدة الجسد، تواجه الواقع بالحب والقفز والصدم والاقتحام، تلبّي نداءات الجسد، وتنضمّ إلى موكب الحياة الظافرة، ما يؤدّي إلى تصالحها مع ذاتها، وتحرّرها من عقدة الجسد.

ـ ورودا التي تخشى الأرقام، وتشعر بالامّحاء والحاجة إلى الحماية، وتعاني رهبة الحياة وتزاحم البشر، وتفقد الهدف، وتفتقر إلى المعرفة والخبرة، تلجأ إلى الكذب والمراوغة في مواجهة الواقع، وتهرب إلى السياحة والحب لتجد الموت بانتظارها في نهاية الرحلة. وهكذا، لكلٍّ من الشخوص الستّة درجة اصطدامه بالواقع، أسلوب مواجهته، ومساره ومصيره.

انطلاقاً من هذه المسارات والمصائر، يمكن القول إن العلاقة بين مرويات هؤلاء الشخوص هي علاقة مَوْجية، تعقب مرويّةٌ أخرى كما تعقب الموجة الموجة، دون أن يكون ثمّة لقاء بين المرويتين أو الموجتين.. وإذا كانت حركة الموج تشكّل معادلاً بحرياًّ لحركة الحياة، فإنّ رواية «الأمواج» لفرجينيا وولف هي اسمٌ على مسمّى، تحتفي بالحياة، شؤونها وشجونها، أفراحها وأتراحها، هزائمها وانتصاراتها.

هذا الاحتفاء يعبّر عنه برنارد في خاتمة الرواية بالقول: «إني أهمز المهاميز في جوادي. وضدّك سأرمي بنفسي، غير مهزوم وغير مستسلم، يا موت». ولئن كانت الرواية على قدر من الصعوبة، فتكون قراءتها نوعاً من الحراثة في الوعر، فإنّ تعب القراءة لا تعادله سوى لذّة الاستمتاع، ولا تعقبه سوى راحة الفائدة.

 

  • كاتب لبناني

 






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي