العمال والسياسة في إندونيسيا : كيف تضافر إرث الاستبداد وبنية الفرص السياسية ؟

متابعات الأمة برس
2021-10-23 | منذ 1 شهر

تيري إل.كاراوي و ميشيل فورد
ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

بعد عقدين من انتقال إندونيسيا إلى الديمقراطية، برزت حركتها العمالية كلاعب سياسي حيوي ومؤثر. يقدم هذا الكتاب أول تحليل عميق لهذا التطور، باحثاً في كيفية قيام حركة عمالية ضعيفة هيكلياً بإيجاد موطئ قدم استراتيجي لها في بلد ليس له تاريخ حديث في الانخراط النقابي في السياسة.

تظهر المؤلفتان كاراواي وفورد كيف حققت الحركة العمالية في إندونيسيا العديد من أهدافها، أولاً من خلال القوة التخريبية للسياسات الخلافية، ثم بعد ذلك من خلال الجمع بين السياسة الانتخابية وآراء الشارع.
يتحدى هذا الكتاب (صادر عن مطبعة جامعة كامبريدج 2020 باللغة الإنجليزية) المقاربات النظرية السائدة في دراسة السياسة الإندونيسية، ويوضح كيف أصبحت هذه الحركة مشاركاً نشطاً وفاعلاً بشكل مدهش في الديمقراطية الإندونيسية. تفتح كل من كاراوي وفورد أرضية نظرية جديدة في تحليلهما لكيفية تضافر إرث الاستبداد، وبنية الفرص السياسية في فترة ما بعد الانتقال، والإبداع التكتيكي للنقابات؛ لدفع الحركة العمالية الإندونيسية إلى النجاح.

أجرت المؤلفتان العمل الميداني الأولي في جاكرتا؛ حيث قامتا بإجراء مقابلات مع قادة وطنيين من الاتحادات النقابية والاتحادات القارية وجمعتا الوثائق الأولية منهم ومن الحكومة الوطنية. إضافة إلى ذلك، اختارتا خمس مناطق ذات كثافة نقابية في خمس مقاطعات مختلفة للدراسة عن قرب. وتعتمد الكاتبتان في بحثهما على 228 مقابلة شبه منظمة مع قادة النقابات والسياسيين بين عامي 2012 و2019، فضلاً عن تقارير صحفية من وسائل الإعلام المحلية والوطنية، والبيانات الانتخابية وغيرها من الوثائق.
يوجد في إندونيسيا 34 مقاطعة وأكثر من 500 منطقة وبلدية نحو 20 أو قريب من ذلك من هذه المقاطعات والبلديات هي مراكز صناعية. اختارت المؤلفتان خمسة مراكز؛ بغية التركيز والتدقيق عليها أكثر. توجد ثلاثة منها في جاوة، وتانجيرانج في منطقة جاكرتا الكبرى، وجريسيك في جاوة الشرقية بالقرب من سورابايا، ثاني أكبر مدينة في إندونيسيا. يقع الاثنان المتبقيان في سومطرة. ديلي سيردانج؛ هي منطقة صناعية في ضواحي ميدان ثالث أكبر مدينة في إندونيسيا والعاصمة الإقليمية لسومطرة الشمالية. الموقع النهائي هو جزيرة باتام، وهي منطقة تجارة حرة تقع قبالة الساحل الشرقي لسومطرة جنوب سنغافورة وماليزيا. عدة عوامل دفعتهما إلى اختيار هذه المواقع الميدانية، لكن المعيار الأول هو وجود قاعدة تصنيع كبيرة؛ حيث تتركز عضوية النقابات في التصنيع؛ لذا تلعب فيها الحركة العمالية دوراً كبيراً في السياسة.


تودد سياسي للحركات العمالية
تقول المؤلفتان: في 1 مايو/ أيار 2014، دخل مركز العمل الأكثر ديناميكية من الناحية السياسية في إندونيسيا التاريخ. للمرة الأولى، وقع اتحاد كونفيدرالي نقابي مستقل عقداً سياسياً مع مرشح رئاسي هو برابوو سوبيانتو؛ حيث دعمه سعيد إقبال الزعيم الكاريزمي رئيس اتحاد نقابات العمال الإندونيسية، فقد خاطب عشرات الآلاف من العمال في استاد بونغ كارنو في العاصمة الإندونيسية جاكرتا، انتقل فيه من الحديث عن الإحصاء إلى الغناء، ومن التحليل السياسي إلى هتافات «عاش العمال». وقال إقبال: إن إندونيسيا بلد غني وسريع النمو، لكن الطبقات المتوسطة والعليا فقط هي التي استفادت من هذا النمو، ثم قال لآلاف العمال المجتمعين في الملعب: على الطبقة العاملة اتخاذ إجراءات لتصنع تاريخها وتغير هذا الوضع. وأوضح: إن برابوو وافق على توقيع عقد سياسي تعهد فيه بدعم عشرة عناصر من «اقتصاد الشعب» الذي من شأنه أن يوفر المزيد من الفرص للعمال. قبل تسليم المنصة إلى برابوو، سأل: هل أنتم مستعدون للكفاح من أجل برابوو؟ هتف الحشد بالموافقة.
كان التودد إلى العمال من قبل مرشح رئاسي جاد، ورجل أعمال وجنرال سابق، تطوراً مفاجئاً لخبراء السياسة الإندونيسية. كانت الحركة العمالية في أحسن الأحوال حاشية في الحسابات التي تركز على الأبعاد الكارتلية أو الأوليغارشية للنظام السياسي، وتترك مساحة تحليلية قليلة للجماعات المهمشة اقتصادياً للتأثير على السياسة الانتخابية. لاحظ أحد الأكاديميين البارزين، في معرض تأمله لانتخابات عام 1999، أنه لم تحاول أي أحزاب كبرى فقط تعبئة العمال باعتبارهم عمالاً؛ بل نادراً ما تذكر أي نخب سياسية خلال الحملات الانتخابية كلمة تجاههم. بالتأكيد، لم يكن أحد يتوقع أن يتودد مرشح رئاسي إلى العمال، ناهيك عن الالتزام علناً بعقد سياسي مع اتحاد كونفيدرالي نقابي.
تقول الكاتبتان: لم تكن الحركة العمالية لاعباً أساسياً في الاحتجاجات التي أسقطت الديكتاتورية؛ لكن مع ترسيخ الديمقراطية في إندونيسيا، يمكن القول إنها نمت بشكل أضعف؛ من حيث المقاييس التقليدية لقوة الاتحاد النقابي. على الرغم من الفرص التنظيمية الجديدة وظهور جديد للنقابات، ظلت معدلات النقابات منخفضة، وازداد تقسيم الحركة العمالية إلى عشرات من الاتحادات المتنافسة والعديد من المنظمات غير المنتسبة على مستوى المصنع. على الرغم من حقيقة أن نشأة الحركة العمالية المستقلة تكمن في المجتمع المدني، فإن روابط النقابات بالحركات الاجتماعية الأخرى ضعيفة، وليس لها روابط قوية بالأحزاب السياسية الرئيسية.
كانت مغازلة برابوو للنقابات في السباق الرئاسي لعام 2014 نتاجاً، على الأقل جزئياً، لأهمية وفاعلية الحركة العمالية الإندونيسية في العقد ونصف العقد بعد سقوط النظام. بعد استقالة سوهارتو، استفادت النقابات بشكل كامل من فتح الفضاء الديمقراطي للمشاركة بحرية أكبر في السياسات المثيرة للجدل، ما أدى إلى تصاعد الاحتجاجات الجماعية الصاخبة والمدمرة في الشوارع. في انفصال حاد عن عقود من العمل النقابي غير السياسي، بدأت بعض النقابات أيضاً بالإنجاز في الساحة الانتخابية. والأهم من ذلك أنها فعلت ذلك ليس من خلال إقامة علاقة مؤسسية مع حزب سياسي واحد أو من خلال تأسيس حزب عمالي، ولكن من خلال إبرام الصفقات مع المرشحين للمناصب التنفيذية، ووضع مرشحين تشريعيين في أحزاب سياسية مختلفة، وحتى الترشح لمنصب تنفيذي محلي.


التضاريس السياسية ما بعد سوهارتو
يروي هذا الكتاب قصة نجاح الحركة العمالية الصغيرة والمنقسمة في إندونيسيا في التنقل عبر التضاريس السياسية لفترة ما بعد سوهارتو، ونضالها في البحث عن موطئ قدم استراتيجي لها في ديمقراطية إندونيسيا. يجيب الكتاب عن مجموعة من الأسئلة المترابطة؛ بغية فهم تطور الحركة العمالية الإندونيسية التي تم التقليل من شأنها لكنها تتسم بديناميكة كبيرة. لماذا اتبعت الحركة العمالية الإندونيسية المسار غير المعتاد للجمع بين السياسات المثيرة للجدل في الشارع والمشاركة الانتخابية المستقلة؟ كيف ولماذا تمكنت الحركة العمالية في إندونيسيا من تحقيق إنجاز أكثر بكثير مما توقعه المراقبون؟ وأخيراً، لماذا كانت النقابات أقل نجاحاً في مشاركتها الانتخابية مما كانت عليه في متابعة أهدافها السياسية؟
في الإجابة عن هذه الأسئلة، تظهر المؤلفتان كيف خلق الإرث التاريخي والمؤسسات السياسية مجموعة من الفرص والقيود التي دفعت النقابات إلى الشوارع لتحقيق أهدافها السياسية؛ لكنها في البداية ردعتهم عن الانخراط في السياسة الانتخابية. على الرغم من انقسام الحركة العمالية، تعاونت النقابات عبر الانقسامات التنظيمية على المستويين المحلي والوطني، ما سمح لها بتحقيق العديد من أهداف سياستها. كان للتركيز الجغرافي للحركة العمالية حول جاكرتا وإدراج الحد الأدنى للأجور العاملة على المستوى المحلي دور أساسي في حث النقابات الإندونيسية المتنوعة والمقسمة على الاندماج في شبكات أصبحت آلات تعبئة هائلة يمكن أن تمارس الضغط على كل من الحكومات الوطنية والمحلية.
مع مرور الوقت، تحولت النقابات إلى اتخاذ موقف أكثر عدوانية، ما أجبر الحكومات على الاستجابة لمطالب سياستها. كما أصبحت أكثر مهارة في نشر تكتيكات أخرى تكمل التعبئة الجماهيرية. تضمنت هذه التكتيكات الانخراط بشكل أكثر فاعلية في ممارسة الضغط والاستفادة من الانتخابات المحلية لكسب تنازلات من المرشحين للمناصب التنفيذية. حققت النقابات نجاحاً محدوداً للغاية في الساحة الانتخابية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عدم وجود أحزاب مؤيدة بقوة للعمال، ولكن أيضاً لأن التعاون بين النقابات كان أضعف واختارت العديد من النقابات عدم تعبئة أعضائها لأغراض انتخابية. كان على أولئك الذين شاركوا سابقاً أن يتنقلوا في نظام انتخابي وحزبي شكل عقبات هائلة أمام تشكيل ودعم الأحزاب الجديدة. كان عليهم أيضاً تعلم كيفية التأثير على قرارات أعضائهم في صناديق الاقتراع، وهو مسعى أكثر تعقيداً من حشدهم للتظاهرات. على الرغم من أن هذه التجارب الانتخابية كانت أقل تأثيراً من التعبئة في الشارع، فإنها كانت مهمة، كما يبين الكتاب.


الديمقراطية في إندونيسيا
على الرغم من أن إندونيسيا التي يقطنها ما يقارب 238 مليون نسمة، بلد متعدد، فإن الفئات المحرومة اجتماعياً واقتصادياً فيها عادة ما يتم إقصاؤها على هوامش السياسة الديمقراطية. تقول المؤلفتان: قد يكون للجماهير الحق في المشاركة في السياسة في الديمقراطيات الإجرائية، لكن عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية؛ تعني أن مجموعة فرعية ذات امتيازات من السكان تؤثر بشكل غير متناسب في الممارسة الديمقراطية. لقد كان عمل الحركات الاجتماعية هو تضييق هذه الفجوة بين وعد الديمقراطية وما تقدمه حقاً. كانت إحدى أهم القوى في توسيع نطاق المواطنة الاجتماعية في الديمقراطيات الرأسمالية هي الحركة العمالية. تاريخياً، ناضلت الحركات العمالية من أجل الحق في التنظيم في مكان العمل، والمفاوضات الجماعية، ومن أجل سياسات الرعاية الاجتماعية التي أوقفت العمل المأجور جزئياً. وتحالفت مع أحزاب متعاطفة، أو شكلت أحزاباً خاصة بها؛ لتعزيز مصالح الطبقة العاملة من خلال السياسة البرلمانية. عندما يكون العمل المنظم قوياً، يمكن للحركة العمالية أن تسد الفجوة بين وعد الديمقراطية والممارسة الديمقراطية. وعندما يكون العمل المنظم ضعيفاً، فمن المرجح أن تكون الفجوة واسعة بشكل خاص.
والسؤال الأخير: لماذا جمعت الحركة العمالية في إندونيسيا بين السياسات المثيرة للجدل والمشاركة الانتخابية المستقلة؟ تجمع الإجابة في الكتاب عن هذا السؤال بين ثلاثة عناصر: الموروثات الاستبدادية، وهياكل الفرص المتغيرة، والتعلم التنظيمي، وتتكشف بالتتابع في ثلاث مراحل. في المرحلة الأولى، دفعت الموروثات الاستبدادية وهياكل الفرص السياسية غير المواتية النقابات إلى الاعتماد بشكل كبير على سياسة الشارع. في المرحلة الثانية، استجابت النقابات للفرص السياسية الجديدة واستكملت الاحتجاج العام بمشاركة أكثر فاعلية في انتخابات المديرين التنفيذيين المحليين. شهدت المرحلة الثالثة تعميق النقابات من مشاركتها الانتخابية من خلال ترشيح مرشحين نقابيين لمجموعة متنوعة من الأحزاب في السباقات التشريعية مع الاستمرار في استخدام التكتيكات التي تم تطويرها في المراحل السابقة.


عن المؤلف

* تيري إل.كاراوي مؤلفة كتاب «تجميع النساء: تأنيث التصنيع العالمي» (2007)، ومحررة مشاركة لكتاب «العمل عبر الماضي: العمل والتراث الاستبدادي في منظور مقارن» (2015). تركز في أبحاثها على سياسات العمل المقارنة والاقتصاد السياسي المقارن والدولي والحركة العمالية الإندونيسية.
* ميشيل فورد مؤلفة كتاب «من مهاجر إلى عامل: النقابات العالمية وهجرة العمالة المؤقتة في آسيا» (2019) و«العمال والمثقفين: المنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية والحركة العمالية الإندونيسية» (2009). تركز أبحاثها على سياسات العمل المقارن والاقتصاد السياسي المقارن والدولي والحركة العمالية الإندونيسية.

 






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي