الشيخ والبحر .. عن الروايات التي كتبت لإنقاذنا

2021-10-23 | منذ 1 شهر

فدوى العبود*

 

من الذي هزمك؟

– لا شيء، أنا الذي ذهبت بعيداً.

«كان قد بلغ من العمر عتيًّا»

بهذه العبارة تبدأ رواية «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي وهي تحكي قصة صياد عجوز ووحيد، ضنّ عليه الحظ ولمدة 85 يوماً، حتى فارقه الفتى المساعد له والمتعلق به، تحت إلحاح أسرته وعلى كره منه.

وكان أن قرر التوغل في عمق البحر، ممنيا النفس باصطياد سمكة كبيرة؛ وقد تحقق له ما أراد؛ لكن بعد مكابدات مع الشمس التي ألهبَت ظهره، والريح التي جفّفت جلده، والبحر أُجاجٌ مِلحه؛ يضاف لذلك: السمكة التي راوغت الطعم، فكان حذرها حذر من لقّنته الحياة دروسا وعِبَرا.

قابل العجوز عناد الطبيعة ووهنَ نفسه، بالجَلد وترديد الحِكم عن الأمل والمثابرة؛ حتى ليِخيل لك أن السمكة هي القدر، وأن البحر هو الحياة، والموج في تقلباته ومدِّه وجزره هو الحظ.

أمّا وقد انقلبت السمكة، ذات الخطّ الأرجوانيّ والزعانف البديعة على ظهرها، طافيةً فوق سطح الماء؛ فقد أثمرَ صبره وذاقَ حلاوة الظَفرِ بحلمه.

ولما كانت السمكة، تفوق القارب حجماً؛ فقد قطرها خلفه واستدار عائداً نحو الشاطئ، لكن هذه العودة لن تتم بيسر فثمّة مكائد كثيرة في انتظاره؛ وسيكابد العجوز من جديد هجمات القرش النهم؛ وفكوكه الضخمة، وأسنانه البليدة، وهي تقضم جسد السمكة اللاّمع وتُدميه، فيثيرُها الدم ويضاعف عددها؛ الأمر الذي وحّد مصيرهما – السمكة وصيّادها- معاً. حدّ أنه سأل نفسه: «من يجرُّ الآخر؟».

فينسى أمام جروحها التي أحدثتها أسنان القرش جروح يديه التي حزّزتها الحبال القاسيّة، وينسى ألمه أمام جسدها المنهوش الدامي، ويحدثها كما لو أنّها تسمعه، يعتذر منها ويحثُّها على التحمل، ويتأسّف لكونه تسبّب لها بهذا المصير، ويواجه معها قدرهما الذي وحّدته المعاناة.

كان يحارب أسماك القرش بشجاعة وبأس، يغرس سكينه في جباهها المطاطيّة تارةً ويضربها بالمجداف الذي تكسَّر تارةً أُخرى؛ ويحدث سمكته بحديث يمتزج فيه الزهو بالأسف في ثالثة «لقد حطمتك وحطمتُ نفسي، لكنّنا صرعنا قروشاً كثيرة.

إلى أن وصل الشاطئ، مع هيكلٍ عظميّ ضخم. ليفاجئ أنّه أمضى في البحرِ أيامًا بحثت فيها عنه طائرات الإنقاذ وقوارب خفر السواحل دون جدوى.

تضعنا «الشيخ والبحر» أمام ثلاثيّ (الحظ- القدر- الحياة) في علاقتها بالإنسان، فالشيخ والسمكة والبحر والريح هي الشخصّيات المركزيّة. والسرد عبارة عن مونولوج رجل وحيد. واللغة تحمل دلالات ومضامين بالغة الثّراء، بعبارات شبيهة بعمق البحر، بما فيه من جُزرٍ مرجانيّة وكائناتٍ مذهلة؛ والسمكة رمز للوهم، وحلمنا الذي نلاحقه، وما البحر إلاّ الحياة بقسوتها وجمالها وتناقضاتها.

ونحن الطيور الرقيقة التي تنقِّر الماء في محيط قاسٍ. الرواية درس في الصبرِ والأمل، يحدث أن يُنهبَ حلمنا، أن نتوغل بعيداً فنتيه، لكن لا يمكننا الاستسلام، ومن الخِطَل أن نستسلم ومن الحماقة أن نتراجع.

أعتقد أن علاقتنا بالكتب تحدث صدفة، وللكتب كما البشر أقدار. وأزعم أن بعض الكتب تحاكي وتَحوك مصائرنا؟ في يوليو/تموز 2011 (الرجاء الانتباه للتاريخ) كان علينا أنا وعائلتي مغادرة بيتنا، الذي بالكاد سدَّدنا أقساطه، لم أعرف آنذاك أنّها آخر مرة أراه فيها، كان بيتي مثل سمكة العجوز، حلماً عملنا بكَدٍّ لتحقيقه.

استأجرنا شقة صغيرة في حيٍّ شعبي آخر، كانت الشقة مؤثثة بشكل سيئ، فيها بضع كنبات مهترئة، تحيط بها غابة من أشجار الكينا والسرو، ويتردد بين دروبها صدى إطلاق رصاصٍ بعيد.

تنبهت ذات ليلية من يوليو الشهر – الذي بدا وكأنّه لن ينتهي- لكتاب ورقيّ نسيَه أحدهم، أو ربما رماه بين الأعشاب، رُسمت فوق غلافه لوحة باهتة لعجوز يرتدي قبعة ويحدق للبعيد، وكتب عليه وبخط مائل «العجوز والبحر».

أمضيتُ تلك الليلة في قراءته، وتمنيت لو أنّه لا ينتهي، لو كان كتابا سحريا تتضاعف حكاياته دون توقف؛ لأنّ الليّالي كانت عذاباً خالصاً لنا، فالمخاوف غير المنطقيّة، والإشاعات وقصص القتل جعلتها بلا نهاية، وعلى أحدنا أن يبقى مستيقظاً وهذا الشخص «أنا». بعد أشهر، هممنا بمغادرة البيت نحو نزوحٍ جديد، بحثت عن الكتاب، لكنه اختفى ببساطة.

لا شكّ في أنّ للحياة مخيلة بالغة الخصوبة والثراء، لكني أعيد قراءته الآن، وأردد معه العبارات التي بثت في نفسي الشجاعة والأمل في 2011 حين كنت في وسط البحر/الحرب. وكانت سمكتي / بيتي /تُلتَهمُ من أسماك القرش.

لقد رافقت العجوز سانتياغو بين الأمواج، لكنّي لن أستطيع أن أشرح ومن خلال اللغة، الآلام والآمال والمخاوف التي مررت بها في الحرب.

وكيف يغذي الذعر واللامعقول بعضهما. إنّ ما يعرفه الآخرون عن آلامنا، يشبه سؤال السائحة في نهاية الرواية للنادل عن عظمة ظهر السمكة، وانبهارها بأناقة الذيل وجماله، وهو مرميّ على الشط وسط أكوام البيرة والمعلبّات.

ما الذي سيعرفه الآخرون عمّا مررت به، إنّه بالضبط – عظمة ظهر السمكة الضخم – الذي انبهرت به السيّدة، أما آلام وآمال وأوهام العجوز سانتياغو فما بقي منها شيء يُرى! لقد توحد سانتياغو مع السمكة، كما توحدت حياتي مع الخسارة، لكن السمكة لم تهزمني، لقد قطرتها بمركبِ حياتي، ولم أتخلَ عن صبري، الهزيمة ستأتي لاحقًا، بعد وقتٍ طويل.

– فقال الغلام: إنها لم تهزمك.. أعني السمكة

-لا، بل جاءت الهزيمة في ما بعد.

والآن لقد أنقذني «الشيخ والبحر» في تلك الليلة، وكأن يد القدر رمته في الممر العشبي لأجلي أنا، لا أعرف إذا كان همنغواي فكر يوماً في قارئ -أي قارئ- حين كتب روايته.

إن كل كتاب يولد في حياتنا في اللحظات الفارقة، اللحظات الغرائبية، تلك التي نكون فيها على التخوم بين اليأس والأمل. وقبل ذلك بكثير يولد في رأس أحدهم لأجل أولئك الذين تشكل لهم الكتب مصيراً…

٭ ٭ ٭

ملاحظة أخيرة: 21 يوليو هو تاريخ وفاة همنغواي منتحراً 1961. قرأت الكتاب وأعيد قراءته بين 2 -3 يوليو من كل عام وهو تاريخ ولادته 1899.

 

  • كاتبة سورية





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي