سائد والشيطان

2021-10-20 | منذ 3 شهر

("بلد الكعك"، بانو بيريجكليغيل/ تركيا)

رازي نابلسي*

عقد سائد في عمر مبكّر جدًا، صفقة مع الشيطان. كان ذلك في بداية سنوات السبعين. حينها، كان عائدًا من المدرسة برفقة أربعة من الأصدقاء الجُدد. تعرّف إليهم بجانب الكشك عندما قال أحدهُم: "نِفْسي يكون عندي دكّانة". قالها، وهو مبهور بالألوان والأشياء، كان يتخيّل أن ينهار العالم، ويُسجن في الدكّان. حينها، قال سائد "عنّا دكّانة". وفكَّر بالتضحية بها، أن يقدّمها قربانًا على عتبة الصداقة. ووعَد: تعالوا، منوكل شو بدنا.

يومها، عندما رآه والده يعود مع "شلّة"، فتح هو الآخر أبواب السعد لأصدقاء سائد الجُدد، وكأنّه، يولد من جديد. كان هذا يومًا، لا يُنسى. وبعد أن تعرّف الوالد، على الأصدقاء بالأسماء، وعلى سائد وهو اجتماعيّ، ذهب إلى المنزل بادّعاء النوم ساعة الظهرية، ترك سائد مع الأصدقاء، وهو يعلم يقينًا أنّهم سيبطشون بكُل شيء، ولكنّه تركهم دون أن يُعلن. خرج من باب الدكّان، انعطف يمينًا في نزلة البريد، وبدأ يختفي عكسيًا: في البدء الأقدام، وبعدها الكرش، ومن ثم لم يتبق منه إلّا صلعة الرأس، وبعدها اندفن في قاع البئر.

وقف سائد يومها على باب الدكّان، تأكّد من انهيار الحارس، وقال: راح راح. لم يشعر بمثل هذه السعادة سابقًا، كانت كمن شعر أنّه وجد كنز السعادة. كانوا يجلسون على الأرض، ينزعون الألوان، ويحوّلونها إلى مادّة دسمة، يلتهمون الحقيقة تلو الأخرى حتّى جاء التخم ومنه الشبع أسرع ممّا تخيّل أي منهم. في الحقيقة، لو انهار العالم وسُجنوا في الدكّان، كما تمنّى أحدهم سابقًا، لشبعوا قبل سقوط القُدس، وشنقوا ذاتهم بأكياس البمبا من الملل.

أمّا سائد، فلم يكُن يشارك في هذه الحفلة، كان راعيًا للحفلة. جلس خلف الصندوق، على كرسيّ طويل جدًا، وبين الزبون والآخر كان يطمئن عليهم، حتّى اكتشف أنهم تعبوا. فقام بتحميل كُل منهم ببعض الألوان، وأرسلهم إلى مصيرهم على أمل اللقاء غدًا. عندما عاد الحارس، لاحظ حجم الكارثة، رفوف كاملة فارغة تقريبًا. عض على شفّته، نظر إلى سائد، وتذكّر ما أوصت به الأم: الرحمة.

أراد أن يطحنه، ولكنّه استطاع بمساعدة "الخضر" الموشوم على معصمه، أن يجمّع أعصابه كلّها في معصمه. أغلق يده كأنّها رأس صاروخ نوويّ، جمّع فيها كُل ما استطاع تجميعه، وفتح السبّابة حتّى باتت إحدى سهام روبن هود، وجّهها مُباشرة إلى منخار سائد الطويل وقال: "كمان زيارتين، وببطّل في دكّانة تجيب أصحابك عليها".

انسحب سائد بخُبث، وصل إلى باب الدكّانة، انسل على الدرجتين. ودون أن ينظُر، سقط في نزلة البريد. كان المنزل، في قاع النزلة، بجانب بلديّة رام الله القديمة. منزل أرضيّ، حوله مساحة تكفي لأن يكون مُحاطًا بالألوان. دخل من الباب الخلفيّ، واختفى في جُحره. مدّ طوله على ظهره، أغلق الشبابيك كليًا، واختفى. كانت أمُّه تعرف أن شيئًا ما حصل. وكانت تتوقّع أيضًا ماهيّة الشيء الذي حصل. فتركته. كان البيت أشبه بعزاء سرّي، داكن، رائحته جميلة، كتوم، صادق وصغير جدًا. أمّا الجثة، فكانت ترتجف خوفًا من فقدان الأحبّة.

لقد وُلد في هذا اليوم، وككُل ولادة، لا تخلو من الموت شبحًا. وفجأة، عندما كان ينظر إلى الأعلى، يفكّر كيف يُمكنه أن يقدّم الدكّان رشوة دون أن يُجهز عليها فيخسرها، سمع صوتًا يقترح اقتراحًا: دائمًا هُناك مجال لصفقة ما.

فسأل: كيف؟ حينها، تبيّن أنّه جاهز لسماعها. ومن شبّاك حديديّ أزرق، دخل طيف. لم يكُن له قرون كما يُقال، كما أنّه لم يكن أسود أيضًا، ولا أجنحة حمراء على كتفيه. كان مطمئنًا، بالمقام الأول. فافتتح حديثه بمقولة أهل البلد: كُل مشكله وإلها حل. وقف على حافة الشبّاك، وعرّف عن ذاته بأنه ملك. نظر إلى سائد المرميّ وقال: "كُل مشكلة وإلها حل. وما في حل ببلاش. أنا ممكن أضمنلك الدكّانة تبقى موجودة".

فتح يديه، فارتفع سائد عن الفرشة. نظر تحته، فزع للوهلة الأولى، ولكنّه عندما حرّك يديه خوفًا من السقوط، طار. يداه كبيرتان جدًا، وأصابعه كمروحة. أمّا كف الرجل، فكانت من شدّة طولها وضخامتها أشبه بحذاء الغوّاص. وعندما حاول الوقوف، اكتشف أنّه بات بأقدام نفّاثة، فيطير كمن يقفز كلّما حركهما. أراد في البداية أن يهبط بمطار اللد، فرغم كُل شيء، هو من بلد المطارات أصلًا.

ولكن الطيف كان إلى جانبه، وطمأنه بأنه الآن فوق البلاد والحدود والمطارات، وسيهبط تلقائيًا، عندما ينتهي الحديث. أشار إليه بيده، فحرّك سائد رجليه وإذ بهما على تلّة تطل على الكوكب، خلفها نهر لا ينتهي من الوعول. أشار الطيف إليهم جميعًا وقال جميعهم حسابات مفتوحة، بعضهم توفيّ قبل أن يفي بها، ولا أعاقب أحدًا إن مات. وللمرّة الأولى، بدا مُخيفًا، حين خرجت شرارة من عينيه وقال:

- الدكّانة لآخر أيّامك.

- وإذا رجعنا ع اللد؟

- بنقلّك إيّاها ع المطار

- وشو المقابل؟

- ما تتركها...

ضحك، وقال "ده يوم السعد". وعندما هبط، كان وكأن صخرة قد زالت عن صدره، صعدت إلى شارع رُكب، وحطّمت سبّابة والده. أمّا هو، وعلى غير عادة، خرج لتفقّد الحديقة. وكان يحلُم بغدًا، حين يذهب إلى المدرسة فيجد الجميع منتظرًا، حكايا دكّان الأحلام.

لم ينم للحقيقة في تلك الليلة، كان يرى وجوه الأصدقاء فرحة حين يُخبرها أنّه ومن اليوم، يستطيع أن يأخذهم إلى الدكّان متى يُريد، دون أي مخاوف.

فمن المفترض، أن تكون الرفوف اليوم سحريّة، تمتلئ وحدها ولا تنقُص مهما قدّم منها الرشاوى. أمّا علب الشوكلاطة التي يعدّدها الحارس بالحبّة، فستمتلئ وتمتلئ وكأنّها آخر نزلة البريد، بئر دون قاع. وعندما نهض صباحًا، كان لا يُميّز أصلًا إن كان نائمًا أم حالمًا. حمل الشنطة، دون أن يُلاحظ الزوّادة حتّى، وخرج مسرعًا للقاء الأصدقاء.

وقف على بوّابة المدرسة، في انتظار الوجوه السعيدة الشاكرة الفرحة، ولكنّها لم تأت، انتظر قليلًا، ولكنّها أيضًا لم تأت. وعندما دخل وحيدًا إلى الصف، كان الأربعة قد تغيّبوا.

لقد كان صادمًا، فهو من جهة لا يستطيع انتظارهم لفحص حقيقة الاتّفاق، ومن جهة أخرى عقد صفقة كاملة لأجل بقائهم. نظر إلى مازن، زميل مُضطهد، كان الوحيد الذي يقبل الجلوس إلى جانبه، ليس حبًا به، بل لأنّه لا يقوى على رفض أي شيء. فعندما كان الأستاذ يقول "مازن بحدا سائد"، كان مازن يتحرّك دون أن يرفع رأسه لاستيضاح معالم سائد أصلًا.

أراد أن يستغله، فسأله إن كان يود الذهاب معه إلى الدكّان، وسيسمح له بأخذ ما يُريد، بأكل ما يُريد. بطبيعته، لم يكُن مازن قادرًا على الرفض، ولا القبول حتّى. مازن، كان ابنًا لشهيد قد تبنّته حركة "فتح". وكانوا، منذ الصغر، يأتون إليه يضعون عصبة على رأسه كُتب عليها "العاصفة"، ويطوفون به في الشوارع.

لذلك، لم يتعوّد يومًا على إبداء الرأي. أمّا والدته، فكانت تعلم أن تعابير ابنها الثابتة، هذه التي لا تتغيّر إن كانت في مسيرة أو جنازة أو مهرجان، إشارة إلى أنّه لا يهتم. فكان يُحمل في كُل نشاط، لا يرفض ولا يقبل، يأتون إليه، يحملونه ويعيدونه مع انتهاء المهرجان. لقد كان يُسأل دائمًا:

- ألبسك وألوّنلك وجهك وتطلع ع المسيرة؟ السكوت علامة الرضا، يلّا.

أحد لم ينتظر إجابته، لذلك اعتقد أنّها غير ضروريّة، واعتاد لاحقًا.

انتظر سائد على أحرّ من الوكالة، حتّى نهاية الدوام. وبعدها انطلق مسرعًا برفقة مازن إلى الدكّانة. عندما دخل، اقترح على والده أن يذهب للنوم ويعود، وسيهتم هو بأمور البيع. مرّة أخرى، علم الحارس أن القضيّة قضيّة استفراد وليست حنيّة. ولكن قلبه قد اطمأن حين رأى مازن، ولد نحيل بعض الشيء، صامت ومطيع. ففكّر: كم يمكن لهذا الفيه أن يطحن؟ واختفى في بئر نزلة البريد ثانية.

وبعد التأكّد من أنّه بات في القاع، أو على الأقل لا يطفو، قال سائد باحتفاليّته المرموقة التي كان لها هذه المرّة هدف مُختلف: كُل شو بدّك، شو بدّك كُل. عندها، تناول مازن قطعة من "علي بابا"، فتحها، جلس إلى جانب سائد، وأكلها بصمت.

كانت القطعة الأولى من صندوق أزرق، عندما انتهى منها، أغلقت ذاتها مرّة أخرى وعادت الشوكلاطة إليها، وبقدرة قادر عادت مُغلقة كأن مازن لم يأكلها، وجلست مرّة أخرى في ذات الصندوق كما كانت. وفي هذه اللحظة، فهم أنّه لم يكن حلمًا، بل واقع وصفقة.

وللتأكّد، عرض على مازن كيسًا من التروبيت، نهض أحضره له من البرّاد. راقبه وهو يشربه، أنهى عليه بمصّة واحدة، ولكنّه لم يعُد إلى مكانه. فأخذه منه وذهب ورماه في القمامة، فعاد من جديد. اكتشف حينها، أن الأشياء تُبعث فقط إن رُميت. لا انبعاث لأوساط الحلول.

في اليوم التاليّ ذهب إلى المدرسة وهو مطمئن، فالدكّانة موجودة. ولا واحد من هؤلاء، الذين كانوا يلعبون حين كان هو يجلس على درجات الباحة، قادر على مقاومة الألوان فيها. لديه الآن، خزنة لا نهائيّة، يستطيع من خلالها تقديم الرشاوى للمدرسة برمّتها.

فلا خوف من الوحدة بعد اليوم، سيقوم بحل أكبر أزمة صداقة بكرتونة "توتي فروتي" كاملة إن احتاج الأمر، ويستطيع في كُل عيد ميلاد أن يأتي بأفضل الألوان. ولو حرد منه أحدهم، فأين يذهب من جشع الآخرين؟ سيستسلم عاجلًا أم آجلًا وهو يرى أفواجًا من الأصدقاء تخطو إلى الخزنة. أمّا والده، فاطمأن أخيرًا، ها هو سائد بات اجتماعيًا بشكل لا يُصدّق. في كُل يوم، يأتي إلى الدكّان برفقة أصدقاء جدد.

وأحد منهم لا يأتي يومين متتاليين، حتّى أن الواحد يغيب قرابة الأسبوع ويحضر في الأسبوع المُقبل. المُهم أنّهم لا يتبخّرون ولا يهربون. أمّا مازن، فكان يأتيّ مرّة كُل أسبوعين، عندما لا يتبقّى أحد من باقي الزملاء الذين كانوا يمرّون بإسهال حاد بعد كُل زيارة، فيتغيّبون يومًا ويومين للتنظيف. ومن ثم يعودون إلى حضن الألوان مرّة أخرى، يقضون يومًا هُناك، ويومين في حضن الحمّام. أمّا سائد، فكان ثابتًا.

الأشياء تنمو، زملاء الطفولة كبروا وملّوا الألوان. بدأ الواحد فيهم يعرف ماذا يُحب، ولا يأكُل إلّا ما يُريد. أمّا أصابع سائد، فباتت أطول ممّا سبق، وكأنّه ينمو من الأطراف فقط. أصابعه تطول وتطول، أمّا رأسه فكان كبيرًا وفارغًا من تحت العيون رغم سماكة العظم. وكفّة يده، باتت كقاعدة مُتحرّكة صلبة، تنمو اضطراديًا مع أصابع يديه لتحملهم، كان يُمكن لها أن تكون حاملة طائرات. ومع الكبر، لم تعُد الدكّان مغرية، فباتوا ينسحبون الواحد تلو الآخر.

أمّا مازن، فبقي مُثابرًا على الجلوس إلى جانب صديقه، كان في كُل مرّة يدعوه سائد، يستجيب دون أي نقاش يُذكر. وحتّى أنّه في بعض الأحيان، كان يذهب وحيدًا دون دعوة، بعد أن ينتهي المهرجان الفتحاوي الذي يكون عادة إمّا على دوّار الساعة أو المنارة. كان يجد نفسه وحيدًا، فالشاب الذي يأتي عادة لأخذه إلى المهرجان، يختفي مع الحشود.

فيبدأ مازن حينها بالسير وحيدًا في شوارع رام الله وصولًا إلى شارع رُكب. هُناك، كان يبدأ بالسير تلقائيًا، دون قرار مسبق، باتجاه الدكّان الذي يقع وسط كُل شيء. يقترب قليلًا، ينظر من الشبّاك الزُجاجيّ ليرى إن كان سائد هُناك، ويتقدّم. أمّا ما خسروه أشباه أصدقاء الطفولة، فكان أكبر بكثير مما سيكسبه مازن وسائد لاحقًا.

لم يفكروا أبعد من علي بابا، ولم ينظروا خلفهم. وطبعًا، لم يفهموا- أن الأشياء تتبدّل ولا تختفي، وأن الطبيعة كما يُقال على لسان ماركس، لا تقبل الفراغ، وأن رفض الكحول في الصغر، أبعد ما يكون عن النقش في الحجر. وعندما مات علي بابا، وُلد جوني ووكر. وفي اللحظة التي توقّف فيها جرس المدرسة عن إعلان الحفلة، بات المغيب هو من يُعلن عن البدء.

زُجاجة البيرة الأولى كانت تجعل من مازن متحدثًا، الزُجاجة الثانية كانت تجعل منه مرحًا، والثالثة فكانت تجعله صديقًا. أمّا سائد، فكان في الزُجاجة الأولى يطرب، وفي الثانية يتحدّث، وفي الثالثة يغدو رجلًا.

وما الذي يفعله الرجل عندما يصبح رجلًا؟ يشرب ويسكي. كان يغدو رجلًا، يمُد يده خلفه على الرف، يحمل زُجاجة ويسكي، يفتحها بعُنف وهو يلهث، يطرُقها على الكاش، ويبدأ بالشُرب وكأنّه يراها للمرّة الأولى. أمّا مازن، فكان يُفتح مع قنينة الويسكي كأنّه مارد يختفي تحت عكّاز جوني ووكر. وكان عملهما، يسمح بهذا النوع من الحياة. فسائد كان يستبدل والده في الدكّان بعد الساعة الرابعة، أمّا مازن فالتحق بالأمن الوطنيّ، والأمن الوطنيّ لا يعمل وفقًا للساعة.

هذا بالإضافة إلى أن لمازن معزّة خاصة، فهو لا يُناقش إلّا سكرانًا. سنوات وراء سنوات، وهما على هذا المنوال، يعيشان على قاعدة أن كلام الليل يمحوه النهار. وكيف إن كان الليل سكرانًا؟ أي نهار هذا الذي سيمحو الممحو أصلًا؟ لم يكُن النهار نهارًا، بل كان مجرّد "هانغ أوفر" طويل جدًا، لا يختفي إلّا مع زُجاجة بيرة إضافيّة، تجر خلفها زجاجتين وزُجاجة.

وفي نهاية كُل سكرة، كان يسأل مازن عن السعر، فيرُد سائد بذات الديباجة: الشيطان بدفع، بكفّيش منسكر، وكمان ندفع؟ ويُعطيه في النهاية قنينة للطريق، فيخرج ليشربها على باب محلّات نصّار للأدوات المنزليّة، ويبدأ بالمسير إلى مخيّم الأمعري، بعد أن يقف على دوّار المنارة وحيدًا، ويستفرغ على الأسد.

 كانت حياة تُنذر بكحوليين اثنين، نهايتهما ستكون حتمًا في مقهى رام الله. إلّا أن دخول الوحوش لاجتياح رام الله بعد العام 2000، وانهيار مُفاوضات عرفات- براك حول الدخول إلى الغرفة، كان قد خرّب مسار التاريخ. الآن، الدكّان مُغلق بأوامر منع التجوُّل. أمّا الأمن الوطنيّ، فما زال كما هو لا يهتم بساعات الدوام. الأمن الوطنيّ الآن بات يعمل على مدار الساعة.

كان سائد ينهض يوميًا، يمرّ على الأحرف الأولى سريعًا في قائمة الشهداء باحثًا عن حرف الميم. وعندما يتأكّد أن أحدًا منهم لا يمتد إلى الألف بعد الميم، يضع الجريدة جانبًا، ويشرب قهوته. ولاحقًا، يجلس على التلفاز لمُشاهدة أي شيء، يحصل على بُعد أمتار منه. حتّى أنّه في يوم من الأيّام، فكّر أن يعمل صحافيًا، فيداه الكبيرتان جدًا قادرتان على حمل الكاميرا، وطوله يسمح له بأن يصوّر رام الله كُلها دون أن يتحرّك من خلف الدبّابة.

سرعان ما كانت تختفي الفكرة من رأسه، وتدخُل أخرى. وفي يوم طبيعيّ جدًا، في حدود الطبيعيّ في الشرق الأوسط طبعًا، بدأ صوت الرصاص يبدو أكثر غزارة من الوضع الطبيعيّ. ذهبت أمُّه سريعًا لفتح التلفاز، كانت الكاميرا تركُض خلف أربعة شبّان يركضون في شارع رُكب، خلفهم كتيبة وأمامهم دبّابة، انعطفوا يمينًا ودخلوا "عمارة النتشة"، باستثناء مُلثّم واحد انعطف يسارًا وركض باتّجاه الدكّان.

تمسمر سائد أمام التلفاز، للمرّة الأولى يكون مستقيمًا. وقف المُلثّم أمام باب الدكّان، طرقه مرّة واثنتين وثلاثا. أمّا سائد فركض نحو الباب، كان أبوه يقف هُناك فأعاد ضبطه أمام التلفاز.

ثلاثة وحوش، وقفوا خلف المُلثّم، أطلقوا النار فأدار وجهه واشتبك. فأطلقوا النار على رأسه، تناثر دماغه على درجتي الدكّان، وسقط جالسًا ظهره على باب الدكّان ورجلاه ممدودتان وكأنّه الآن قد وصل إلى الجبل وارتمى. سقط اللثام عن وجهه، ومن فيهه الصغير، كان هذا مازن. أمّا سائد، فركض إلى غرفته سريعًا، جلس في الزاوية، وضع رأسه بين قدميه، بكى كثيرًا، وكان يُردّد ذات الجُملة: "بدّيش الدكّانة".

يردّدها ويصرُخ...  إم الدكّانة. تنده أمّه وأبوه ويصرخ: بدّيش أروح ع الدكّانة. حتّى جاء والده من الخارج، بكى هو الآخر، حضنه وقال: بدناش الدكّانة يابا. إلّا أنّ سائد لم يتحرّك، بقي على هذا الحال، يصرخ: بديش الدكّانة من شان الله بدّيش الدكّانة.

أمّا والداه، فكانا يصرخان من أمام التلفاز: والله ما عدنا نروح الدكّانة. ولكنّه لا يتوقّف. ومع المغيب، كسر زُجاجة جوني ووكر. فنهض منها جوني، وقال: أنا المرسال، قوم اطلع ع الدكّانة. حاول أن يضربه، فلم يستطع. رفع عينيه، وقال: خُذني، مش طالع ع الدكّانة. وفي هذه اللحظة، خرج صوت من عكّاز جوني، جهور وعميق كأنّه يأتيّ من نواة الجحيم وقال: أمّك، ثم أباك.

فارتعب، رجف، انتهى. وفي هذه اللحظة، سمع صوتًا يقول "ساعتين للشراء". فنهض، صعد في نزلة البريد حتّى وصل إلى المفرق، بوظة رُكب على يمينه، والدكّان على يساره. نظر إلى الأرض، فكان الدم جافًا، وعلى باب الدكّان الأبيض القديم جدًا، كان هُناك بقعة زهريّة.

تقدّم، وضع المفتاح في الباب، بصق، وبدلًا من يا رزّاق قال يا أخّاذ، فتح الباب، دخل إلى كُرسيه المتموضع يسارًا. جلس هُناك، ولم يتكلّم. لم يغيّر شيئًا في الدكّان طيلة 20 عامًا، لا يزال ينمو من الأطراف وكأنّه صُنع خصيصًا للدكّان.

يذهب يوميًا، يجلس في الدكّان، لا يحترم أحدًا ولا يُحدّث أحدًا. كُل ما يريده يستطيع الوصول إليه دون النهوض، وعلى باب الدكّان هُناك ماكنة صُنع قهوة بخدمة ذاتيّة، وماكنة إخراج ألعاب أيضًا ذاتيّة الخدمة، بالإضافة إلى ميزان يعمل أيضًا عندما تضع به شاقلًا، وصحيفة القُدس.

أمّا الشيطان، فقد بات يأتي يوميًا بعد الإغلاق، يدخُل من الباب مُباشرة إلى اليمين حيث هُناك ستار، يزيله بيده ويدخل. يمضي ما يُعادل الساعة، يخرج ليقف أمام سائد:

- صباح الخير

- لا يرُد

- ممكن واحد بارلامينت قصير؟

- يضعه أمامه ولا يرُد

- تفضّل

- يأخُذ النقود ولا يرُد

- شكرًا

- لا يرُد

وعندما يصل الشيطان إلى الباب، يسأله: مازن عندك؟ فلا يرُد الشيطان. استمر هذا الحال لقُرابة العامين، حتّى جاء جوني بدلًا عن الشيطان وفي ساعات الصباح الباكر جدًا، فتح فتحة في رأس سائد. وخرج. جاء الشيطان ليلًا، فوضع فيها شاقلًا وقال:

- صباح الخير

- صباح الفُل

ومن ثم دخل خلف الستار مرّة أخرى.

 

  • كاتب من فلسطين

 

 







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي