قصة ثمود رمز تأسيسي للثقافة العربية

2021-10-04 | منذ 2 شهر

حضارة لا يزال تاريخها مثيرا للجدل

أهملت الأسطورة، من حيث اعتبارها أحد المكونات الأساسية في الثقافة العربية الإسلامية، وتم إقصاؤها إلى مرتبة ثانية، لتندرج ضمن الأدب الشعبي.‏‏

بينما الأسطورة ما هي إلا الحكاية الرمزية التأسيسية. توصل ضمناً رسالة عن تأسيس مجتمع، أو تعليل ظاهرة. فليست كلها أباطيل وليست كلها حقائق.‏‏ هذا ما يثبته المستشرق الأميركي ياروسلاف ستيتكيفيتش في بحوثه، لكن بحوثه لم تخل من نظرة استشراقية.

عمان – في كتابه الجديد بعنوان “من الاستشراق إلى الاستغراب .. تفكيك كتاب محمد والغصن الذهبي”، يجادل الناقد الأردني عبدالقادر الرباعي أفكار الاستشراق ويعيد قراءة الكتاب الشهير “محمد والغصن الذهبي: إعادة ترميم الأسطورة العربية” للمستشرق الأميركي ياروسلاف ستيتكيفيتش.

ولقد كان لاطلاع الربّاعي على جهود المستشرقين الألمان وبعض المستشرقين الأميركيين وخاصة ستيتكيفيتش وزوجته سوزان فرصة لاستعراض تاريخ الاستشراق الأدبي والثقافي، وهو ما كرس له كتابه الجديد.

قصة ثمود

يشتمل كتاب الرباعي الذي صدر أخيرا عن دار جرير للنشر والتوزيع في عمان وجاء في 205 صفحات من القطع الكبير على مقدمة وتوطئة ومصادر ومراجع وثلاثة فصول.

وإن كان إدوارد سعيد يرى في كتابه “الاستشراق”، أن الغرب لا يسمح للمثقف العربي أن يمثِّل نفسه، لا يراهُ إلا من الزاوية التي يحتاجهُ منها وفيها، السبب في هذه النظرة أن المثقف الغربي يرى أن المثقف العربي غير قادر على تقديم نفسه أو القضايا التي يحملها بأدواتِه التي يمتلكها اليوم أو في الماضي، فإن الرباعي لا ينطلق من أي صورة مسبقة أو مستنتجة في تفكيكه لأفكار ستيتكيفيتش الذي يعد واحدا من أبرز المستشرقين.

قصة ثمود كما ذكرها ستيتكيفيتش تحفل بمجموعة من الأفكار الاستشراقية التي تستحق وقفات نقدية صريحة وهادفة

وقد خصص المؤلف كتابه لدراسة آراء مستشرق مألوف للنخبة البحثية العربية في جامعاتها الكبرى وهو البروفيسور ياروسلاف ستيتكيفيتش، الذي زار أكثر هذه الجامعات وألقى فيها بحوثا وشارك في مجموعة من الحلقات العلمية والمؤتمرات والندوات التي تعقدها تلك الجامعات.

ويعمل ستيتكيفيتش أستاذاً في الأدب العربي بقسم اللغات وحضارات “الشرق الأدنى” في جامعة شيكاغو. كما أنه باحث في قسم الدراسات العربية والإسلامية، بجامعة جورجتاون في العاصمة الأميركية واشنطن، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي عام 1962 من جامعة هارفارد.

وقدم ستيتكيفيتش عدداً كبيراً من الدراسات والبحوث التي تتناول الثقافة العربية، وتسعى إلى تقديمها على نحو منهجي، إذ تناول في دراساته اللغة العربية الأدبية وتطوراتها المعجمية، كما شغلته الشعرية العربية الغنائية، وجاء كتابه “صبا نجد: شعرية الحنين في النسيب العربي الكلاسيكي” تجسيداً لهذه الحالة الشعرية الغنائية. إذ يعتقد أن الشعر العربي أصلاً وفي معظم الأحوال، شكلاً وموضوعاً، هو شعر غنائي.

ويبقى أبرز بحوثه كتابه “محمد والغصن الذهبي: إعادة ترميم الأسطورة العربية” الذي استغرق العمل فيه قرابة عشرين عاما، وسعى فيه إلى النفاذ إلى البدايات المبهمة للتاريخ العربي، وتوصل إلى التاريخ الفعلي للقبائل العربية البائدة وبخاصة قبيلة ثمود التي استطاع أن يستنقذ تاريخها، كما قام بترميم حكاياتها وتحليلها في ضوء قراءة بصيرة. وقد قدم حكاية ثمود العربية القديمة كإحدى الحكايات التأسيسية الكبرى للثقافة للعربية منذ أقدم عصورها حتى اليوم، في سياق الفهم الحديث كما تناولتها المدارس النقدية الحديثة.

ويُعنى كتاب ستيتكيفيتش بترميم قصة ثمود وتحليلها، وهي رمز من الرموز التأسيسية للوعي العربي في المخيال الجاهلي، وقد أعاد الإسلام صياغتها بعد تأطيرها في إطار (القصة / العبرة) لتكون رمزاً تأسيسياً لمجتمع جديد.

يفتح هذا الكتاب أمام القارئ العربي آفاقاً في قراءة تراثه الأدبي. فهو إذا يقرأ قصة ثمود، من خلال ما كتبه عنها الإخباريون والقصاص والمفسرون، إذ يعيد قراءة تاريخها فيقوم بخطوتين في اتجاهين متعاكسين: خطوة أولى هي ترميم تاريخ ثمود وتخليصه من الأسطورة، وخطوة ثانية هي ترميم أسطورة ثمود وتخليصها من التاريخ..

وتحكي الأسطورة عن قوم ثمود من العرب البائدة، الذين استوطنوا مدينة الحجر الصخرية شمال الحجاز وما جاء فيهم من فتنة مشؤومة سببتها ناقة، هي ناقة النبي صالح (عليه السلام).

لكن ستيتكيفيتش يحرر قصة ثمود من لبوسها الأسطوري، ذاكرا تأثير سقوط البتراء (حاضرة النبطيين) بيد الرومان سنة 106ميلاديا على الاقتصاد الثمودي الذي تعرض إلى صفعة شديدة مدمرة إذ اعتمد بالأساس على توفير الإبل في خدمة تجار القوافل، فذاكرة الثموديين بسبب تلك الظروف، كانت محملة بالحزن والإحساس بالخسران، وبالتالي من المرجح أن تتغافل عن عينية الأحداث التاريخية، وتسمح للأسطورة بأن تحل محلها.‏‏

وأوضح ستيتكيفيتش أن الغرض الأساسي من تأليف الكتاب “أن أغري زملائي العرب والغربيين المهتمين بالأدب بأن يكتشفوا الشبكة الغنية للأسطورة العربية الأصيلة، وأن يضعوا هذا التقليد العربي داخل التقاليد الأوسع، الخاصة بالأسطورة في الشرق الأوسط، وبالأسطورة الكلاسيكية اليونانية واللاتينية”.

نقد للاستشراق

يرى عبدالقادر الرباعي في إعادة قراءته لقصة ثمود كما ذكرها ستيتكيفيتش أنها تحفل بمجموعة من الأفكار الاستشراقية التي تستحق وقفات نقدية صريحة وهادفة في آن، مبينا أن كتاب ستيتكيفيتش مليء بالأفكار التي وضعها مستندا إلى مصادر عربية وأجنبية أساسية.

وفي تقصيه لملامح الاستشراق في رواية التاريخ العربي لا ينكر الرباعي أن مفهوم الاستشراق بعالميَّته ليس متوحِّدا من حيث الهيكل العام لمَن يتَّخِذ منه أسلوب بحث ودراسة وحياة، لكنَّه مختلفٌ في التفاصيل وفي الأهداف، ولا يمكن أن نضع كل الأفكار الاستشراقية في سلة سلبية واحدة أو أن نكيل لها بالتهم قبل تقصي تفاصيلها.

وقد اعتمد المؤلف الحجاج الهادئ قاعدة للانطلاق في نقد النقد، سواء في هذا الكتاب “من الاستشراق الى الاستغراب” أو في أثرين آخرين له هما “كتاب العربية الفصحى الحديثة” و”بحث في نفي العلاقة بين سينية شوقي وسينية البحتري”، لافتا إلى أنه “على الرغم من اختلاف المنحى في تأليف هذه الآثار الثلاثة إلا أن النهج الاستشراقي المنزاح عن الصواب واحد فيها جميعا، ما يؤكد أن الغاية في الانحراف عن الجادة السوية في النهج محفورة في أعماق المؤلف ياروسلاف ستيتكيفيتش نفسه تجاه التراث العربي عامة والإسلامي خاصة، وبهذا فرض على المتلقي واجب النقد والجدل والتفكيك للآثار الثلاثة المذكورة”.

ويناقش الرباعي مدى دقة القصة التي ذكرها ستيتكيفيتش عن قوم ثمود، مبينا بعض مواطن الخلل فيها وأنها تحتاج أكثر إلى التحري والتقصي، فيما يتفق مع المستشرق على أهميتها في التأسيس المبكر للثقافة العربية بكل حمولاتها الأسطورية والمعرفية وحتى تأثيرها في الشعر والمخيال العربيين.

يشار إلى أن الدكتور الرباعي يعد واحدا من أبرز النقاد الأردنيين والعرب، عمل أستاذا للنقد والأدب في عدد من الجامعات الأردنية والعربية، وتبوأ عددا من المناصب الأكاديمية الرفيعة ومنها رئيسا لجامعة جدارا، وصدر له العديد من المؤلفات والأبحاث والدراسات عن هيئات نشر أردنية وعربية وازنة ومن كتبه، “صورة الفنية في شعر زهير بن أبي سلمى” 1984، و”طاقة اللغة وتشكل المعني في قصيدة (الربيع) للبحتري، دراسة نصية” 1992، و”من آراء المستشرقين بالتراث: قراءة في فكر ستيتكيفيتش حول القصيدة العربية واللغة العربية” 1993، و”جهود استشراقية معاصرة في قراءة الشعر العربي القديم” 2008 وغيرها.

 






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي