"بريد متأخر" رسائل شاعرة عمانية إلى كائن لا تسمّيه

2021-09-21 | منذ 1 شهر

الإنسان المرسل إليه كائن غريب (لوحة للفنان بسيم الريس)مسقط - تقدم الشاعرة العمانية فتحية الصقري يومياتها عبر إصدارها الجديد “بريد متأخر”، الذي أهدته “إلى أصدقائي دائما، الذين ساعدوني على الهروب والتحليق”، مفتتحة كتابها بنص بعنوان “أشياء صغيرة لا ترى” تقول فيه “لا أحد يعرف، حتى هذه اللحظة، سرَّ احتفائك الدائم بالحياة، ضحكتك المخلوقة من ضلع الصباح، جانبك المضيء، علاقتك الوطيدة بالألوان الربيعية، تمسُّكك بالصور المَرِحة، راقصةً ومختالة في أعماق أعماقك، وأنت خارج البيت، لا أحد يعرف قوة توازنك، مِن أين تنبع؟ ونشاط الانزلاقات في طبقات روحك ثابت بين متوسط وعالٍ”.

وتأتي نصوص الكتاب، الصادر عن دار لبان للنشر، بهوية رسائل تبعثها المؤلفة إلى كائن لا تسمّيه، ترسمه من خلال كلماتها، وكأنها تخبره عن أفكارها ورؤاها تجاه الكثير مما يدور في فلكها ككاتبة تواجه العالم بالكلمة، وقد تكون ذاتها، وهي تواجه “كوابيس المبدع”، تخاطب الذات الأخرى، مفصحة عن مكبوتات تبدو شخصية.

ونجد الصقري تقول مثلا إلى المرسل إليه “تحاول أن تكون طبيعيًا، كائنًا بشريًا عاديًا، يثرثر عن أيّ شيء، ويسمع كلَّ شيء، يضع كل العلاقات تحت مسمَّى واحد، لا يفرِّق بين من يحب، وبين من يتعامل معهم لإنجاز مهمة ما تخص العمل، أو تخص مناسبة سعيدة يحتفي بها، يضعُ الجميع في خانةٍ واحدة، يوزِّع محبته بالتساوي، يتدخل في شؤون الناس الخاصة، ويتناقل الإشاعات، ورسائل الجمعة، وأخبار الموت والزواج والولادة التي تحدث في العالم، ويتداول صور المناسبات الاجتماعية، والحياة الخاصة، وآخر صراعات المظاهر، ومسابقات الألقاب، عبر جروبات الواتساب، ومواقع التواصل”.

وكأننا بالشاعرة تخاطب نفسها كما تخاطب الإنسان عامة دون تحديد، تخاطب الجانب السلبي والإيجابي فيه، في عملية تشبه التعرية والكشف.
وتقترب الصقري من اليومي والاعتيادي لتعبّر عنه من خلال مقاربات تبدو جليّة أكثر ودائما توجه كلامها إلى ضمير المخاطَب الذي يجمع لا ذات واحدة بل ذواتا متعددة، تقول “من واقع تعاملاتك اليومية لتوفير أمنك المعيشي البسيط، سارق استقرار قلقك وطمأنينة حروبك، ترعبك مهارةُ المقلِّدين، يرعبك هذا التلصُّص، والقنص العلني الخطير المنتشر بقوة في كل مكان، العصيّ على الرقابة، والضبط، المتنامي، المتمدِّد بحرية في بيئة خصبة محميَّة، لا تمتد إليه يد، ولا تلتفت إليه عين، يرعبك التقليد الأعمى، يرعبك النسخ واللصق، يُرعبك صمت المقلِّد، وهواياته”.

وتضيف “يُرعبك عجزُك عن فعل شيء، عن تغيير شيء، غير نشر مقولة نيقولاي غوغول ‘إن بعضَ الناسِ يعيشون في هذا الوجود، لا كشخصيات مستقلة قائمة بذاتها، بل كالبُقع واللطخ على شخصيات الآخرين’، أو مقولة هيرمان ميلفيل ‘من الأفضل أن تفشل في الإبداع، على أن تنجح في التقليد’ على حسابك في الإنستغرام، مرفقًا بلوحة فنية”.

وتدخل الشاعرة معالم الوجود الفردي اليوم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بما باتت تكتنزه من ثقافة تمجد الذات المنعزلة وتحفر عميقا في اختلالها، مواقع وفرت فرصة لانتشار الزيف كما كانت من ناحية أخرى متنفسا لبعضهم.

الشاعرة ترسم يومياتها وتقدم رؤاها للذات والآخر كاشفة عن قضايا الإنسان المعاصر في زمن التكنولوجيا والمشاعر المتناقضة

وترى الصقري أنه “لم يعد بإمكان عشَّاق العزلة اليوم أن يخلصوا في محبَّتهم لها، لم يعد بإمكانهم منحها اهتمامهم الكامل؛ لأنهم مُعرَّضون للنهب، في كل وقت، مُعرَّضون للسرقة، لم يعد بإمكانهم اللعب والضحك مع الصمت والغياب كما كانوا يفعلون”.

وترسم الصقري يومياتها تحت ثمانية عشر عنوانا ضمها “بريد متأخر”، وتأتي العناوين بدءا من “أشياءٌ صغيرة لا ترى” وتتابع بعد ذلك: كوابيس المبدع، من أين يأتي كل هذا الغبار؟، لأن العالم سينتهي، بريدٌ متأخر، بارانويا الذات المريضة، هل تراودك فكرة إنقاذ العالم؟ التدمير الخلاق، الخراب بابتسامة عريضة، بيت الغواية والأكاذيب، لأن الذي لا يحس سعيدٌ دائما، قبلة جديدة على جبين رجل نائم، ضد التشدد، ودودا كريما عطوفا، وغيرها مما يخفي تفاصيل تتراوح بين الذات والآخر وبين اليومي والفكري والتأملات في نصوص مفتوحة خارج باب التجنيس الأدبي التقليدي.

وكتابة الرسائل التي اتخذتها الشاعرة ليست تقليدا جديدا في أدبنا العربي، فمنذ أن وجدت الكتابة، وجدت الرسائل التي كان ينقلها حاملوها عبر البلاد والحمام الزاجل، ثم مرت الوسيلة بتطورات عدة إلى أن وصلنا إلى الرسائل الإلكترونية أو رسائل الإيميل، والتي سرعت من وتيرة التراسل وخلقت لفن الرسائل روافد أخرى منها الصور، بينما اتسعت رقعة القضايا التي يمكن تناولها.

وكان أسلوب الرسائل من أمتع الأساليب الأدبية كتبت من خلالها الروايات والقصائد وحتى القصص، ونصوص خارج التصنيف، كلها استعانت بأسلوب الرسالة، وما الأدب في نهاية المطاف سوى رسالة، كما نتأكد من نصوص فتحية الصقري.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي